الاقتصاد الرقمي على حساب الحقوق الاجتماعية

26 يونيو 2026
الاقتصاد الرقمي على حساب الحقوق الاجتماعية

العمل عبر المنصات الرقمية: لا يمكن بناء الاقتصاد الرقمي على حساب الحقوق الاجتماعية

بقلم عبد السلام الصديقي

عضو المكتب السياسي لحزب التقدم والاشتراكية ووزير سابق- المغرب

بعد فترة طويلة من النقاشات والمفاوضات، خطت منظمة العمل الدولية خطوةتاريخية من خلال اعتماد الاتفاقية رقم 193 المتعلقة بالعمل اللائق فياقتصاد المنصات الرقمية، وذلك خلال الدورة 114 لمؤتمر العمل الدولي المنعقدفي حزيران / يونيو 2026. وتعد هذه الاتفاقية أول معيار دولي يهدف إلى تأطير شكلجديد من أشكال العمل الذي عرف انتشاراً متسارعاً بفعل الثورة الرقمية.

لقد شكل التقدم التكنولوجي على الدوام عاملاً لتحسين ظروف العيشوتطوير المجتمعات. كما يفتح اقتصاد المنصات بدوره آفاقاً جديدة فيمجالات التشغيل والمرونة وإتاحة فرص ممارسة أنشطة مدرة للدخل، لا سيمابالنسبة للشباب والنساء والمهاجرين والأشخاص البعيدين عن سوق الشغلالتقليدية. غير أن هذا التحول الاقتصادي الكبير، شأنه شأن كل التحولاتالكبرى، يحمل في طياته تناقضاته الخاصة.

وضع حد لوضعية متجاوزة

خلف الصورة الحديثة لاقتصاد متصل ومرن، تختفي في كثير من الأحيانحقيقة أكثر صعوبة، تتمثل في عمال يؤدون خدمات أساسية لضمان سيرهذا الاقتصاد الجديد، لكنهم يظلون في بعض الحالات محرومين من وضعقانوني واضح، ومن حماية اجتماعية ملائمة، ومن حقوق جماعية فعلية. ويعلمنا التاريخ الاجتماعي أن التقدم التقني الذي يؤدي إلى تراجع حقوقالعمال لا يمكن اعتباره تقدماً حقيقياً.

ولهذا التحدي بالذات اعتمدت منظمة العمل الدولية الاتفاقية رقم 193. فهيتؤكد مبدأ أساسياً مفاده أن جميع العاملين عبر المنصات الرقمية، بغضالنظر عن الوضع القانوني الذي تمنحه لهم التشريعات الوطنية، يجب أنيستفيدوا من حد أدنى من الحقوق الأساسية. وتشمل هذه الحقوق الحريةالنقابية والحق في المفاوضة الجماعية، والحماية من التمييز والعمل القسريوعمل الأطفال، والحق في بيئة عمل آمنة وصحية، فضلاً عن الحماية منالعنف والتحرش.

كما تقدم الاتفاقية جواباً عن أحد أهم التساؤلات التي يطرحها الاقتصادالرقمي، والمتمثل في تنامي سلطة الخوارزميات في تنظيم العمل. فالمنصاتتعتمد اليوم على أنظمة آلية تقوم بتوزيع المهام، وتقييم الأداء، وتحديد الأجورفي بعض الحالات، بل وقد تؤدي إلى تعليق حسابات العاملين. لذلك تطالبمنظمة العمل الدولية بمزيد من الشفافية في استخدام هذه الأدوات، وبإرساءآليات لمراجعة القرارات المؤتمتة حفاظاً على كرامة العمال.

ما بين 154 و435 مليون عامل معني

تتجلى أهمية هذه الاتفاقية بشكل أوضح عندما نقيس حجم هذه الظاهرةعلى الصعيد العالمي. فحسب تقديرات البنك الدولي، يتراوح عدد الأشخاصالذين يزاولون نشاطاً مهنياً في إطار العمل عبر الإنترنت ما بين 154 و435 مليون شخص. ويكشف هذا التفاوت الكبير أيضاً عن غياب رؤية إحصائيةدقيقة بشأن قطاع يشهد توسعاً سريعاً، حيث لا يزال جزء مهم من العاملينيتحرك داخل منطقة رمادية من الناحية القانونية والاجتماعية.

