مشاركة المرأة وأزمة الوساطة الحزبية.. تحولات ومحطات

29 أكتوبر 2026
مشاركة المرأة وأزمة الوساطة الحزبية.. تحولات ومحطات


 الجمود السياسي والتغذية البنيوية لامتصاص التحول

قراءات نقدية في قضايا المرأة والتحولات المجتمعية (9)

بقلم: د. إيمان غانمي

باحثة مغربية في قضايا النوع الاجتماعي 

إذا كان المقال السابق قد انتهى إلى أن الحق لا يكتمل بمجرد الاعتراف به، بل حين يصبح قابلاً للتحقق، فإن الانتقال إلى المجال السياسي يضعنا أمام سؤال موازٍ وأكثر تركيباً: هل يكفي أن تتقدم أوضاع النساء داخل المجتمع حتى يتحول هذا التقدم إلى قدرة سياسية على إنتاج القرار؟

بيد أن التحليل لا يستقيم دون استحضار حجم التحول الذي عرفته أوضاع النساء في المغرب خلال العقود الأخيرة. فقد تحقق تراكم قانوني ومؤسساتي واجتماعي لا يمكن اختزاله في مجرد تغيير الخطاب، واتساع حضور النساء داخل مؤسسات الدولة والمجتمع وفي كافة مجالات الاقتصاد والمعرفة، فقد أصبحت المساواة والمناصفة جزءاً من المرجعية الدستورية والسياسية ومن أفق الانتظارات المجتمعية. وبناء عليه، لا يمكن قراءة واقع المرأة المغربية بأدوات تنتمي إلى مرحلة سبقت هذا التراكم، كما لا يمكن قياس التحول فقط بما يبرز اليوم من اختلالات من دون إدراك ما تغير فعلاً في بنية المجتمع وفي موقع النساء داخله.

وقد كان للمؤسسة الملكية دور مركزي في هذا المسار المتراكم، وفي العديد من المحطات البارزة في ترقية أوضاع المرأة والانتقال بقضاياها من التجاذب الاجتماعي والسياسي إلى مستوى القرار المؤسساتي؛ إذ شكل إصلاح مدونة الأسرة محطة مفصلية في هذا الاتجاه، ليس فقط بما أدخله من تعديلات في تنظيم العلاقات الأسرية، بل بما مثله من تحول في موقع قضية المرأة داخل تصور الدولة لتحديث المجتمع. ثم جاء دستور 2011 ليمنح المساواة والمناصفة سنداً دستورياً واضحاً، ويجعل تطور أوضاع النساء جزءاً من البناء المؤسسي العام، لا قضية موازية ومنفصلة عنه. كما ظل الدفع بقضايا المرأة حاضراً في المبادرات الملكية اللاحقة، بما يؤكد أن المسار إلى إنصاف النساء لم يتم التعامل معه باعتباره ملفاً منتهياً، بل ورشاً مجتمعياً متصلاً بتحولات الدولة والمجتمع معاً.

كما لا يمكن فصل هذا المسار المتراكم عن النضال الطويل للحركة النسائية المغربية التي لم تقتصر مساهمتها على المطالبة بتعديل نصوص أو توسيع حقوق بعينها، وإنما ساهمت عبر عقود من الترافع والعمل الميداني وإنتاج المعرفة في تعديل فلسفة النقاش نفسه. وبذلك انتقلت قضايا كانت تُقرأ طويلاً داخل منطق الحماية أو الرعاية أو الخصوصية إلى مجال الحقوق والمواطنة الكاملة والمساواة الفعلية، وأصبحت المرأة فاعلاً في تعريف القضية والترافع عنها وحولها لا موضوعاً لها فقط. وهكذا ساهمت الحركة النسائية في بناء حساسية مجتمعية جديدة تجاه التمييز، وفي جعل قضايا النساء جزءاً من النقاش العمومي الجاد والهادئ حول طبيعة الديمقراطية نفسها وتوزيع السلطة وطبيعة العلاقات التي ينتجها المجتمع داخل الأسرة وفي العمل وفي المجال العام وفي مواقع القرار.

