هل سوريا دولة مخطوفة؟

22 أكتوبر 2026
هل سوريا دولة مخطوفة؟

عبدالكريم مراد

كاتب من سوريا

لم تَعُدْ حوادثُ الخطفِ والقتلِ التي تشهدُها سوريا في الآونة الأخيرة أحداثاً عابرةً يمكنُ التعاملُ معها بوصفِها جرائمَ جنائيةً متفرقةً، أو أخباراً تُضافُ إلى قائمةِ الأخبارِ اليوميةِ المثقلةِ بمآسي السوريين؛ بل أصبحتْ مؤشراً خطيراً يستدعي الوقوفَ عنده، والبحثَ في أسبابه، ومواجهةَ تداعياته قبل أن يتحولَ الخوفُ إلى جزءٍ من الحياةِ اليوميةِ للمواطن، وتصبحَ سلامةُ الإنسانِ وأمنُه مسألةً خاضعةً للمصادفة.

لقد أكدتُ في مقالاتٍ سابقةٍ أن الأمنَ والاستقرارَ لن يتحققا في سوريا ما لم تبسطِ الدولةُ سلطتَها الفعليةَ على كاملِ الجغرافيا السورية، وتفرضْ حضورَ القانونِ ومؤسساتِه على الجميع، دون استثناءٍ أو تمييز. فالدولةُ التي لا تستطيعُ حمايةَ مواطنيها في مدنهم وقراهم، ولا تملكُ القدرةَ على ضبطِ السلاحِ المنفلتِ وملاحقةِ الخارجين عن القانون، تظلُّ عاجزةً عن توفيرِ الحدِّ الأدنى من مقوماتِ الاستقرارِ الذي ينشده السوريون بعد سنواتٍ طويلةٍ من الحربِ والدمار.

لكنَّ التأكيدَ على مسؤوليةِ الدولةِ لا يعني إعفاءَ بقيةِ مكوناتِ المجتمعِ من مسؤولياتها، ولا اختزالَ أسبابِ الفوضى والانفلاتِ الأمنيِّ في جهةٍ واحدة. نعم، تتحملُ الدولةُ القسطَ الأكبرَ من المسؤولية، بحكمِ واجبِها الدستوريِّ والأخلاقيِّ في حمايةِ الأرواحِ والممتلكاتِ وصيانةِ الحقوق، غيرَ أن المسؤوليةَ تمتدُّ أيضاً إلى الحركةِ السياسيةِ بمختلفِ أطيافِها واتجاهاتِها، وإلى المثقفينَ والإعلاميينَ والنخبِ الاجتماعيةِ وكلِّ من يمتلكُ منبراً أو تأثيراً في الرأيِ العام.

وهنا تبرزُ مسؤوليةُ المثقفينَ على نحوٍ خاص؛ فدورُ المثقفِ لا يقتصرُ على الكتابةِ عن الماضي، أو تحليلِ الأحداثِ السياسية، أو الانشغالِ بالخلافاتِ الفكريةِ والحزبية، بل يتجاوزُ ذلك إلى الإحساسِ بنبضِ المجتمع، واستشعارِ أخطاره، والتنبيهِ إلى ما يهددُ حياةَ الناسِ وكرامتَهم. فالثقافةُ التي لا تلامسُ معاناةَ الإنسان، ولا تسهمُ في حمايةِ وعيِه، ولا تقفُ إلى جانبه في أوقاتِ الخطر، تفقدُ جانباً أساسياً من رسالتها.

إنَّ المطلوبَ اليومَ من المثقفينَ والحركةِ السياسيةِ، بكلِّ مكوناتها، أن يتجاوزوا حالةَ الانشغالِ بالصراعاتِ والمناكفاتِ وتبادلِ الاتهامات، وأن يجعلوا من حمايةِ الإنسانِ السوريِّ أولويةً تتقدمُ على الحساباتِ الضيقةِ والمصالحِ الفئوية. وذلك عبرَ مختلفِ وسائلِ الإعلامِ والتواصلِ الاجتماعي، بنشرِ الوعي، وتوضيحِ المخاطر، ومواجهةِ الشائعات، والتنبيهِ إلى أساليبِ الاستدراجِ والاحتيالِ التي قد تستخدمُها عصاباتُ الخطفِ لاستدراجِ المواطنينَ تحتَ ذرائعَ وحججٍ مختلفة.

