إيران – الإمارات.. فوضى الحسابات الخاطئة

26 يونيو 2026
إيران – الإمارات.. فوضى الحسابات الخاطئة

د. محمد عياش

– كاتب وباحث سياسي 

   يقول «بفلين» الفوضى نظام لم يفهم بعد. هذا المصطلح ينطبق على الفوضى التي تنشأ من عدم الانضباط، والانخراط ضمن مؤسسة أو هيكلية أو تجمع بشري كبير يسود فيه حب الذات وتغليبها على الآخرين، فكيف لنظام عمره سبعة وأربعين عاماً لم يستقر إلا على فكرة السيادة خارج الحدود (نوستاليجيا) تطارد الأغلبية وتضع الشعارات والأوامر التنفيذية، حتى ثروات البلد وتبديدها في سبيل الهدف.

تعكس العلاقة بين إيران ودولة الإمارات العربية المتحدة حالة من التناقض المعقد؛ إذ يتسم المشهد الحالي بتصاعد التوترات العسكرية والدبلوماسية، بالتوازي مع استمرار شبكات المصالح الاقتصادية والمالية في دبي. يمكن تلخيص أبعاد هذه “الفوضى والحسابات الخاطئة” في النقاط التالية؛ التصعيد العسكري والدبلوماسي الهجمات المباشرة؛ تعرضت الأراضي الإماراتية، بما في ذلك البنية التحتية والمطارات، لوابل من الصواريخ والطائرات المسيرة الإيرانية، مما أسفر عن خسائر مادية وإصابات بين المدنيين. اتهامات متبادلة؛ بعد تعرض محطة “براكة” النووية لهجوم بطائرات مسيرة، اتهمت الإمارات وكلاء إيران في المنطقة بالمسؤولية. وفي المقابل، وجه وزير الخارجية الإيراني اتهامات للإمارات ودول الخليج بالتواطؤ. الرد الدبلوماسي؛

اتخذت الإمارات نهجاً يجمع بين الحزم والمحاسبة الدولية، معلنة عن تشكيل لجنة وطنية لتوثيق الجرائم والانتهاكات الإيرانية للمطالبة بـ مساءلة دولية كاملة وتعويضات. الشريان الاقتصادي والمفارقة المالية شريان العقوبات؛ رغم الخطاب السياسي المعادي، تُعد دبي الشريان المالي الرئيسي الذي مكن طهران من الالتفاف على العقوبات الدولية على مدار العقود الماضية. تستخدم شبكات إيرانية آلاف الشركات التجارية ومكاتب الصرافة في الإمارات لإخفاء هويتها، وتمرير مليارات الدولارات لتمويل أنشطة الحرس الثوري خارج الحدود؛ الجزر المحتلة والحدود البحرية تظل قضية الجزر الإماراتية الثلاث المحتلة (طنب الكبرى، طنب الصغرى، وأبو موسى) جرحاً مفتوحاً وأساساً لغياب الثقة، حيث تطالب أبوظبي بإنهاء الاحتلال الإيراني، بينما تعتبره طهران ملفاً غير قابل للنقاش بحكم موقعها الاستراتيجي؛

وتحتضن الإمارات جالية إيرانية ضخمة تقدر بمئات الآلاف، ولديها استثمارات بمليارات الدولارات، وهو ما يخلق توازناً دقيقاً؛ إذ تحاول طهران استغلال هذه الجالية وشبكاتها لتخفيف الضغوط، بينما تنظر أبوظبي إلى هذا النفوذ كخطر أمني يتطلب رقابة صارمة. تُدار هذه العلاقة اليوم تحت مظلة “سوء التقدير” الإيراني، حيث تعتقد طهران أن استهداف دول الخليج يضغط على واشنطن، في حين أدى هذا النهج إلى تحول دول المنطقة – بما فيها الإمارات – إلى جبهة موحدة تطالب بالمساءلة وتقليص أي هامش للوساطة الدبلوماسية في الوقت الراهن.

التناقض الصريح والواضح يتجلى بتناقض التصريحات ومن جهات إيرانية عدة، فبينما تحرص الرئاسة الإيرانية متمثلة بالرئيس مسعود بزكيشيان باحترام العلاقة مع دول الخليج كافة؛ نرى تصريحات نارية صادمة تصدر من قادة الحرس الثوري، وضرورة استهداف الدول الخليجية لزيادة الضغط على الولايات المتحدة وإجبارها على إنهاء الحصار والقبول بالشروط الإيرانية؛ وهذا ما يجعل الموقف الأمريكي يأخذ شكل -الفيتو- على البرنامج النووي والبرنامج الصاروخي ودعم الوكلاء، حيث أن التصميم الأمريكي على الخروج من الأزمة الحالية ضمن شروطها التي تستلزم أن تكون أفضل من الاتفاق الموقع مع الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما 2015؛ والذي ألغاه ترمب في ولايته الأولى 2018.

إن الموقف العربي الخليجي كان بمثابة احترام الجوار وعدم التدخل بالشؤون الداخلية؛ إذ قررت عدم منح الولايات المتحدة أراضيها ومطاراتها وموانئها بالقصف على إيران، لذلك تستغرب هذه الدول الهجمات الموجهة على أراضيها ومنشآتها ومنصاتها النفطية، وما يجيب على هذا الاستغراب هي حالة الفوضى الموجودة أصلاً في النظام الإيراني قبل وبعد الحرب التي بدأتها الولايات المتحدة و«إسرائيل» في 28 فبراير/شباط 2026.

اليوم مع اختفاء المرشد والتكهنات حول صحته وقدرته على القيادة؛ تتجلى الفوضى وتتشظى في كل الاتجاهات، حيث أن القرارات التي تتخذ في غالبيتها مجهولة الجهة، وحتى المفاوضات ووقف إطلاق النار، ربما تأخذ بعض الوقت للرد عليها وذلك للحس الأمني الدقيق حول المرشد ومقره، وبالتالي الانتظار للرد على المطالب والتعديلات الأمريكية.

أعتقد أن الولايات المتحدة و«إسرائيل» لا يناسبهما مثل هذا النظام، لذلك تحارب «إسرائيل» حزب الله في الجنوب، وتدفع الدولة اللبنانية لتولي مهامها والانتشار لمنع إي نشاطات لحزب الله الموالي لإيران في العقيدة؛ والمفاوضات الإسرائيلية- اللبنانية في واشنطن في تتعدد جولاتها.

الإمارات العربية وأخواتها الخليجية يسابقون الزمن في التطور والتكنولوجية والوقوف على آخر المخترعات والاستخدام الأمثل الذي يعطي نتائجه على المواطن في الدرجة الأولى والصالح الدولي ضمن اتفاقيات تقوم على الاحترام والتبادل… بينما النظام الإيراني فقد البوصلة والفوضى العارمة التي لا تبقي ولا تذر..

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


الاخبار العاجلة
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com