من جهة ثانية، لا يمكن إغفال دور قوى الصف الحداثي الديمقراطي، السياسية منها في مرحلة معينة، والمدنية والحقوقية والفكرية، في تعزيز هذا المسار، من خلال الدفاع عن الحقوق والحريات والمساواة، وربط قضايا المرأة بمشروع تحديث الدولة والمجتمع وبناء المواطنة الحقة والكاملة. ولئن لم تكن هذه القوى دوما متجانسة في تصوراتها أو ممارساتها، أو لم تتمكن في بعض الأحيان من جعل ممارساتها تبلغ مستوى الخطاب الذي رفعته، فإن أثرها في توسيع مجال الممكن السياسي والحقوقي وفي إنتاج نخب نسائية ومدنية جديدة يظل، على الرغم من كل المؤاخذات، جزءاً من التراكم الفعلي الذي عرفه المغرب.

وبالنظر لهذا المسار الطويل الذي تشكل من خلال تفاعل المؤسسة الملكية، والحركة النسائية، والقوى الديمقراطية والحداثية، ومؤسسات الدولة، وتحولات المجتمع نفسه، ولما تحقق من تقدم ملموس لا يمكن اعتباره بأي حال من الأحوال قابلاً للاختزال، يبرز السؤال المحوري الذي يطرح نفسه اليوم بإلحاح: ماذا يحدث حين يصبح التحول في كثير من الحقول والمجالات، حقيقة اجتماعية وحقوقية ومؤسساتية، لكنه يدخل إلى مجال سياسي لم تتغير كل قواعده بالسرعة والعمق نفسيهما؟

لا شك أن النساء تمكنّ بالفعل من “اختراق” مجالات التعليم والعمل والإدارة والقضاء والبحث العلمي والإعلام والمجتمع المدني والعمل الحقوقي… وراكمن كفاءة وخبرة وحضوراً متزايداً في المجال العام، بل وتفوقن في كثير من الأحيان. غير أننا بالرغم من كل ذلك، لا نجد دائماً ترجمة سياسية توازي عمق هذا التحول. فكلما اتسعت مواقع النساء داخل المجتمع، أصبحت محدودية حضورهن الفعلي في المجال السياسي وعلى مستوى صناعة القرار أكثر إثارة للسؤال.

ولا يتعلق الأمر، في تقديري، باستعصاء حقل سياسي “سليم وظيفيا” على المرأة، كأن السياسة تعمل بصورة مكتملة ولا ينقصها سوى اندماج النساء في بنياتها. فالمشهد السياسي نفسه يعرف “أعطاباً” واختلالات جمة على مستوى الخطاب والممارسة، وأزمة فعلية على مستوى الثقة، ووظيفة التأطير، والديمقراطية الداخلية، وإفراز النخب ودورانها، والعلاقة بين المؤسسات والمواطنات والمواطنين. ومن ثم، فإن تأخر وصعوبة الحضور السياسي الفعلي للنساء لا يمكن فصلهما عن أزمة المجال الذي يُطلب منهن الولوج إليه. فالمرأة لا تقف أمام باب مؤسسات حزبية مكتملة الوظائف، بل أمام مجال يعاني هو نفسه من ضعف القدرة على كسب الثقة وإنتاج المعنى والجدوى.

وأود الوقوف، عند هذا المستوى من التحليل، على نقطة أعتبرها منهجية، تجنباً للوقوع في تفسيرين متقابلين ومختزلين في آن واحد: أولهما تفسير يحمّل النساء مسؤولية ضعف حضورهن السياسي، وكأنهن أقل اهتماماً بالشأن العام أو أقل استعداداً للمنافسة، أو يفترض، في صيغة تبدو أكثر اعتدالاً، أنهن اخترن “طوعاً” في أحايين كثيرة الانصراف عن العمل الحزبي والتوجه نحو العمل في المجتمع المدني؛ وثانيهما تفسير يرجع اختلالات الحقل السياسي، في المقابل، إلى مجرد نتيجة حتمية لإقصاء مباشر للنساء.

