عبدالحميد جماهري
إعلامي ومحلل سياسي من المغرب
تبدو الليبرالية المغربية، في علم السياسة كما تبدو «الرهبانية» في علوم الدين الاسلامي، من خلال تلك الآية البديعة في سورة الحديد :«وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا ۖ فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ ۖ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ»…
أكاد أقول إن الليبرالية عند الأحزاب المغربية التي تصل الى السلطة، «ليبرالية ابتدعوها»… ولما وصلوا السلطة لم يرعوها حق رعايتها… والحال أن المسار معقد، وله طفراته ووقائعه وتراكماته. وهو ما يجعلنا ننطلق من أن المغرب، ولاسيما الاقتصادي منه، يرتبط بالليبرالية ارتباطا تأسيسيا، وتراكميا في نفس الوقت، كما صار يرتبط ويستبطن النيوليبرالية كمرحلة متقدمة نعيشها حاليا. ولا يمكن أن نفهم المغرب والكثير من توتراته ، بدون التفكير في هذا الموضوع.
يبدو هذا الأمر مسلما به: المغرب منخرط في العالم الليبرالي المعاصر، والنيوليبرالية تجعله في قلب الاقتصاد العالمي واقتصاد الحكامة كما صارت متعارف عليها دوليا. النيوليبرالية بكل عدتها، تتعلق وتتواشج مع قيم ضاربة في التاريخ، وتتعايشان في قلب الدولة والاقتصاد..
ومع ذلك، فإن النيوليبرالية او الليبرالية المتقدمة، كما يتم الدفاع عنها من طرف المكونات السياسية، ذات إشكال ملغز: موجودة في الواقع ولكن بدون وجود في القوة.
كيف؟ كل آلياتها وقوانينها وسلوكات معتنقيها موجودة، لكن لا وجود لخلفية فكرية ونظرية تتأسس عليها. ولا منظومة قيم صلبة ونزيهة مقنعة.
حتى عندما يدافع عنها من نعتبرهم أصحابها فهم لا يحيلون على أي خلفية من هذا النوع.
رئيس الحزب الليبرالي الأول، لم يجد مثلا من مبرر للدفاع عن قوانين السوق المفترسة، سوى بالإحالة على خيار «قام به المغرب منذ الحسن الثاني”.
وهنا نجد ، ممثل الليبرالية( السوق) يحيل على ممثل التدخل (الدولة)، بما هي المقابل المعاصر لها، للحديث عنها بدون أي عمق في التصور وفي المحاججة!
قد تجد هذه المعاينة دورها في طبيعة الدولة المغربية أو في «تلاقي الحساسيات” affinités .. قد تصل الى تعايش الليبرالية والنيوليبرالية مع أشكال السلطوية في ممارسة الحكم، ما يعني أن المنظومات النيوليبرالية صارت شيئا عاديا يلقي التشجيع، ويدخل في المعيش اليومي للمؤسسات والأفراد الخ الخ… عكس النزعة التدخلية التي سادت في فترات معينة، في العالم كله، وكانت لها إيراداتها الداخلية في المغرب.
الليبرالية أيضا كقيم في الحرية والمنافسة، وقيم الجدية والاعتماد على المجهود، وقيم حقوقية، لا تجد مدافعين أقوياء عنها في التيارات التي تنتسب إليها.. بل لعلهم الشعب الليبرالي الوحيد في العالم الذي يصمت عندما تتكلم هاته القيم: ويكفي أن نتابع القوانين ذات الصلة بالمشاريع المرتبطة بالأسرة ومكانة المرآة، وحقوق الفردية..
في السياسة، ولدت الليبرالية الحزبية، بقوة التأسيس للدولة الحديثة، ولكنها في جزء منها كانت امتدادا للسلطة السياسية في الحقل المجتمعي. هكذا تابعنا مثلا كيفية الميلاد المؤسساتية لليبرالية، التعددية هنا، لكن ضمن «رؤية لامؤسساتية أو مناهضة للمؤسسات»، من خلال إفراغها من محتواها، في المصدر ثم في المصب..!
الليبراليون عندنا لم يزرعوا وُرود الليبرالية. هم إيديولوجيون بدون إيدولوجيا: المهم هو فائض الربح الاقتصادي والسياسي.
فالحالة المغربية، وحسب الباحثين ولدت مع المغرب المستقل وضمن القطاع العام الممركز، ثم تحولت إلى قيم الليبرالية (اللحظة الليبرالية عند الطوزي)، من قبيل بنك المغرب، وتم ذلك بسهولة- بعضها ببعض العنت كما هو حال السيديجي والفوسفاط – وبعض المؤسسات من قبيل المنعطف النيوليبرالي كما هو حال وكالة تقنين الاتصالات ووكالة طنجة المتوسط.(سنعود إلى هاته القصة).
بعض المؤسسات الأخرى في الحكامة أو في «الحداثة النيوليبرالية» وجدت صعوبة في تثبيت نفسها وسط الحقل الوطني، وما زالت ومنها: مجلس المنافسة، وهيئة محاربة الرشوة. وهما لوحدهما عنوانان بارزان على مآل بعض المؤسسات من صلب اللحظة النيوليبرالية المغربية ، ومعاناة القيم الأخلاقية المطلوبة فيها.
كان هناك رفض ونزاع وتوتر ملحوظون بينهما وبين القرار السياسي لا سيما في التجربة التي تنسب نفسها الى التراث الليبرالي الحر في الحكومة الحالية…
وربما كان من ” المنطقي” أن تنمحي في وجه “الدكاكة” النيولبيرالية،كما هو حال صندوق المقاصة، والذي ما زال قرار تقليمه وما ينتظره موضوع توتر سياسي اجتماعي قوي.
ومن الغريب أن هذا الصندوق الذي كان من المفروض أن يشكل نوعا من «ترشيد تغلغل النيوليبرالية”، كان موضوع توتر وما زال، ومرشح أن يظل كذلك، وهو حال مجلس المنافسة الذي كان موضوع رهان قوة انتصرت فيه قوة المال المسنودة بالقرار السياسي.
القرار الذي اتخذته حكومة «إسلامية» يجعل من التيارات الإسلامية حاملة للمشروع النيوليبرالي (ليبرالية حلال )..
كرونولوجيا، هناك مراحل: منها مرحلة إدراج المالية العمومية (من خلال مديرية الضرائب) في السياج اللبيريالي، بوضع طابع جديد للضريبة: ضريبة القيمة المضافة 1986، والضريبة على الشركات ابتداء من 1987، والضريبة على الدخل 1990، وإدراج مفاهيم قريبة من النظام الضريبي الغربي ، عبر الإعفاءات الضريبية مثلا ( قال نور الدين بنسودة عام 2011 إنها صارت هي القاعدة!).
لم تكن الضريبة دوما ذات بعد اقتصادي، مرتبط بالاندماج في سلسة الثروة كما هو متعارف عليها ليبراليا، ولا عنوان للمواطنة، كما هو في التقدير الأمريكي الذين نتابعه حتى في أفلام الحركة والمسلسلات البوليسية، بل عنوانا سياسيا بعيدا عن المعايير الليبرالية او النيوليبرالية.
لدينا ليبرالية مع التهرب من عمودها الفقري: الضريبة!
فكما كان في عهد قريب، لا تدفع العائلات الكبيرة الضريبة! والضريبة بذلك مؤشر على المسافة بين الشخص أو العائلة والسلطة المركزية: اقترب كثيرا فلا تدفع…مقال خاص لصحيفة قريش – لندن



















































