بقلم المراقب السياسي
واشنطن
النظام الديني الشيعي الحاكم في العراق، تظلله مرجعية السيد علي السيستاني حفظه الله في الأول والأخر. وهذه المرجعية ليست بالضرورة ان تكون من خلال شخص السيد السيستاني فهي ذات توصيف سياسي وليس دينيا فقط. فالفتوى الأولى التي صدرت عن السيستاني في العام 2003 في وجوب عدم مقاتلة الامريكان هي ممارسة سياسية بامتياز، وهي فتوى تلعب دور الناسخ والمنسوخ اذ جاءت في اطار نفوذ “السيستانية السياسية” وليس السيستاني الفقيه ، حيث ان السيد المرجع الشيعي الاعلى اصدر قبيل غزو الامريكان للعراق فتوى وجوب مقاتلة المحتل الامريكي ونشرتها اجهزة الاعلام في النظام السابق وتناقلتها وكالات الانباء وموجودة في ارشيفها ، قبل ان تطويها الفتوى اللاحقة . ثم ظهرت أدوار خطابية ومظهرية بصفات رسمية لعبدالمهدي الكربلائي والصافي وهما سياسيان ومعهما جلال الدين الصغير، كانوا حاضرين في معظم مؤتمرات المعارضة التي دعمها البنتاغون ووكالة المخابرات المركزية الامريكية لإسقاط نظام صدام حسين، فضلا عن الرعاية الإيرانية لهم. وكذلك كانت بعض المرجعيات الشيعية الجزئية ومنها محمد تقي مدرسي، المنزوي في كربلاء، وهو قائد منظمة العمل الإسلامي وهي ذات الطبيعة الامنية العسكرية العنيفة منذ نشأتها الأولى في إيران.
في نظام ثيوقراطي يحكم العراق اليوم، لا يمكن ايهام النفس في البقاء طويلا غارقين في عسل مقولة معلنة ومستهلكة ووظائفية من مرجعية السيستاني تنص على انه لا يوافق على قيام ولاية الفقيه في العراق. في حين انّ لذلك الإعلان وجوهاً أخرى. فالمغزى الأساس منه كان غلق الطريق على المرجعيات الإيرانية من التدخل والتمدد على حساب مصلحة مراكز النفوذ في مرجعية النجف ومَن يمثلها. ذلك انّ النظام الشيعي الحاكم، وبعد ان توطد حكم المليشيات المرتبطة بفيلق القدس الإيراني منذ العام 2014 وبتمويل من الخزينة العراقية، هو نسخة محدّثة لنظام ولاية الفقيه المقنن، وهي النسخة القابلة لإعادة التموضع بما تقتضيه المصالح العليا لاسيما مع الامريكان، بالرغم من عدم قدرة جميع اركان المشهد الشيعي في استيعاب ذلك والتعاطي الإيجابي “الباطني” معه.
من الضروري التذكير بحقيقة مطلقة، وهي انّ الدولة بالمفهوم الوطني ليست فقط غائبة ومنسوخة بالعراق، وانّما هناك خط أحمر على مجرد التفكير بقيامها. وهذا الحال لا يزعج الأمريكيين أبداً بقدر التوافق على المصالح بالرغم من ان الأمريكيين مخدوعون باستسهال مجريات الواقع وقد لدغتهم الحية اكثر من مرة من دون ان يبلغوا درجة الموت لذلك نراهم مستمرين في اللعب مع “الافاعي” بكل اريحية، كما انه أمر مرحب به من جميع التنويعات الإيرانية لأنّه يعبد الطريق الى قيام الدولة الشيعية الكبرى التي كشف عن مخططها السياسي الشيعي الفيلي المخضرم آراس حبيب في لقاء تلفزيوني وقال انّ المشروع تبناه زعيمه السابق احمد الجلبي ومدعوم من واشنطن وطهران معاً، من اجل الخط الشيعي غير القابل للقطع و الممتد من أفغانستان الى فلسطين.
قيام الدولة الشيعية بمفهومها العالمي التعبوي، ومركز ثقلها ايران، ومحورها التمويلي الغني في العراق، عملية معقدة وليست سهلة، وكانت تحتاج بالضرورة لكل ما جرى من عمليات هدم لأسس الدولة العراقية ” وبينها احتلال داعش لثلث العراق” من اجل التأسيس على أعمدة نظيفة ونقية بالمفهوم الشيعي، وذلك لم يتوافر بمعناه المتكامل حتى اليوم في العراق بالرغم من توفر المواد الأولية في كل الخراب في عمق الدولة ومرتكزات المجتمع ، ولعل التوقيتات الزمنية لتحقيق ذلك تأثرت بمجريات الاحداث الإقليمية، وازداد الحال سوءاً بعد سقوط بشار الأسد بوصفه “نظام البيئة” الوسيط ، كما تحجم حزب الله في لبنان ولم تعد هناك أذرع إيرانية معافاة في فلسطين.
من خلال هذا المشهد، يمكن للمراقب أن ينظر الى المرجعية الشيعية، وهي تجلس بشخوص معلومين أم بأدوار مستترة لتراقب هذا الانهيار العظيم، والذي ستعقبه حرائق، لا يهم أن تكون عامة الشيعة وقوداً له.
المسألة لا تتعلق بالآراء الشخصية للسيد علي السيستاني أطال الله عمره، وانما بالدور المُستلب والمُعاد تدويره وتوظيفه عبر أداة عائلية ضيقة وأخرى مذهبية أكبر، فيما البلد يوهم نفسه عبر الشعاراتية الدعائية انه من الممكن ان ينهض من جديد ليكون دولة “مجرد دولة” بمواصفات أية دولة في المحيط الاقليمي أو الدولي.
كيف يمكن حماية بقية العراق من انهيار حتمي ومرعب للنظام الثيوقراطي بعد نهاية النظام الإيراني، أم انّ قدر العراق أن يدفع جميعه الثمن؟


















