والحال أن “تفضيل” عدد كبير من المناضلات العمل داخل المجتمع المدني لا يمكن فهمه باعتباره اختياراً فردياً مجرداً أو تفضيلاً حراً منفصلاً عن الشروط التي يتشكل في ظلها، بل يرتبط، بدرجة معتبرة، بمحدودية قدرة المؤسسات الحزبية، في كثير من الأحيان وفي بنياتها الراهنة، على توفير شروط تسمح باحتضان الكفاءات النسائية، وتوسيع حضورها، وفتح مسارات فعلية أمام تقدمها داخل التنظيم. علماً أن الخلل هنا عام، ولا يقتصر على النساء، غير أن آثاره لا تتوزع بالتساوي بين مختلف الفاعلين. فتدني مستوى الخطاب والممارسة، وغموض معايير الاختيار، وانغلاق مسالك الترقي التنظيمي والسياسي، كلها اختلالات تمس فاعلين متعددين؛ غير أن النساء يدخلن الحقل السياسي من موقع تاريخي لم يراكم الحضور نفسه داخل مواقع التأثير ودوائر النفوذ والتزكية والتفاوض غير المعلن. بالتالي لا يمكن اعتبار أوضاع النساء مسألة منفصلة عن البنية السياسية، بل تصبح مدخلاً كاشفاً لطريقة اشتغال الحقل السياسي نفسه، وللقواعد التي تضبط الولوج إليه، وتوزيع المواقع فيه، وإمكانات التقدم والتأثير من داخله.

وفي البنيات الحزبية داخل الحقل السياسي تحديداً، يتجلى امتصاص التحول بوضوح،ليس في غياب مطلق للتغيير المجتمعي، بل في الكيفية التي يُستقبل بها هذا التغيير ويُعاد ترتيب أثره داخل قواعد اشتغال قائمة. فقد يتسع هامش مشاركة النساء، وتتقدم لغة المناصفة والتمثيلية وتجديد النخب، وتُعتمد آليات جديدة للولوج إلى المواقع، من دون أن يصاحب ذلك بالضرورة تحول موازٍ في القواعد العميقة التي تحكم الاختيار والتزكية والترقي وتوزيع النفوذ والقدرة الفعلية على التأثير في القرار. بل قد تُستوعب بعض مكتسبات التحول ليعاد ترميزها وتدويرها داخل البنية الحزبية نفسها، بحيث تتحول من قوة دافعة تروم تغيير قواعد الاشتغال فعليا، إلى مورد يساهم، بدرجات متفاوتة، في إعادة إنتاجها وإضفاء مظهر متجدد عليها. وهنا لا يكون التحول غائبا كليا عن الحقل السياسي، بل ولج إليه فعلاً، غير أن جزءاً كبيرا من أثره أُعيد تنظيمه بما يسمح باستمرار وظائف البنية العميقة للنسق الحزبي في صيغ معدلة وأكثر انسجاماً مع الخطاب الحديث حول المناصفة والمساواة.

غير أنه، من الناحية الإبستمولوجية، يتعين تجاوز التحليل من منظور أحادي، وتجاوز السؤال “الكلاسيكي” حول التواجد العددي للنساء في المجال السياسي إلى أسئلة مرتبطة بطبيعة السياسة التي تمارسها النساء، وبالمعرفة التي تنتجها عنهن، وبالوظائف والأدوار التي تتيح لهن أداءها. فالانتقال من الحضور الكمي إلى تحليل علاقات القوة ومعايير المشاركة الحقيقية يتيح لنا التمييز بين الوجود والفاعلية، ويمكننا من فهم الكيفية التي قد يتعايش بها مؤشر إيجابي في ظاهره مع استمرار البنية التي يُفترض أن يسهم في تغييرها. فالمرأة ليست متغيراً يضاف إلى مؤسسة ثابتة، وولوجها إليها لا يُفهم خارج العلاقة المتبادلة بين أثر المؤسسة فيها وأثرها الممكن في المؤسسة.