ويزداد هذا التطور بشكل خاص في البلدان النامية، حيث تبدو المنصاتالرقمية مصدراً لفرص جديدة بالنسبة لشباب يواجه صعوبات الاندماجالمهني. غير أن البحث عن أشكال جديدة للتشغيل لا يمكن أن يبرر ظهور فئةجديدة من العمال المحرومين من الحماية الاجتماعية التي تحققت بعد عقودطويلة من النضالات الاجتماعية.

وقد حظي اعتماد هذه الاتفاقية بترحيب طبيعي من قبل المنظمات النقابيةعبر العالم. وفي المغرب، دعا الاتحاد المغربي للشغل، باعتباره المنظمةالنقابية الأكثر تمثيلية، السلطات العمومية إلى الإسراع بالمصادقة على هذهالاتفاقية الدولية الجديدة وفتح حوار وطني حول وضعية العاملين عبرالمنصات.

ولا تعتبر هذه القضية هامشية في بلادنا. فقد أظهرت الدراسة التي أنجزهاالمرصد الوطني لسوق الشغل سنة 2023 بدعم من منظمة العمل الدولية أن4,57 في المائة من الأشخاص المتراوحة أعمارهم بين 18 و64 سنة صرحوابأنهم حصلوا على دخل من منصة رقمية عند اعتماد تعريف واسع للظاهرة. أما إذا اقتصرنا على العمل الذي يتم بواسطة المنصات بشكل مباشر — كالتوصيل والنقل والخدمات عند الطلب — فإن النسبة تبلغ 1,51 في المائة، أي ما يناهز 350 ألفاً إلى 400 ألف عامل

المصادقة على الاتفاقية أصبحت أمراً مستعجلاً

تُظهر هذه الأرقام أن العمل عبر المنصات لم يعد ظاهرة هامشية. فهو يهمبالأساس فئة من الشباب تتمركز في المراكز الحضرية الكبرى، وتتكون فيجزء كبير منها من أشخاص يبحثون عن فرصة عمل أو عن دخل إضافي. ويُعدّ عمال التوصيل والسائقون الواجهة الأكثر ظهوراً لهذا الاقتصادالجديد، لكنهم لا يمثلون سوى جزء من عالم أوسع بكثير يشمل العاملينالرقميين، والعاملين المستقلين، ومقدمي الخدمات عبر الإنترنت.

يقف المغرب اليوم أمام خيار استراتيجي. فبلادنا تحمل طموحاً مشروعاً لتصبح فاعلاً مهماً في مجال الاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي. وهذاالطموح ليس ضرورياً فحسب، بل يشكل أيضاً شرطاً لتعزيز قدرتناالتنافسية في عالم يعرف تحولات متسارعة. غير أن الانتقال الرقمي لا يجبأن يعيد إنتاج أشكال اللامساواة القديمة في صور جديدة.

إن تطوير الاقتصاد الرقمي يجب أن يسير جنباً إلى جنب مع بناء إطارقانوني ملائم يضمن أجراً عادلاً، والسلامة في العمل، والحماية الاجتماعية، واحترام الحريات النقابية. وسيكون من المفارقة أن نبني اقتصاد القرنالحادي والعشرين بعلاقات اجتماعية تذكر بأكثر مراحل الرأسمالية فيالقرن التاسع عشر هشاشة.

إن اعتماد الاتفاقية رقم 193 يمثل دون شك انتصاراً أولياً. أما المعركة الثانيةفستجري على مستوى كل دولة، من خلال المصادقة على هذه الاتفاقيةوترجمتها إلى تشريعات وطنية. ومن مصلحة المغرب أن ينخرط بسرعة فيهذه الدينامية، كما سيكون من المفيد أن يواصل ملاءمة قانونه الاجتماعي معمجموع معايير العمل الدولية، وخاصة تلك المتعلقة بالحرية النقابية.

وفي الوقت الذي تنخرط فيه بلادنا في تحول عميق لنموذجها الاجتماعي منخلال تعميم الحماية الاجتماعية، وتسريع استراتيجيتها في مجال الانتقالالرقمي، يصبح من الضروري الحرص على أن يظل التقدم التكنولوجي فيخدمة الإنسان.

فالمجتمع الرقمي الذي نبنيه اليوم لن يكون حديثاً بحق إلا إذا نجح فيالتوفيق بين الابتكار الاقتصادي، وكرامة العمل، والعدالة الاجتماعية.

مقال خاص لصحيفة قريش – لندن 

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


الاخبار العاجلة
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com