حُمّى التخطيء اللّغوي .. رأي في اللغة

21 أكتوبر 2026
حُمّى التخطيء اللّغوي .. رأي في اللغة

رأي في اللّغة .. 18 

حُمّى التخطيء اللّغوي …

أيمن فضل عودة

تناقلَ الكتاب واللّغويون منذ شرخ الزمان مسائل التخطيء والتصويب اللّغوي، صفّدوها لنا في مصنفات شتّى تحت مسمّيات وعناوين مختلفة، منها  ما أُدرج في غلط العامة ومنها ما أُلحق بغلط الخواص. وقد بقيت هذه المسائل مقيَّدة في كتب الخطأ والصواب يطّلع عليها أصحاب الاختصاص أو المهتمون بها من إعلاميين وأدباء وشعراء، اللّهم إلا ما نشر منها في بعض الصحف والمجلات. 

وأما اليوم في عصر الانفتاح المعرفيّ، وانتشار وسائل التواصل الاجتماعي على أنواعها، فقد كثرت الصفحات والمواقع والمرئيات التي تُعنى بأمور اللغة العربية، وهي ظاهرة محمودة حريّ بالتشجيع، لما فيها من خدمة للّغة العربية  والسعي في نشرها والحفاظ عليها. 

بيد أن اللّغط في ميدان اللّغة، لا سيما في مسائل الخطأ والصواب، والذي كان مقتصرا على الكتب والمراجع وبعيدا عن منال كل يد، كان لا بدّ أن يجد له سبيلا إلى وسائل الإعلام المختلفة والمنصات الإعلامية على اختلافها. فكلما أيمنتُ وأشأمتُ بناظرَيّ صادفني معلم أو متخصص أو هاوٍ يُعنى بتصحيح اللّغة وتقويم الأخطاء اللّغوية تحت مسمّى «حسِّن لغتك» أو «قُل ولا تقُل» أو غيره. وكأنها حمّى أصابت صنّاع المحتوى في اللّغة. 

وحسبك مثالا على هذا اللّغط أن تجد معلما للّغة العربية، لا يزال يقبع تحت تأثير آراء لغوية عفا عليها الدهر ثم شرب وغلب عليها التزمت والتحجّر، وقصر نظره عن الاطّلاع على أبحاث لغوية وآراء جديدة أثبتت بطلان ما يذهب إليه.  فتجده يُعلّمنا: «قل: ثلاثة أشهر ولا تقل ثلاثة شهور»؛ لأن (شهور) على وزن (فُعول) هي جمع كثرة لا يصلح أن يميّز أدنى العدد من الثلاثة  إلى العشرة، بل هذه يصلح لها جموع القلة على الأوزان التالية: أَفْعِلة (أغذية)/ أَفْعُل (أرجل)/ أَفْعال (أبطال)/  فِعْلَة (صِبية). 

 وما إن سمعته يقول ما قال حتى تذكرت الآية القرآنية : ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ (البقرة 229)، وقروء كشهور، من أوزان الكثرة، جاءت لتمييز أدنى العدد، وهذا مثال من القرآن الكريم ينقض قوله. والحقيقة أن صاحبنا لم يأت بكل هذا من عنديّاته، بل وفق ما أقره جمهور النحاة -أي أغلب النحاة-، وتناقلته كتب النحو وكتب الخطأ والصواب، من وجوب استعمال صيغ جموع القلة لتمييز أدنى العدد، إلا فيما  لم يُسمع له عن العرب جمع قلة واقتصروا فيه على جمع الكثرة، فحينها يمكن لجمع الكثرة هذا أن يسدّ مسدّ جمع القلة في تمييز أدنى العدد. 

هذه هي قاعدتهم التي نصّوا عليها، على الرغم من أن القرآن الكريم يدحض هذه القاعدة النحوية لاستعماله جمع الكثرة (قروء) في تمييز أدنى العدد بالرغم من سماع ووجود صيغ لجمع القلة في كلمة (قِرْء)، وهي (أقراء) و(أقرُؤ). وهذا في الحقيقة مثال أو مسألة من بين عدة، تصطدم فيها صناعة النحو وما أقره النحاة من قواعدهم مع القرآن الكريم، الذي لا بدّ أن يكون الأصل في أخذ اللغة، والذي يحق لنا أن نحاكيه قبل أي مصدر لغوي آخر؛ وفي هذا الصدام سيكون لنا قول مستقبلا. 

