العراق أكبر من أن يُقرأ من مدرجات كأس العالم

22 يوليو 2026
العراق أكبر من أن يُقرأ من مدرجات كأس العالم

فاروق الدبّاغ


نشرت مجلة Fokus السويدية مقالًا بعنوان «العراق في كأس العالم… من الفوضى إلى مستقبل أكثر إشراقًا»، بقلم كارل-ميكائيل تيغلوند، وهو مؤرخ وباحث سويدي في تاريخ التعليم ومحاضر جامعي، يهتم بتقديم قراءات تاريخية وثقافية للمجتمعات.
ورغم الاحترام لخلفيته العلمية وحسن النية الذي يبدو واضحًا في مقاله، فإن قراءة الواقع العراقي لا يمكن أن تُبنى على مشهد احتفال أعقب مباراة لكرة القدم، ولا على انطباع نقله طالب عاد من زيارة قصيرة إلى بغداد. فالعراق ليس حالة أكاديمية يمكن تأملها من مسافة آمنة، ولا بلدًا تُختصر أزماته بصورة جماهير ترفع الأعلام وترقص حتى ساعات الفجر.
العراق بلد ما زال يعيش واحدة من أعقد الأزمات السياسية والأمنية والمؤسساتية في الشرق الأوسط. لذلك فإن الانتقال من فرحة التأهل إلى كأس العالم إلى استنتاج أن البلاد تجاوزت الفوضى وبدأت تستعيد عافيتها، ليس تفاؤلًا بريئًا فحسب، بل قراءة رومانسية قد تحجب جوهر المأساة.
الدول لا تُقاس بعدد من يخرجون إلى الشوارع بعد فوز رياضي، ولا تحصل على شهادة النجاح لأن جماهيرها احتفلت ليلة كاملة. فالشعوب المنهكة تعرف كيف تقتنص لحظة فرح، حتى وهي تعيش تحت وطأة الفساد والخوف وانهيار الخدمات.
قد يرقص المواطن ساعة، لكنه يعود بعدها إلى انقطاع الكهرباء وشح المياه والبطالة وسوء المستشفيات والابتزاز الحزبي والسلاح المنفلت وغياب العدالة. ومن الخطأ أن تتحول لحظة إنسانية جميلة إلى دليل سياسي على أن الدولة أصبحت مستقرة.
منتخب عراقي تصنع مواهبه مؤسسات أوروبية
أغفل المقال حقيقة أساسية، وهي أن عددًا من لاعبي المنتخب العراقي ولدوا أو نشأوا في السويد ودول أوروبية أخرى، وتلقوا هناك التعليم والرعاية الصحية والتدريب الرياضي، واحتضنتهم أندية وأكاديميات محترفة منذ طفولتهم.
هؤلاء عراقيون بلا شك، ونجاحهم مصدر فخر للعراقيين جميعًا، لكن تحويل إنجازهم إلى دليل على نجاح مؤسسات الدولة العراقية هو استنتاج لا يستند إلى الواقع.
فالجزء المهم من هذا النجاح الرياضي هو ثمرة استثمار قامت به دول بنت مؤسسات تحترم الإنسان، واكتشفت المواهب ووفرت لها الملاعب والمدربين والانضباط والرعاية والاستمرارية. أما في العراق، فقد ضاعت آلاف المواهب بسبب الإهمال والفساد وسوء الإدارة وغياب البنى التحتية، واضطر كثير من الرياضيين إلى الهجرة بحثًا عن فرصة لم توفرها لهم دولتهم.
عندما ينجح لاعب عراقي نشأ في السويد أو هولندا أو ألمانيا، فهو يرفع اسم العراق، لكنه يذكّرنا أيضًا بالسؤال المؤلم: كم موهبة عراقية ضاعت داخل البلاد لأنها لم تجد مؤسسة تؤمن بها؟
أنا لا أقرأ العراق من نافذة زائر
ولدت في العراق عام 1964، وعشت عقودًا من الحروب والاستبداد والصراعات التي أنهكت الدولة والمجتمع. ثم شهدت انهيار المؤسسات بعد عام 2003، وما تبعه من صراعات طائفية، وصعود للميليشيات، وتفشٍّ للفساد، وتنامٍ للنفوذ الإيراني داخل مفاصل القرار السياسي والأمني.
لذلك لا أحتاج إلى شهادة طالب عاد من بغداد ليخبرني أن العراق أصبح بخير لأن الناس احتفلوا في الشوارع.
العراق لا يُقرأ من ليلة احتفال، ولا من صور المشجعين، ولا من مباراة في تصفيات كأس العالم. العراق يُقرأ من واقع ملايين المواطنين الذين ما زالوا يبحثون عن دولة تحميهم، لا عن حزب يحكمهم، ولا عن ميليشيا تفرض عليهم إرادتها.
