شيماء اضباني

كاتبة من المغرب
تخصص فلسفة الفن والجماليات
رسائل من البيت الأزرق: فريدا كاهلو تكتب إلى دييغو ريفيرا

ولدت فريدا كاهلو في البيت الأزرق [1] بالمكسيك سنة 1907م وماتت فيه، بين الميلاد والموت رسمت عمرها كله. كانت طفلة ثم صارت جسدا مكسورا في حادث، فاختارت الريشة ضمادا.
أحبت الفنان دييغوا ريفيرا حبا يشبه العاصفة: “يُهدِّم ويبني، يَخُون ويعود”. زرعت الألم في اللوحة، فأنبتت زهوراً وشوكاً، لم تكن ترسم لترى العالم، بل لترى نفسها لأنها كانت وحدها، رحلت سنة 1954م، لكنّها تركت لنا وجهاً واحداً لا ينسى: “وجه امرأة حولت الجرح إلى فن.”
عبرت الفنانة المكسيكية فريدا كاهلو عن آلامها ومعاناتها وجراحها في رسائلها[2] لزوجها الرسام دييغو؛ عبرت عن الألم في الورق، فالكتابة هي النافذة التي تطل بها على العالم الداخلي بكل ما يحمله من أعمق وأنبل المشاعر الإنسانية، يمكننا القول بأن الرسالة هي الصُّراخ الأولي الخام، واللَّوحة هي الصّراخ بعد أن تم تهذيبه بالجمال، فريدا لم تفصل بين الحياة والفن، لذلك لم تفصل بين الرسالة واللوحة، وبالتالي فالعلاقة بين الكتابة والرسم هي علاقة تكامل في الجماليات. “لا أخشى الألم وأنت تعلم ذلك جيدا، فالألم كما تعلم مقترن بي دائما، وعلى الرغم من اعترافي بأنني عانيت كثيرا عندما خُنتني في كلِّ مرة فعلت فيها ذلك، وليس فقط عندما خنتني مع أختي ولكن مع العديد من النِّساء الأخريات.” جزء من الرسالة التي كتبتها الرسامة فريدا كاهلو إلى زوجها دييغو ريفيرا قبل قيامها ببتر قدمها والتي تعتبر من أشهر الرسائل بما تحتويه من مشاعر صادقة متضادة ما بين الحب والكراهية والغضب. حيث يتضح أن العلاقة بين الزوجين كانت عبارة عن نار وماء، حب ووجع، وخيانة وغفران.” وفي ذلك الوقت وهي مدركة تماما لتعقيدات العيش معه، قامت بتسمية (دييغو) حادثها الثاني”[3] تقصد حادث الحافلة الذي شللها ودييغو ريفيرا الذي شل قلبها.
كتبت الرسائل بعد ما عرفت بخيانته مع أختها كريستينا، ولكن رغم الألم فضلت الرجوع إليه لأنها لا تستطع العيش من دونه. بالتالي حولت الألم للغة شاعرية. من هنا نجد الازدواجية بين الوجع والجمال مما يجعنا بصدد فن فريد من نوعه.
فريدا لم ترسم حياتها بل عاشت لوحاتها، وبالتالي حولت كل خيانة، كل عملية إجهاض لرمز. الفن هنا كصرخة: حولت ألم الخيانة والمرض والإجهاض للوحات، الجسد المجروح أصبح لوحة.
نجدها في رسالة سنة 1939م بعد خيانة دييغو مع أختها تصرخ: “دمرتني أنتَ وأختي … كيف أترك قلبي؟” وهذا النص نفسه تحول بعد أشهر إلى لوحة “العمودين” حيث ظهر قلبها مشطوراً على طاولة العمليات. وهنا تتجلى “علاقة التكامل” بين القيمة والألم: فقيمة المعاناة الإنسانية تحولت إلى قيمة جمالية عبر فعل الرسم.
اللوحات كمرآة للألم:
في صيف 1925م، وبعد أن حطم حادث الباص جسدها البالغ من العمر ثمانية عشر عاماً وجدت فريدا نفسها طريحة الفراش لشهور، لم يكن أمامها من العالم سوى سقف الغرفة ووجهها المنعكس في المرآة التي علقتها أُمُّها فوقها. وهكذا، بين الألم والوحدة، ولد الفن من رحم هذه اللحظات الأليمة. حيث وضعت يدها لأول مرة على الفرشاة لا بدافع الفن بل بدافع البقاء. رسمت نفسها لأنها لم تجد موضوعا آخر، ورسمت وجهها لأنه كان الشيء الوحيد الحقيقي الذي تعرفه. وبالتالي فهمت فريدا هنا أن اللّوحة ليس هروباً من الجسد المكسور، بل هو النافذة التي يطل منها على روحه، وأن المرآة التي كانت ترى فيا وجهها ستتحول مع الأيام إلى مرآة يرى فيها العالم كله ألمها. كان الفن هنا وليد الزمان والمكان، وليد الألم والوحدة. “أرسم نفسي لأنني كثيرا ما أكون وحدي، ولأنني الموضوع الذي أعرفه أفضل ما يكون”.
لم تفصل فريدا يوما بين الحياة والفن، لذلك لم تفصل بين الحبر والفرشاة. كانت تكتب لتعيش، وترسم لكي لا تموت، فالرسالة هي الجرح المفتوح، واللوحة هي الجرح بعد أن تم تأطيره و وضعه في المتحف.
