السيادة العربية والاتفاق الامريكي الايراني

26 يونيو 2026
السيادة العربية والاتفاق الامريكي الايراني

الدولة العربية ومشكل السيادة:

 دراسة على ضوء بروتوكول الاتفاق الأمريكي–الإيراني الأخير

بقلم د. مصطفى الغاشي 

كاتب مغربي في التاريخ والفكر السياسي والعلاقات الدولية

تصدير،

أعاد بروتوكول الاتفاق الأمريكي–الإيراني الأخير لسنة 2026 طرح سؤال السيادة في العالم العربي من زاوية جديدة. فبينما انشغل الرأي العام الإقليمي بتفاصيل التفاهمات المتعلقة بوقف التصعيد، وحرية الملاحة في مضيق هرمز، ورفع بعض القيود الاقتصادية، برزت إشكالية أعمق تتعلق بموقع الدولة العربية داخل منظومة إقليمية تُصاغ ترتيباتها الأمنية والاستراتيجية غالباً خارج الإرادة العربية المباشرة. 

لقد كشف هذا الاتفاق، كما كشفت قبله اتفاقات عديدة، أن جزءاً مهماً من مستقبل المنطقة العربية ما يزال رهيناً بتوازنات القوى الدولية والإقليمية، وأن مفهوم السيادة العربية ما زال يواجه تحديات بنيوية تتجاوز حدود الدولة الوطنية لتشمل طبيعة النظام الإقليمي العربي نفسه.

أولاً: في مفهوم السيادة وتحولاته في النظام الدولي المعاصر: 

تُعرف السيادة بأنها السلطة العليا للدولة على إقليمها وسكانها، وحقها في اتخاذ قراراتها الداخلية والخارجية بعيداً عن أي إكراه خارجي. غير أن التحولات التي عرفها النظام الدولي منذ نهاية الحرب الباردة أدت إلى إعادة تعريف هذا المفهوم. فالعولمة الاقتصادية، والاعتماد المتبادل بين الدول، وتصاعد التدخلات العسكرية، وظهور الفاعلين غير الحكوميين، كلها عوامل جعلت السيادة التقليدية تتراجع لصالح ما يسمى “السيادة المقيدة” أو “السيادة التفاوضية”.

وفي المنطقة العربية تحديداً، أصبحت السيادة تواجه ضغوطاً متعددة المصادر، منها: الضغوط الدولية والتدخلات الإقليمية،  والأزمات الاقتصادية.

بالإضافة الى النزاعات المسلحة العابرة للحدود وهشاشة بعض مؤسسات الدولة الوطنية.

ثانياً: الاتفاق الأمريكي–الإيراني الأخير وتجليات إعادة هندسة المجال الإقليمي: 

تشير المعطيات المتداولة حول الاتفاق إلى أنه يتضمن جملة من الترتيبات المرتبطة بوقف العمليات العسكرية، وضمان أمن الملاحة في مضيق هرمز، ورفع بعض القيود الاقتصادية، وإطلاق مفاوضات جديدة حول الملف النووي الإيراني خلال فترة زمنية محددة. 

لكن الأهم من البنود التقنية هو الدلالة السياسية للاتفاق.

فالولايات المتحدة وإيران تفاوضتا حول ملفات تمس بشكل مباشر الأمن القومي العربي، ك: 

1- أمن الخليج.

2- حرية الملاحة البحرية.

3 – أسواق الطاقة.

4 – التوازنات العسكرية الإقليمية.

5 – مستقبل بؤر التوتر في المشرق العربي.

وهنا يبرز السؤال الجوهري: أين كانت الدولة العربية أثناء صياغة هذه التفاهمات؟

إن مجرد كون قضايا عربية استراتيجية تُناقش بين قوى غير عربية يكشف محدودية القدرة العربية على التأثير في صناعة القرار الإقليمي.

ثالثاً: الدولة العربية بين السيادة القانونية والسيادة الفعلية: 

رغم تمتع الدول العربية بعضوية الأمم المتحدة وامتلاكها كافة مقومات السيادة القانونية، فإن السيادة الفعلية تبدو أقل حضوراً في الواقع السياسي. ففي العلاقات الدولية المعاصرة لا تقاس السيادة بالنصوص الدستورية فقط، بل أيضاً بقدرة الدولة على:

1 – التأثير في محيطها.

2 – حماية مصالحها الاستراتيجية.

3 – المشاركة في إنتاج التوازنات الإقليمية.

4 – فرض رؤيتها في القضايا المصيرية.

ومن هذه الزاوية يمكن الحديث عن فجوة بين: السيادة القانونية التي تمتلكها الدول العربية، والسيادة الاستراتيجية التي ما تزال محدودة في كثير من الحالات.

رابعاً: الاتفاق الأمريكي–الإيراني وأزمة النظام العربي: 

تكشف التطورات الأخيرة أن الأزمة ليست فقط أزمة دول منفردة، بل أزمة نظام إقليمي عربي برمته.

فمنذ عقود تراجع الدور الجماعي العربي لصالح أدوار إقليمية أخرى، أبرزها: إيران وتركيا، وإسرائيل.

وأصبحت العديد من الملفات العربية الكبرى تُدار خارج المؤسسات العربية المشتركة.

إن الاتفاق الأمريكي–الإيراني يمثل مثالاً واضحاً على هذا التحول؛ إذ إن ترتيبات تمس الأمن العربي تمت من خلال حوار ثنائي بين واشنطن وطهران دون مشاركة عربية مؤثرة. وهذا الوضع يعكس اختلالاً في موازين القوة أكثر مما يعكس اختلالاً في النصوص القانونية.

خامساً: هل انتهت السيادة العربية؟

الجواب هو لا طبعا، غير أن السيادة أصبحت اليوم مرتبطة بشروط جديدة، أهمها:

1. بناء القوة المعرفية، فلم تعد القوة العسكرية وحدها كافية، بل أصبحت المعرفة والتكنولوجيا والبحث العلمي أدوات رئيسية للسيادة.

2. تحقيق التكامل العربي، فكلما ازداد التفكك العربي، ازدادت قدرة القوى الخارجية على التدخل في شؤون المنطقة.

3. امتلاك المبادرة الدبلوماسية، لان السيادة لا تُمارس بردود الأفعال فقط، بل بصناعة المبادرات وفرض الأجندات.

4. تعزيز الشرعية الداخلية، فالدولة القوية داخلياً هي الأقدر على حماية استقلال قرارها الخارجي.

في الختام، 

يكشف بروتوكول الاتفاق الأمريكي–الإيراني الأخير عن حقيقة سياسية عميقة مفادها أن مشكلة السيادة العربية ليست مشكلة قانونية بقدر ما هي مشكلة قوة وفاعلية وحضور في موازين القوى الإقليمية والدولية. فالسيادة لا تضيع فقط بالاحتلال أو التدخل المباشر، وإنما قد تتآكل عندما تصبح القضايا المصيرية للأمة موضوع تفاوض بين الآخرين دون مشاركة عربية مؤثرة.

ومن ثم فإن التحدي الحقيقي أمام الدولة العربية في القرن الحادي والعشرين لا يتمثل في الدفاع عن السيادة بمعناها التقليدي فقط، بل في الانتقال من موقع المتلقي للقرارات إلى موقع الشريك في صناعتها، ومن هامش النظام الدولي إلى فضاء التأثير فيه. وعندها فقط يمكن الحديث عن سيادة عربية حقيقية قادرة على حماية المصالح الوطنية والقومية في عالم شديد التحول والتنافس.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


الاخبار العاجلة
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com