يُقرأ من الشباب الذين غادروا وطنهم لأنهم فقدوا الأمل، ومن العائلات التي لا تحصل على أبسط الخدمات رغم الثروة النفطية الهائلة، ومن الموظف الذي يحتاج إلى واسطة، والمريض الذي يبحث عن دواء، والخريج الذي ينتظر وظيفة قد تُمنح لمن يملك الانتماء الحزبي لا لمن يملك الكفاءة.
أي دولة مؤسسات نتحدث عنها؟
إذا كان العراق قد بدأ فعلًا رحلة التعافي، فمن حق العراقيين أن يطرحوا أسئلة بسيطة:
من يحتكر السلاح اليوم؟
ومن يملك القرار السياسي الحقيقي؟
ومن يقرر تشكيل الحكومات؟
ومن يحاسب الفاسدين؟
ومن يحمي القاضي إذا اصطدم بأصحاب النفوذ؟
الدولة لا تُقاس بعدد الوزارات، ولا بعدد المباني الحكومية، ولا بعدد الموظفين الذين يتقاضون رواتبهم. الدولة تُقاس بسؤال واحد: هل القانون أعلى من الجميع؟
وفي العراق، ما زال الجواب مؤلمًا.
هناك برلمان، لكن التوافقات الحزبية كثيرًا ما تسبق الدستور. وهناك حكومة، لكن نفوذ الأحزاب قد يتجاوز نفوذ الوزراء أنفسهم. وهناك جيش وقوات أمن، لكن إلى جانبها فصائل مسلحة تمتلك السلاح والمال والنفوذ السياسي والإعلامي، وتتحرك باستقلالية لا تنسجم مع مفهوم الدولة المستقرة.
الدولة ليست مبنى يرفع علمًا رسميًا. الدولة هي سيادة القانون، واحتكار السلطة الشرعية للسلاح، واستقلال القضاء، وخضوع المسؤول للمحاسبة، وشعور المواطن بأن حقوقه لا تتوقف على طائفته أو حزبه أو الجهة التي تحميه.
وهذه الشروط ما زالت، للأسف، بعيدة عن الاكتمال.
العراق لم يُختطف في الحرب فقط… بل بعد انتهائها
بعد عام 2003 لم يكن التحدي مجرد إسقاط نظام سياسي، بل بناء دولة جديدة. غير أن ما حدث في كثير من الجوانب كان عكس ذلك.
بدل بناء مؤسسات وطنية قوية، نشأت منظومة قائمة على المحاصصة الحزبية والطائفية. تحولت الوزارات إلى حصص تتقاسمها القوى السياسية، وأصبحت المناصب العليا في أحيان كثيرة نتيجة التوافقات الحزبية أكثر من كونها ثمرة الكفاءة والخبرة.
ومع مرور السنوات، لم يعد السؤال: من هو الوزير؟ بل أصبح: أي حزب يقف خلف الوزير؟ ومن يملك الوزارة؟ ولمن تذهب عقودها وتعييناتها ومواردها؟
هنا بدأ الانهيار الحقيقي لفكرة الدولة. فعندما تتحول المؤسسة العامة إلى ملكية حزبية، تصبح الموازنة مصدرًا لبناء النفوذ، والوظيفة وسيلة لشراء الولاء، والعقد الحكومي بابًا للفساد.
العراق لا يعاني نقصًا في المال، بل نقصًا في الدولة. ولا يعاني غياب الكفاءات، بل غياب النظام الذي يمنحها فرصة العمل بعيدًا عن شبكات الولاء والمحاصصة.
عندما تصبح الميليشيا أقوى من القانون
لا يمكن لباحث أن يكتب عن العراق المعاصر ويتجاوز حقيقة يعرفها العراقيون جميعًا: السلاح لم يعد حكرًا على الدولة.
هناك تشكيلات مسلحة تمتلك نفوذًا سياسيًا واقتصاديًا وأمنيًا، وتشارك في الحكم، وتملك وسائل إعلام وشركات ومؤسسات مالية. وفي المقابل، يبقى المواطن العادي عاجزًا عن الشعور بأن القانون سيحميه إذا اصطدم بأصحاب النفوذ.
هذه ليست صورة دولة تعافت من الفوضى، بل صورة دولة تتعايش مع مراكز قوة متعددة.
والأخطر أن بعض هذه القوى لا يخفي ارتباطه العقائدي والسياسي بإيران، بل يقدمه بوصفه مصدرًا للشرعية والفخر، حتى عندما يتعارض مع مفهوم السيادة الوطنية واستقلال القرار العراقي.
كيف يمكن الحديث عن دولة مؤسسات بينما توجد قوى مسلحة لها مرجعياتها وقراراتها ومصالحها العابرة لحدود الدولة؟