فقد باتَ المواطنُ السوريُّ، الذي أنهكتْه سنواتُ الحربِ والفقرِ وغلاءُ المعيشة، يواجهُ خطراً إضافياً يتمثلُ في احتمالِ أن يصبحَ ضحيةً لعصاباتٍ تستغلُّ حاجتَه أو ثقتَه أو ظروفَه، فتختطفُه وتساومُ أهلَه على فديةٍ مالية، أو تنهي حياتَه، لتضيفَ بذلك مأساةً جديدةً إلى مآسي عائلاتٍ لم تَعُدْ تحتملُ مزيداً من الأوجاع.

ولعلَّ أكثرَ ما يبعثُ على الأسى أنَّ بعضَ هذه الجرائمِ تستهدفُ عائلاتٍ تعيشُ أصلاً تحتَ وطأةِ العوزِ وضيقِ الحال، فلا يكفيها ما تكابدُه من أجلِ تأمينِ لقمةِ العيش، حتى تجدَ نفسَها أمامَ ابتزازٍ لا يرحم، وقلقٍ ينهشُ قلوبَ أفرادِها، وانتظارٍ قد ينتهي بفقدانِ أحدِ أحبائِها.

ومن هنا، فإنَّ توعيةَ المواطنينَ ضرورةٌ ملحّة، لا سيما في ما يتعلقُ بالتحققِ من الهوياتِ والجهاتِ التي يتعاملونَ معها، والحذرِ من المواعيدِ والاتصالاتِ والوعودِ المشبوهة، وعدمِ الانجرارِ وراءَ الاستدراجِ إلى أماكنَ مجهولة، وإبلاغِ الجهاتِ المختصةِ عن أيِّ تهديدٍ أو محاولةِ ابتزاز، مع تجنُّبِ نشرِ المعلوماتِ غيرِ الموثوقةِ أو تفاصيلِ الضحايا التي قد تعرّضُهم لمزيدٍ من الخطر.

ولا ينبغي أن يتحولَ هذا التحذيرُ إلى دعوةٍ للخوفِ والانكفاء، أو إلى تحميلِ المواطنِ مسؤوليةَ حمايتِه وحدَه؛ فليس من المقبولِ أن يعيشَ الإنسانُ في وطنِه أسيرَ الحذرِ والشك، وأن يضطرَّ إلى حسابِ خطواتِه واتصالاتِه وتنقلاتِه وكأنَّه يعيشُ في أرضٍ لا قانونَ فيها ولا دولة. إنَّ واجبَ المواطنِ أن يكونَ حذراً، لكنَّ واجبَ الدولةِ أن تجعلَه آمناً.

ولا يمكنُ فصلُ ما نشهدُه اليومَ عن الإرثِ الثقيلِ لعقودٍ من الاستبدادِ والحرب؛ فقد خلّفَ النظامُ البائدُ وراءَه مجتمعاً مثقلاً بالجراح، ومؤسساتٍ أنهكَها الفسادُ والخوف، وواقعاً اختلّتْ فيه موازينُ القانونِ والعدالة، وتراجعتْ فيه قيمةُ الإنسانِ أمامَ سطوةِ السلطةِ والسلاح. وتلكَ من أخطرِ مفرزاتِ تلكَ العقودِ التي لم تدمّرِ الحجرَ وحدَه، بل ألحقتْ أضراراً عميقةً ببنيةِ المجتمعِ وثقتِه بمؤسساتِه وببعضِه بعضاً.

غيرَ أنَّ إرثَ الماضي، مهما كانَ ثقيلاً، لا يمكنُ أن يكونَ مبرراً لاستمرارِ الفوضى، ولا ذريعةً للتقاعسِ عن بناءِ دولةٍ جديدةٍ تقومُ على القانونِ والمواطنةِ والمساءلة. فالشعوبُ لا تستطيعُ أن تبدأَ حياةً جديدةً وهي تحملُ معها أسبابَ مآسيها القديمة، ولا يمكنُ أن تُبنى سوريا التي يحلمُ بها أبناؤُها على الخوفِ والانتقامِ وتعددِ مراكزِ القوة، بل على مؤسساتٍ وطنيةٍ واحدةٍ تحتكمُ إليها جميعُ الأطراف.

إنَّ بسطَ سلطةِ الدولةِ على كاملِ الأراضي السورية ليس شعاراً سياسياً، ولا دعوةً إلى فرضِ السيطرةِ بالقوةِ المجردة، بل هو ضرورةٌ وطنيةٌ لبناءِ دولةِ القانون، بحيثُ تكونُ سلطةُ المؤسساتِ فوقَ الجميع، ويكونُ السلاحُ حكراً على مؤسساتِ الدولةِ الشرعية، وتكونُ المحاسبةُ على أساسِ الفعلِ المرتكب، لا على أساسِ الانتماءِ السياسيِّ أو القوميِّ أو الدينيِّ أو المناطقي.