كما ينبغي في الوقت نفسه النظر إلى المؤسسات الحزبية بوصفها عينة سوسيولوجية مكثفة من المجتمع، لا باعتبارها عينة إحصائية تمثله بنسب متطابقة. فالحزب يستقبل ويحتضن بداخله التمثلات والقيم وعلاقات القوة التي ينتجها المجتمع، غير أنه لا يعكسها بالضرورة بصورة محايدة، بل يعيد ترتيبها ويمنح بعضها شرعية تنظيمية وسياسية. وهكذا يستدخل أشكال توزيع السلطة وتقسيم الأدوار وشبكات العلاقات والتصورات المتعلقة بالمرأة والقيادة، لتتحول داخله إلى قواعد لاختيار المسؤولين والمسؤولات وتوزيع المواقع وتحديد من يملك حق الكلام والاقتراح واتخاذ القرار.

وبهذا المعنى، لا يكون الحزب مرآة للمجتمع فحسب، بل يصير أيضاً مشتلاً لإعادة إنتاج بنياته وتمثلاته. فعندما يفرز النخب التي تلج إلى المجالس المنتخبة والهيئات التمثيلية، ويسهم في صياغة القوانين والسياسات العمومية، وإضفاء الشرعية على أشخاص وممارسات وتصورات بعينها، فإن استمرار البنية الذكورية داخله لا يظل شأناً تنظيمياً يمس النساء المناضلات فحسب، بل يمتد، من خلال هذه النخب والقرارات وآليات توزيع السلطة، إلى مختلف بنيات المجتمع. وهكذا، فإن ما يبدو في البداية تمثلاً مجتمعيا بشأن أهلية النساء لممارسة السلطة قد يُعاد إنتاجه داخل الحزب، قبل أن يعود مرة أخرى إلى المجتمع في صورة توزيع مؤسساتي فعلي للسلطة ومواقع القرار…

وهكذا تبرز مرة أخرى بجلاء الدائرة التي أسميها التغذية البنيوية لامتصاص التحول:

تنفذ التمثلات الذكورية السائدة في المجتمع إلى الأحزاب عبر مسارات التنشئة ومن خلال الممارسات الحزبية للفاعلين والفاعلات، ليعاد إنتاجها عند انتقاء النخب وتوزيع المواقع والمسؤوليات. غير أن هذه العملية لا تجري داخل مجتمع ساكن، بل داخل مجتمع يتقدم فيه حضور النساء في المعرفة والعمل والحقوق والاستقلالية، وتتعاظم فيه تطلعاتهن إلى المشاركة و إلى التأثير. وهكذا لا تستقبل الأحزاب تمثلات موروثة فحسب، بل تستدخل في الوقت نفسه تراكم تحولات اجتماعية محمّلة بكفاءات وتجارب وانتظارات جديدة. وعند هذه النقطة يشتغل امتصاص التحول: فعند مرور هذا التقدم عبر قنوات الانتقاء وتوزيع المواقع وشروط النفاذ إلى مواقع القرار ودوائر التأثير، يتم (بشكل نسبي بالطبع) استيعاب ما يمكن إدماجه من نخب وممارسات داخل البنية القائمة، دون أن تعمل على خلخلة توازنات القواعد العميقة للنسق. ثم تنتقل مخرجات هذه العملية إلى المجالس المنتخبة والهيئات التمثيلية ومواقع صنع القرار، لتنعكس آثارها مرة أخرى على المجتمع في صورة قواعد وممارسات وتمثلات “قديمة” اكتسبت قدراً أكبر من الشرعية ومن لبوس الحداثة.

ومن المجتمع تنطلق دورة جديدة من التحول فتعود إلى الأحزاب وقد تغيرت شروطها ومطالبها، لتخضع بدورها لعملية استيعاب وإعادة ترتيب جديدة. وبهذا لا نكون أمام دائرة تعيد إنتاج البنية الذكورية على نحو ثابت، بل أمام حركة لولبية يتراكم فيها التحول من مستوى إلى آخر، فيما تعمل البنية على استيعاب جزء كبير منه وإعادة تشكيل أثره، بحيث يحدث التغير فعلاً، ولكن من دون أن تتحول دائماً عملية توزيع السلطة بالعمق والوتيرة نفسيهما.