السيادة ليست خطابًا يُلقى في المناسبات. السيادة تعني أن يكون القرار السياسي والأمني عراقيًا، وأن تخضع جميع القوى المسلحة لقانون واحد وسلسلة قيادة واحدة، وأن تكون المصلحة الوطنية فوق الولاء الحزبي والمذهبي والخارجي.
قضاء يلاحق رئيسًا أمريكيًا… ويترك أسئلة العراقيين معلقة
من أكثر المشاهد تعبيرًا عن أزمة العدالة في العراق أن القضاء استطاع إصدار أمر قبض بحق دونالد ترامب على خلفية مقتل قاسم سليماني، بينما ما زال العراقيون ينتظرون إجابات حاسمة في قضايا اغتيال وقتل وخطف طالت ناشطين وصحفيين ومواطنين.
من قتل الباحث الأمني هشام الهاشمي أمام منزله في بغداد؟
ومن أصدر الأوامر باستخدام القوة القاتلة ضد متظاهري تشرين؟
ومن يتحمل مسؤولية مقتل صفاء السراي وعشرات الشباب الذين خرجوا مطالبين بدولة عادلة؟
ومن خطف الناشطين وأخفاهم، ومن اغتال الأصوات التي تحدت السلاح خارج القانون؟
وأين الحقيقة الكاملة في قضية الصحفية العراقية أطوار بهجت، التي اختُطفت وقُتلت مع اثنين من أفراد فريقها أثناء أداء واجبها الصحفي في سامراء، في بيئة كانت تتحرك فيها الجماعات المسلحة والتنظيمات الطائفية بحرية تفوق قدرة الدولة على حماية الصحفيين؟
ثم جاءت قضية الطبيبة البصرية بان زياد طارق لتفتح جرحًا جديدًا في علاقة المواطن بالمؤسسة القضائية. فقد أُعلن أن وفاتها كانت انتحارًا وأُغلق التحقيق، رغم استمرار الجدل الشعبي والمهني، ووجود مطالبات بمزيد من الشفافية والاستقلال والإجابة عن الأسئلة التي أثارتها ظروف الوفاة.
ليست المشكلة في أن يصدر القضاء قرارًا قد يستند إلى تقارير فنية وطبية. المشكلة أن يتحول إغلاق الملف القضائي إلى محاولة لإغلاق النقاش العام، بدل تقديم الأدلة والشرح الذي يقنع المجتمع ويعيد بناء ثقته.
فالعدالة لا تكتسب احترامها بمجرد إصدار البيانات. تكتسبه بالشفافية والاستقلال والمساواة، وبشعور الناس أن الحقيقة لن تُدفن تحت ضغط عائلي أو سياسي أو مسلح.
عندما يرى المواطن أن القضاء يستطيع ملاحقة شخصية دولية كبرى، لكنه لا يمنحه اليقين في قضايا قتل أطبائه وصحفييه وناشطيه، فمن الطبيعي أن تتراجع ثقته بالدولة.
المشكلة ليست في غياب القوانين، بل في العدالة الانتقائية: عدالة تتحرك بسرعة في ملفات، وتتردد أو تصمت أو تغلق باب النقاش في ملفات أخرى.
العراقيون أقوى من دولتهم
ورغم كل ذلك، ما زال العراقي يفتح متجره صباحًا، ويذهب الطالب إلى جامعته، ويعالج الطبيب مرضاه، ويبني المهندس مشروعه، ويبدع الشاعر والفنان، ويحقق الرياضي الإنجازات.
لكن هذا لا يعني أن الدولة نجحت. بل يعني أن المجتمع العراقي ما زال يقاوم فشل الدولة.
وهذا هو الفرق الجوهري الذي لم يلتفت إليه تيغلوند.
لقد اعتاد العراقيون أن يصنعوا الحياة وسط الركام. احتفلوا وهم يعيشون الحصار، واحتفلوا وهم يواجهون الإرهاب، واحتفلوا وهم يفقدون أبناءهم في الحروب والانفجارات.
واليوم يحتفلون لأن كرة القدم منحتهم لحظة نادرة يشعرون فيها بأنهم شعب واحد، بعيدًا عن الطوائف والانقسامات والصراعات.
لكن هذه القدرة على الفرح ليست إنجازًا للحكومة. إنها انتصار للمجتمع.
العراقي لا يرقص لأن الكهرباء استقرت، ولا لأن المستشفيات أصبحت نموذجًا يُحتذى، ولا لأن الفساد انتهى، ولا لأن القضاء استعاد ثقة الجميع، ولا لأن الدولة استعادت سيادتها الكاملة.
إنه يرقص لأنه يبحث عن نافذة صغيرة يهرب منها، ولو لساعات، من واقع أثقل كاهله سنوات طويلة.