ولم يغفل أكابر العلماء والمحققين عن هذه المسألة من تمييز أدنى العدد بجموع الكثرة، فقد بتّها مجمع اللغة المصري وأقر فيها بالجواز والفصاحة، وإليك عزيزي القارئ ما أدلى به عضو المجمع الأستاذ أحمد مختار قائلا: 

«الصواب والرتبة: -ثلاثة أَشْهُر [فصيحة]- ثلاثة شُهُور [فصيحة] 

التعليق: أوجب كثير من النحويين أن يكون مميز الثلاثة إلى العشرة جمعًا مُكسَّرًا من أبنية القلَّة، ولايكون من أبنية الكثرة إلاَّ فيما أُهمل بناء القلة فيه، كـ «رِجال»، ولكنَّ مجمع اللغة المصري لم يشترط ذلك، حيث أقر التعاقب (التبادل) بين جمعي القلة والكثرة، معتمدًا في ذلك على عدة نصوص واردة عن بعض كبار اللغويين القدماء كسيبويه والزمخشري وابن يعيش وابن مالك وصاحب المصباح، ومنها قول سيبويه: «اعلم أن لأدنى العدد أبنية هي مختصة به وهي له في الأصل وربما شرَكه فيها الأكثر، كما أنَّ الأدنى ربما شارك الأكثر»، وقول الزمخشري: «قد يستعار جمع الكثرة لموضع جمع القلة» .. إلى غير ذلك من النصوص. والملاحظ أنَّ النحاة لم يتفقوا على مفهوم جمع الكثرة، فقد رأى بعضهم أنه يدلّ على ما فوق العشرة، ورأى بعضٌ آخر أنه يكون من الثلاثة إلى ما لانهاية، ومن ثم يكون الخلاف بينه وبين جمع القلة من جهة النهاية فقط؛ ولذا يتضح فصاحة الاستعمال المرفوض، وهو ما أقره الاستعمال القرآني في: {ثَلاثَةَ قُرُوءٍ} البقرة/228، مع وجود الجمعين «أقراء»، و «أقرؤ» في اللغة». [معجم الصواب اللغوي (1/ 278)]

ونصُّ قرار المجمع المصري كما يلي:

«يرى المجمع قبول ما شاع استعماله جمع كثرة في تمييز أدنى العدد، تيسيرا على الكتاب؛ لما صرح به النحاة من استعارة جمع الكثرة للقلة، ودلالة جمع الكثرة على القليل والكثير، ولما ورد من أمثلة في القرآن الكريم والحديث والشعر وكلام العرب».  [في أصول اللغة، الجزء الثالث، ص: 144]

ومن مسوّغات هذا القرار الحقائق التالية:

1: إقرار بعض النحاة مثل الزمخشري بأن جمع الكثرة قد يُستعار مكان جمع القلّة. 

2:  إقرار ابن يعيش أن استعمال جمع الكثرة مكان جمع القلة لاشتراكهما في الجمعية، وأن جمع القلة داخل في جمع الكثرة معنًى. 

3: ورود جمع الكثرة في تمييز أدنى العدد في القرآن الكريم والحديث الشريف والشعر، كما يلي: 

﴿فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ ﴾ (هود 14)/ ﴿عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ ﴾ (القصص 28)/ {فَأَفْرَغَ عَلَى كَفَّيْهِ ثَلاَثَ مِرَارٍ } صحيح البخاري (1/ 43)/ {ثُمَّ يَصُبُّ عَلَى رَأْسِهِ ثَلاَثَ غُرَفٍ بِيَدَيْهِ} صحيح البخاري (1/ 59)/  {ضَفَرْنَا شَعَرَ بِنْتِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَعْنِي ثَلاَثَةَ قُرُونٍ}  صحيح البخاري (2/ 75). 

وفي شعر ابن أبي ربيعة : 

فكانَ مِجَنِّي، دُونَ مَنْ كنتُ أَتّقي، … ثَلاث شُخُوصٍ: كاعِبانِ ومُعْصِرُ

4: جمع القلّة قد يصدق على الكثير أيضا، بالذات إذا دخلته (ال) التعريف التي للاستغراق. [ لكل هذا انظر : كتاب في أصول اللغة، ج3، ص: 144-148]

5: ولعباس حسن عضو المجمع تفصيل في الأمر، أورده في كتابه النحو الوافي، مفاده جواز التعاقب والتناوب بين جمع القلة والكثرة، بوجود القرينة الدالة على المقصود، فيجوز استعمال جمع القلة للدلالة على الكثرة إذا دلّت القرينة على أن القصد للكثرة. كما يجوز استعمال صيغ جمع الكثرة للدلالة على القلة بوجود القرينة الدالة على ذلك. والعدد قرينة بحد ذاته. 

6: كما أنه يجوز التناوب والتعاقب بين صيغ الكثرة والقلة على سبيل المجاز المرسل، الذي علاقته الجزئية أو الكلية.  [لهذا انظر: النحو الوافي، ج4، ص: 628 – 632]

استدراك:

وبناء على كل هذا لنا أن نستدرك على المخطّئين لنقول: 

قل: «ثلاثة شهور»، وقل: « ثلاثة أشهر»؛ ولا خطأ ولا حرج! فكل هذا من نُضَار العربية ونُضرتها، وسعتها ومرونتها، التي  طالما أصبَتْني  وشغفتْ قلبي. 

وليكن شعارنا دائما: يسّروا ولا تعسّروا، وسّعوا ولا تضيّقوا، بشّروا ولا تنفّروا؛ ففوق كلّ ذي علم عليم!

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


الاخبار العاجلة
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com