كابلات الإنترنت رهائن الحرب.. الخليج مهدد من قاعه

6 نوفمبر 2026
كابلات الإنترنت رهائن الحرب.. الخليج مهدد من قاعه

فاروق الدباغ

هناك مفارقة تستحق التوقف عندها في التجربة الاقتصادية الخليجية. فالدول التي تستثمر المليارات لبناء مدن ذكية، ومراكز بيانات عملاقة، واقتصادات قائمة على الذكاء الاصطناعي، تكتشف أن جزءًا أساسيًا من مستقبلها الرقمي يمر عبر ممرات بحرية لا تستطيع حمايتها منفردة. وبين طموح اقتصادي يصعد بسرعة غير مسبوقة، وبنية تحتية تمتد في مناطق التوتر، تتشكل معادلة أمنية جديدة لم تحظَ طويلًا بما تستحقه من الاهتمام.

لم تعد المسألة تتعلق بما تملكه الدولة من تقنيات، بل بقدرتها على ضمان استمرار عمل تلك التقنيات عندما تتحول طرق الاتصال بالعالم إلى أهداف محتملة في صراع لا تتحكم هي في قراراته.

وهنا تحديدًا تكتسب التطورات الأخيرة في خليج عُمان أهميتها.

ففي السادس من نوفمبر الجاري، كشفت صحيفة «فايننشال تايمز» البريطانية، استنادًا إلى بيانات شركة Windward المتخصصة في التحليل البحري، عن تحركات غير اعتيادية لأربع سفن مرتبطة بإيران قرب مسارات كابلات الاتصالات البحرية. ثلاث منها ناقلات خاضعة للعقوبات الأمريكية، والرابعة سفينة إيرانية صغيرة مخصصة لدعم أنشطة الصيد.

وبحسب المعلومات المنشورة، فقد أبطأت بعض هذه السفن سرعتها وغيرت اتجاهاتها وأوقفت إشارات التتبع أثناء وجودها قرب مسارات الكابلات، في سلوك وصفه محللون بأنه غير معتاد مقارنة بحركة السفن التجارية في المنطقة.

ولم تثبت حتى الآن أي عملية تخريب مرتبطة بهذه التحركات، كما لا يمكن استبعاد تفسيرات أخرى لها. لكن توقيتها أعطاها دلالات أمنية خاصة، بعدما نقلت وكالة رويترز في الثالث والعشرين من أكتوبر عن مسؤولين أمنيين إيرانيين وجود خطط لاستهداف الكابلات البحرية إذا تعرضت إيران لهجمات أمريكية أو إسرائيلية جديدة.

واللافت أن أحد المسؤولين تحدث عن احتمال عرقلة عمليات إصلاح الكابلات بعد استهدافها، بما يطيل مدة اضطراب الاتصالات. وهنا لا يعود التهديد مجرد محاولة لإحداث ضرر تقني مؤقت، بل يصبح، إذا نُفذ، وسيلة لإبقاء الاقتصادات المتضررة تحت الضغط.

إنها صورة مختلفة للصراع، لا تتوقف عند المنشآت العسكرية أو حقول النفط، بل تمتد إلى الشبكات التي تقوم عليها الحياة المدنية والاقتصادية.

فالكابلات البحرية تحمل الغالبية الساحقة من حركة البيانات الدولية. وتعتمد عليها خدمات التحويلات المالية والاتصالات الحكومية والتجارة الإلكترونية والحوسبة السحابية. وهي لا تنقل المعلومات فقط، بل تتيح استمرار أنشطة اقتصادية يومية يصعب تصورها من دون اتصال موثوق بالعالم.

ولعل حادثة البحر الأحمر في سبتمبر 2025 تقدم مثالًا واضحًا على هذه الهشاشة. فقد تعرضت كابلات اتصالات بحرية قرب جدة لأعطال انعكست على خدمات الإنترنت في أجزاء من الشرق الأوسط وآسيا، وظهرت اضطرابات في الهند وباكستان والإمارات. وأعلنت مايكروسوفت آنذاك أن خدماتها السحابية قد تواجه تأخرًا في نقل البيانات، قبل أن تعيد توجيه حركة الاتصالات عبر مسارات بديلة.

لم تثبت مسؤولية جهة بعينها عن تلك الأعطال، لكن ما حدث كان كافيًا لإظهار أن مشكلة تقنية في بقعة بحرية محدودة يمكن أن تمتد آثارها إلى دول تبعد آلاف الكيلومترات.

ولا يعني ذلك أن قطع كابل واحد يؤدي بالضرورة إلى توقف الإنترنت في دولة كاملة. فشبكات الاتصالات الحديثة تمتلك مسارات بديلة، وتختلف قدرة الدول على مواجهة الأعطال تبعًا لدرجة الترابط والتكرار في بنيتها التحتية. لكن الخطر يتضاعف عندما تتعرض عدة كابلات في الوقت نفسه للضرر، أو عندما تمنع الظروف الأمنية وصول سفن الإصلاح.