إن تحويل هذا المشهد الإنساني إلى دليل على نجاح النظام السياسي يخلط بين صمود الشعب وكفاءة السلطة، وبين جمال الوطن وأداء الدولة، وبين الانتماء الوطني والرضا عن النظام السياسي.
العراق لا يحتاج إلى قصص جميلة
العراق لا تنقصه الثروات، ولا الكفاءات، ولا الطاقات البشرية. إنه من أغنى بلدان المنطقة بالنفط والغاز والموارد الطبيعية، ويمتلك تاريخًا حضاريًا وشعبًا أثبت قدرته على النجاح أينما توفرت له الفرصة.
لكن المشكلة ليست في الإمكانات، بل في طريقة إدارة الدولة.
عندما تصبح الدولة ساحة صراع بين الأحزاب، وتُدار مؤسساتها بمنطق الولاء قبل الكفاءة، ويُستخدم المال العام لتعزيز النفوذ السياسي، ويصبح السلاح أداة تفاوض داخل السياسة، فإن أي إنجاز رياضي، مهما كان كبيرًا، يبقى إنجازًا للشعب لا شهادة نجاح للنظام.
العراق لا يحتاج إلى مقالات تطمئنه بأنه دخل مستقبلًا مشرقًا لأنه فاز في كرة القدم. يحتاج إلى كهرباء مستمرة، ومياه صالحة، ومدارس محترمة، ومستشفيات تحفظ كرامة المرضى، وقضاء مستقل، واقتصاد يوفر العمل للشباب، ودولة تحتكر السلاح وتحمي مواطنيها.
الدولة لا تُبنى بالهتافات، ولا بالأعلام، ولا بفرحة عابرة. الدولة تُبنى بالمؤسسات والمساءلة والعدالة.
رسالة إلى كارل-ميكائيل تيغلوند
السيد كارل-ميكائيل تيغلوند،
لقد كتبت عن العراق بحسن نية، ولا أشكك في ذلك. لكن حسن النية لا يكفي لفهم بلد مثل العراق.
العراق لا يُقرأ من مدرجات كرة القدم، ولا من صور الاحتفال، ولا من انطباع طالب عاد من زيارة قصيرة.
العراق يُقرأ من أرامل الحروب، ومن أمهات الضحايا، ومن الشباب الذين هاجروا لأنهم فقدوا الأمل، ومن ملايين المواطنين الذين يحلمون بدولة لا يسألهم فيها أحد عن طائفتهم أو حزبهم أو الجهة التي تحميهم.
ما رأيته في بغداد كان احتفالًا لشعب عظيم.
أما ما لم تره، فهو أن هذا الشعب ما زال ينتظر الدولة التي يستحقها.
هناك فرق كبير بين أن ينجح الشعب وأن تنجح السلطة، وأخشى أن مقالك خلط بين الاثنين.
فالمنتخب العراقي نجح لأنه يمثل شعبًا يرفض الاستسلام، ويستحق العراقيون أن يفرحوا بهذا النجاح.
لكن كرة القدم لا تبني دولة.
والمنتخب العراقي قد تأهل إلى كأس العالم، أما الدولة العراقية فما زالت تحاول التأهل إلى دولة القانون.

المصادر:

مقال مجلة Fokus: Irak i VM – ur kaos mot en ljusare framtid.
Transparency International: مؤشر مدركات الفساد الخاص بالعراق.
Reuters: تقارير عن نفوذ الفصائل المسلحة المدعومة من إيران ودورها في تشكيل الحكومات والقرار السياسي العراقي.

Human Rights Watch: تقارير عن قتل المتظاهرين والناشطين والإفلات من العقاب في العراق.
وزارة الخزانة الأمريكية: بيانات العقوبات المتعلقة بشخصيات وشبكات مرتبطة بفصائل عراقية مسلحة وملفات فساد.
لجنة حماية الصحفيين وتقارير المنظمات الصحفية الدولية المتعلقة بقضية أطوار بهجت والانتهاكات ضد الصحفيين في العراق.

البيانات الرسمية والتغطيات الإعلامية المتعلقة بقضية الطبيبة بان زياد طارق.
SVT Sport وFotbollskanalen: تقارير عن اللاعبين ذوي الخلفية السويدية والأوروبية في المنتخب العراقي.
FIFA: بيانات المنتخب العراقي وقوائم اللاعبين.
Sent fro

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


الاخبار العاجلة
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com