
ميمون حرش
قاص من المغرب
سمكة
طبق شهي، وسطه سمكة، برأس ملتاع، قُدم لرجليْن لم يسبق لكليهما أن رأى سمكاً في حياتهما…
يتبادل الرجلان النظراتِ بعد دهشة الرؤية العجيبة، مما هو موجود في الطبق، يحملقان بصمت، لقد عقدت المفاجأة لسانيْهما، وما صار يشتغل في جسديهما، كل الجسد، هما العينان فقط، لم تعودا كالتي في كل الرؤوس، اللحظة ليستا عينيْ إنسان أبداً، صارتا عدستيْن زجاجيتيْن لا ماء فيهما، لقد جفّتا تماماً، من الصدمة، ومن عجب ما رأتاه للتّو.
قال الأول:
” إنها لعمري من أجِنّة الوحوش الضواري، قبل أن تتشكل بالأحجام التي نراها بها وهي كبيرة..”
قال الثاني:
“لن أقربَها حتى أرى شكل هذه العجيبة، على طبيعتها، قبل أن تطالها النار”.
مُضيفهما، مُستغرباً ما يسمع، تساءلَ كيف يوجد لليوم من لم يرَ السمك…(هو أيضاً لم يرَ في حياته قط الضواري التي تحدّث عنها الرجل) …أشفق على صاحبيْه، ودعاهما راغباً أن يذهبا للبحر، فملاذُهما في زرقته، وعلاجُهما في مداه، على شاطئه ستعتاد عيناهما على رؤية السمك.
البحر مُعلم ناصح، سيُروّض الرجلين الغريبين، واللذين لم يريا السمك أبداً، ثم يُعيد صياغتَهما إنسانيْن بمسحة حضارةٍ كما هي مطلوبة، وبإلحاح، إلى أنْ يعتادا أكل السمك، بعد تَعرّفِه نيّئاً، ومطبوخاً، باختلاف أنواعه، في زمنِ عولمةٍ لم تطرقِ الأبوابَ مُستأذنة، بل تسللت دون أن تسألَ أحداً، وصار دخولُها للبيوت رخصةً، أملتها تقلباتُ الحياة.
الرجلان يسمعان النصيحة…
هما الآن قرب البحر، يتأملان مداه بدهشة عينيْن، تريان لأول مرةٍ عالماً أزرقَ بحجم كبير.
وحده الماءُ ينساب أمامهما بدعة، والموج سادر، وصامت، في سباتٍ عن هديره الأزلي، في يوم مشمس، زاهٍ، السماء، فوقهما، مِظلة عملاقة بلون أزرقَ، تَجودُ على الدنيا ضياء، وظلاّ…
إنه، دَيْدنها، منذ الأزل…
ترعى البحر من علِ،
وتواضب !
تسهر على زُوّاره، وتراقب..
إنه البحر، إنها السماء، هما معاً شنٌّ، وطبقة.
كان الرجلان مفتونيْن بما يحيط بهما من حياة، بما يشاهدانه، لأول مرة، من عجائبَ، الأول مالَ خاطرُه للبحر، والثاني قد لامستِ السماءُ شغاف قلبه لعُلوها، وأقنع نفسَه وصاحبه(ربما) بأن هذا البحر، إنما خُلق ليراه الناس من فوق، ليس إلاّ، تلك كانت ذريعته الثانية للصعود إلى الجبل، إلى جانب مهمته الأولى.
ترك صاحبَه رابضاً قرب البحر، في انتظار أن يرى السمكة كالتي قُدمت له في الطبق العجيب، لكن حيّة، وفي شكلها الطبيعي قبل أن يعالجها طباخ في الفرن تلبيةً لنداء البطن…
عاشِقُ الجبلِ لم يرُق له البحر، فضّل البحث عن جنين وحشِه في قمته، مؤكداً لصاحبه، قبل صعوده، وقبل أن يفترقا، بأن في الماء حياةً، لا الموت، وأنَّ الوحوش تعيش في الجبال والبراري، لا في الأمواه.
سيمر به – مدة مكوثه بالجبل – صيّادون كثيرون ذهاباً إلى البحر، أوأوبةً منه وهم غانمون؛ وحيداً، كان ينتظر عودتَهم بشغف، ولا يكلم أحداً منهم، ما هَمّهُ من أمرهم شيء، لكن شِباكم تحديداً وهي محملة، ومكدسة مما اصطادوه، كانت تغريه، فيقترب منها، يرى ما فيها، ثم يمضي، ويمضون، بلا كلام.
هكذا افترق الصاحبان بسبب وجبة سمك|
مَنْ آثرَ البحر، أحبّ المدى، وترنّم بصوت الموج في مده وجزره، تعلّم السباحة أيضاً، ووهب نفسه للماء، فغسل به أدرانه، ثم نسِي السمكة التي جاء من أجلها، فما عاد ظهورُها يشغَله البتة، لم تعد تُغريه، بينما الآخرُ فوق الجبل كنسناس، يراقب بعينيْ صقر صاحبه، ومن حوله الناس، ولو شغله وحشُه.
كِلاهما جاء من أجل السمكة، في الأول كانا معاً في مكان واحد، ولهدف مشترك، لكنهما سيفترقان: واحد اختار البحر، وعَشِقه، والثاني لجأ للجبل، وتحصن به.
مرّ يوم، وأسبوع، وشهر، وسنة …ثم تتالت الأيام برتابة لمّا تكررت، أهم يومٍ منها، لأنه مغاير، هو حين التقى فيه الرجلان، بعد غياب، سينزل الأول من الجبل، والثاني سيطلع من البحر، وفي بيت صاحبهما يجتمعان مرة أخرى، حصل ذلك دون موعد، لكن الزمن تكلف بكل شيء، والعجيب أن مُضيفهما سيكرمهما، ويقدم لهما وجبة السمك نفسَها، ما تغير فيها ببن الأمس واليوم، هو الصحن فقط، أما محتواه فسمكة بلون ذهبي مُتوجة، في وسطه، ومُحاطة بسمكات ربيبات، صُغريات، لا حول لهن ولاقوة، حَارسات لها، لكن لا حيلة لهن..
يتأمل الرجلان الطبقَ، يجلسان مُتقابليْن، عيناهما على السمكة، في الصحن، وعيْنا مُضيفِهما عليهما معاً.. (إذا لقيناهم نمّت عيونُهم، والعين تظهر ما في القلب أوتصف).. هذا ما أضمره صاحبُ البيت، وهو يراقبهما،
قال الأول:
” أها ..إنها السمكة ،ما ألذها ! ، لكن ينقص منها الرأس هذه المرة”
ردّ الثاني مُشاكساً وهو يُداري جوعه:
” بل اللحظة، ما ينقص هو السكين والشوكة”.



















