أما في الخليج، فإن الحساسية أكبر بالنسبة لبعض الدول التي تعتمد بدرجات مرتفعة على المسارات البحرية العابرة لمضيق هرمز، ومنها العراق والكويت والبحرين وقطر.

والمفارقة أن هذه الدول لا تحتاج إلى أن تكون طرفًا مباشرًا في المواجهة الأمريكية الإيرانية كي تتأثر بنتائجها. فقد يكفي أن تتحول شبكات الاتصالات التي تعتمد عليها إلى جزء من أدوات الضغط المتبادل.

ومن هنا يبرز سؤال سياسي يتجاوز الجوانب التقنية: بأي منطق يمكن تحويل البنية التحتية المدنية لدول مجاورة إلى أوراق مساومة في صراع مع أطراف أخرى؟

قد ترى طهران في التلويح باستهداف الكابلات وسيلة لردع خصومها عن توسيع المواجهة. لكن هذا النوع من الردع، إذا وضع اقتصادات الجيران وخدماتهم الأساسية ضمن دائرة الخطر، يمكن أن يؤدي إلى نتائج سياسية معاكسة، ويدفع تلك الدول إلى تعزيز ترتيباتها الأمنية بعيدًا عن إيران.

والحقيقة أن التهديد لا ينحصر في جهة واحدة. فالبنية التحتية الرقمية أصبحت هدفًا محتملًا في النزاعات الدولية، سواء عبر الهجمات السيبرانية أو عمليات التخريب المادي أو تعطيل مصادر الطاقة ومرافق الاتصالات. وهذا يجعل حمايتها مسؤولية وطنية وإقليمية، لا مجرد مهمة فنية تترك لشركات الاتصالات.

لقد استثمرت دول الخليج خلال السنوات الأخيرة في التحول الرقمي باعتباره أحد أهم مسارات تنويع الاقتصاد وتقليل الاعتماد على النفط. وتتنافس مدن المنطقة على استقطاب شركات التكنولوجيا ومراكز البيانات ومشروعات الذكاء الاصطناعي.

لكن بناء الاقتصاد الرقمي يحتاج إلى أكثر من الاستثمارات والمباني والأجهزة. إنه يحتاج إلى ضمان استمرارية الاتصال، وتنويع مسارات نقل البيانات، وتطوير خطوط برية بديلة، والقدرة على التعامل السريع مع الأعطال الطارئة.

وهنا تظهر أهمية التفكير العربي المشترك. فالدول المطلة على الخليج والبحر الأحمر والمتوسط ترتبط بشبكات اتصالات متداخلة، ومصلحتها في حمايتها تتجاوز الخلافات السياسية والتنافس الاقتصادي.

أما العراق، الذي يسعى إلى تطوير قطاعه الرقمي في ظل تحديات مزمنة في البنية التحتية، فإن موقعه الجغرافي يمنحه فرصة للمساهمة في إنشاء ممرات اتصالات برية تربط الخليج بتركيا وأوروبا، إذا توافرت الاستثمارات والضمانات الأمنية والإدارة الكفوءة. وهذا يتطلب النظر إلى شبكات الاتصالات باعتبارها أحد عناصر السيادة الاقتصادية، وليس مجرد خدمات تجارية.

إن السيادة في عصر الاقتصاد الرقمي لم تعد تقاس فقط بقدرة الدولة على حماية حدودها البرية والبحرية، بل بقدرتها على المحافظة على استمرار خدماتها الأساسية مهما اشتدت الأزمات خارج تلك الحدود.

ولذلك لا تكمن أهمية ما كشفته التقارير الأخيرة في معرفة ما كانت تفعله السفن الأربع تحديدًا، على أهمية التحقق من تحركاتها، بل في إدراك ما يمكن أن يحدث إذا تحولت الكابلات البحرية فعلًا إلى أهداف عسكرية.

فالدولة التي تنفق مليارات الدولارات لبناء اقتصاد المستقبل، ثم تترك مسارات اتصالاتها الحيوية من دون بدائل كافية، تكون قد أنجزت جزءًا من مشروعها وتركت الجزء الآخر معرضًا لقرارات الآخرين.

وفي النهاية، ربما تكون الرسالة الأهم التي تحملها هذه التطورات أن أمن المعلومات لم يعد شأنًا تقنيًا معزولًا عن السياسة، وأن حماية الاقتصاد الرقمي أصبحت جزءًا من حماية الاقتصاد الوطني نفسه.

فالسؤال الذي ينبغي أن يشغل العواصم العربية اليوم ليس ما إذا كانت إيران قادرة على قطع كابل بحري، بل ما إذا كانت دول المنطقة قد أعدت نفسها لاحتمال أن يفعل ذلك أي طرف، في أي مواجهة مقبلة.

ذلك هو الاختبار الحقيقي للسيادة الرقمية، بعيدًا عن الشعارات وحجم الاستثمارات.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


الاخبار العاجلة
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com