كما أنَّ الدولةَ مطالبةٌ بأن تتعاملَ مع جرائمِ الخطفِ والقتلِ والابتزازِ والفسادِ بجديةٍ وشفافية، وأن تكشفَ للرأيِ العام حقيقةَ ما يجري، وتلاحقَ المسؤولينَ عنه، وتضعَ حداً للإفلاتِ من العقاب؛ لأنَّ الصمتَ عن الجريمةِ أو التهاونَ في ملاحقتِها لا يحمي المجتمع، بل يمنحُ المجرمينَ شعوراً بالأمانِ والقدرةِ على تكرارِ جرائمِهم.

إنَّ سوريا لا تحتاجُ اليومَ إلى مزيدٍ من الخطبِ والشعاراتِ والوعود، بقدرِ حاجتِها إلى أفعالٍ ملموسةٍ يشعرُ بها المواطنُ في حياتِه اليومية؛ أن يخرجَ من بيتِه مطمئناً، وأن يعودَ إليه سالماً، وأن يعملَ دونَ خوف، وأن يطمئنَّ إلى أنَّ أبناءَه ليسوا عرضةً للخطفِ أو القتل، وأنَّ القانونَ سيقفُ إلى جانبه إنْ تعرّضَ للظلم.

فلا معنى للحديثِ عن بناءِ الوطنِ إذا كانَ الإنسانُ فيه مهدداً في حياتِه، ولا قيمةَ للاستقرارِ إذا ظلَّ الخوفُ رفيقَ المواطنِ في طريقِه إلى عملِه وعودتِه إلى بيتِه.

إنَّ المسؤوليةَ اليومَ مشتركةٌ، وإنْ تفاوتتْ درجاتُها؛ الدولةُ مسؤولةٌ عن فرضِ الأمنِ وسيادةِ القانون، والحركةُ السياسيةُ مسؤولةٌ عن الارتقاءِ بخطابِها ومواقفِها إلى مستوى التحدياتِ الوطنية، والمثقفونَ مسؤولونَ عن إيقاظِ الوعيِ المجتمعيِّ وتوجيهِه، والمواطنونَ مسؤولونَ عن التضامنِ والتكاتفِ وعدمِ التسترِ على الجريمةِ أو التهاونِ في مواجهتِها.

فلتكنْ حمايةُ الإنسانِ السوريِّ نقطةَ الالتقاءِ التي تجمعُ الجميع، بعيداً عن الخلافاتِ والانقسامات؛ لأنَّ الوطنَ الذي لا يأمنُ فيه المواطنُ على حياتِه لا يمكنُ أن يمنحَه أملاً حقيقياً بالمستقبل.

إنَّ سوريا التي نريدُها ليست وطناً يتعايشُ فيه الناسُ مع الخوف، بل وطناً يتعايشونَ فيه بالمحبةِ والكرامةِ والأمان؛ وهذا لن يتحققَ إلا بدولةٍ قويةٍ بقانونِها، عادلةٍ بمؤسساتِها، وبمجتمعٍ واعٍ لا يقفُ متفرجاً أمامَ مآسيه

كثرة حوادث الخطف والقتل في سوريا في الاونة الأخيرة …

ذكرت في مقالات سابقة بأن الأمن والاستقرار لن يعمّا في سوريا إلا ببسط سيطرة الدولة الفعلية  على كامل الأراضي ليتم تحديد المسؤولية عما يجري من حوادث الخطف والفساد والفوضى والفلتان الأمني مع أنني أضع الجانب الأكبر من المسؤولية على عاتق الدولة، فحين أقول بسط سيطرة الدولة هذا لايعني بان المسؤولية كلها تقع على عاتق الدولة بل تقع مسؤولية هذا الفلتان في جميع جوانبه على المثقفين والحركة السياسية عموماً وبجميع أطرافها ايضاً وبنسبة كبيرة .

وهنا يتجلى دور المثقفين بالدرجة الأولى وعبر مختلف وسائل التواصل الاجتماعي والإعلام وتوعية الشعب وايقاظه من غفوته التي أرهقته نتيجة الواقع المعيشي القاسي الذي يعانية لأخذ الحيطة والحذر بالدرجة الأولى من حوادث الخطف والقتل التي كثرت في الاونة الأخيرة في الداخل السوري وفي جميع المحافظات تلك التي يتم استدراج المواطنين بحجج مختلفة ليتم خطفهم وإرهاق اهلهم المنهكين تحت وطأة الفقر وسبل العيش بفدية أو قتلهم.

نعم تلك هي مفرزات الحرب التي خيمت على البلاد عقودا من الزمن والتي كرسّها النظام البائد ليحافظ على بقائه 

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


الاخبار العاجلة
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com