يظهر ذلك مثلا في لوحة “المستشفى” 1932 حيث تناولت موضوع إجهاض من منظور ذاتي حيث تحول الدم من خسارة إلى حبر للرسم: “اليوم فقدت شيئا كان سيكون ابننا.أنا أنزف وأرسم. الدم الذي ينزل مني هو نفسه الذي أضع به اللون على القماش.” وفي “السريران” 1939 حيث عرضت أزمة العلاقة الزوجية من وجهة نظرها قبل أن ترسمها كتبتها. الألم النفسي سبق الريشة :”أنا سريران ملتصقات ولا أحد ينام فيهما. أنا امرأتان في جسد واحد وكلتاهما وحيدة.” وفي “العمود المكسور” 1944 حيث قدمت تجسيداً للألم الجسدي المزمن.
لا يمكن اختزال رسائل فريدا كاهلو إلى زوجها دييغو ريفيرا في كونها ” مراسلات عاطفية” فحسب، كما لا يمكن الجزم بأنها كانت مسودات أولى للوحاتها” بشكل قطعي. فالحقيقة تقع في منطقة وسطى بين الاثنين. بل كانت الرسائل واللوحات هما وجهان لعملة واحدة اسمها “البقاء” ففي الرسائل كان البقاء اعترافا بالكسر، وفي اللوحات كان البقاء ترجمة للألم إلى خلود.
فريدا لم ترسم العالم، رسمت جرحها فصار الجرح عالما. وحولت الألم إلى لون. عند فريدا اللوحة كانت اعترافا يمنح الألم معنى، حولت ما لا يمكن قوله إلى لون، وما لا يمكن احتماله إلى صورة، فصارت لوحاتها لا تعكس الوجه فقط، بل تعكس وجع الروح.
جماليات الجسد الأنثوية:
أعطت فريدا كاهلو قيمة للمعاناة الإنسانية المسكوت عنها، وبالتالي كسرت الصورة النمطية والتقليدية للمرأة. كان الألم الأنثوي قبل فريدا بلا صورة وبلا اسم، ومع فريدا صار له اسم وصورة، ولم نعد بصدد ألم مبهم بل لوحة تجسد المعاناة في أعمق صورها. يمكننا القول إن تجربة فريدا كاهلو مثلت تحولا مهما في تمثيل الألم الأنثوي. ففي الوقت الذي كان فيه هذا الألم يعالج بشكل رمزي أو يترك دون تصوير مباشر في أعمال سابقة، جاءت فريدا لتقترب منه بدرجة عالية من الصراحة الشخصية. وبهذا الشكل ساهمت فريدا في منح هذا النوع من التجارب حضورا بصريا واسما مرتبطا بتجربتها الخاصة، مما جعلها واحدة من الأصوات البارزة التي فتحت المجال للتعبير عن المعاناة الأنثوية في الفن الحديث.
جسدت لوحاتها الفنية عمق المعاناة بوضوحها وشفافيتها، لتسلط الضوء بذلك عن المعاناة النسائية في كل زمان ومكان، وتعبر عن قيمة المرأة كصوت حاضر وبقوة في الفن، وهنا نجد البصمة القوية التي تركتها الفنانة التشكيلية للتجاوز بذلك حدود المكسيك لتصل لقلب العالم. وهذا ما يتجسد لنا بوضوح في كونها رسمت بلا خجل، بل بحرية ومن دون قيود، وأرسلت للعالم رسالة واضحة ألمي حقيقي، ويستحق أن يرى بالتالي ما كان يعتبر عارا أصبح شجاعة. لم ترسم الألم من أجل تشويهه بل رسمته وزينته بالورود والألوان.
منحت الفنانة المكسيكية قيمة جمالية وإنسانية للمعاناة النسائية المسكوت عنها، فقد نقلت من دارة “الخاص والعار”، إلى دائرة العام والجمال”، لم تعد المرأة ضحية صامتة بل أصبحت فنانة تملك أداة التشريح: الفرشاة. وهكذا تحول جسد المرأة إلى موضوع للقيمة والخلود في الفن. “عرض لامرأة واحدة في معرض الفن الحديث في (مكسيكو سيتي ) عام 1953[4].
خلاصة القول لم تكن فريدا كاهلو ضحية للألم، بل كانت فيلسوفة له. فقد وضعت نظرية تقول: الألم الذي لا يقال يقتلك، والألم الذي يرسم يخلدك ومن هنا يمكننا الحديث عن ثلاثيتها: تكتب الألم في الرسالة، تجسده في اللوحة، وتزينه بالألوان. جعلت الفنانة التشكيلية من ألمها فلسفة للحياة، لم يكن فنها هروبا من الواقع، بل مواجهة مباشرة معه. حيث حولت معاناتها إلى لغة عالمية عبر رسوماتها.
هايدن هيريرا، فريدا: سيرة حياة فريدا كاهلو، ترجمة علي عبد الأمير صالح، دار المدى للنشر الطبعة الأولى2019.[1]
ترجمة : سيزار كبيبو، رسائل فريدا كاهلو، جمعتها: مارثا زامورا، دار التكوين للنشر.[2]
كلوديا شيفر، الحب المقدس والمدنس في حياة فريدا كاهلو، ترجمة محمد الفتشكي، ألكا للنشر، ص:74.[3]
كلوديا شيفر، الحب المدنس والمقدس في حياة فريدا كاهلو، مرجع سابق، ص:11.[4]
مقال خاص لصحيفة قريش

















