وهنا تجدر الإشارة إلى أن استمرار البنية الذكورية لا يمكن اختزاله في الرجال وحدهم، كما لا يعني أن النساء بمنأى عن الإسهام في إعادة إنتاجها. فالبنية السائدة تتجاوز الأفراد، وتعمل من خلال قواعد القبول والمكافأة والاستمرار، بحيث قد يعيد إنتاج المنطق الذكوري رجال ونساء معاً حين يصبح التكيف معه شرطاً للصعود والارتقاء داخل المجال السياسي. وبناء عليه، لا ينبغي في تقديري اختزال المقاربة النقدية في مواجهة بين المرأة والرجل، لكونها تتعدى هذه الأخيرة إلى مساءلة المعايير التي تحدد من يُنظر إليه (ها) بوصفه(ها) مؤهلاً(ة) للفاعلية السياسية، ومن يُفسح له (ها) مجال الطموح، ومن يُعترف به(ها)، ومن يُطلب منه(ها) تقديم ضمانات إضافية على الانسجام مع القواعد السائدة وعلى قابلية الاحتواء.

ويشتغل هذا المنطق داخل مشهد سياسي باتت بعض مستوياته تعرف تراجعاً ملموساً على مستوى الخطاب والممارسة معاً. ولا يُقصد بتراجع الخطاب هنا تدني اللغة أو الأسلوب فحسب، بل ضمور قدرة هذا الخطاب على تفسير التحولات الاجتماعية، وبناء التصورات والمشاريع، وتأطير الاختلاف، وصياغة أفق جماعي يمنح الفعل السياسي معناه وجدواه. فقد يكون الخطاب السياسي كثيف الحضور في المجال الإعلامي، دون أن يكون بالقدر نفسه قادراً على إنتاج المعنى؛ وقد يكون سريعاً في التعليق على الوقائع، محدوداً في تركيبها وربطها ببنياتها؛ كما قد يكون كثير السجال، ضعيفاً في إنتاج البدائل. وحين تُستدعى قضايا النساء داخل هذا الخطاب، فإنها قد تُختزل بدورها في مفردات رتيبة من قبيل “الدعم”، “التمكين” و”الإشراك”، بعيدا عن المقاربة التي تربط أوضاع النساء بكيفية توزيع السلطة والموارد والفرص الحقيقية، وشروط العدالة الاجتماعية.

وبالموازاة يشهد المجال السياسي والحقل الحزبي تحديدا، تراجعا مماثلا على مستوى الممارسة حين ينزاح الفعل السياسي من التنافس حول المشاريع إلى “الصراع” حول المواقع، ومن إدارة الاختلاف إلى شخصنته، ومن البحث عن الحلول إلى الاصطفاف حول الأفراد والاكتفاء بمراعاة التوازنات… بما لا يعني بالضرورة غياب الفاعلين والفاعلات الجادين(ات) أو انعدام المبادرات الإيجابية، وإنما يشير إلى كون بعض القواعد غير المعلنة التي تؤطر المجال قد تمنح القرب والامتثال والقدرة على التكيف مع التوازنات القائمة وزناً يفوق في كثير من الأحيان، ما تمنحه للاستقلالية والكفاءة والقدرة على إنتاج البدائل. وفي مثل هذا السياق، لا يجد التحول الذي تشهده أوضاع النساء أمامه خطاباً محدود القدرة على استيعاب دلالاته فحسب، بل يجد أيضاً ممارسة قد تستوعب مظاهره من دون أن تترجمها بالقدر نفسه إلى تحول فعلي في معايير توزيع المواقع والتأثير وصناعة القرار؛ وهنا تحديداً يجد امتصاص التحول أحد شروط اشتغاله.

ومن هذا التدني المزدوج تنشأ أزمة المعنى والجدوى. وأقصد هنا بالمعنى السياسي قدرة الخطاب والممارسة الحزبية معا على ربط الانخراط ببرنامج عام يمكن فهمه وتملك مضامينه ومراميه والترافع حوله والدفاع عنه؛ أما الجدوى فتمثل قدرة الممارسة السياسية على إثبات أن النضال من داخل المؤسسة الحزبية والمشاركة والاقتراح والمساءلة تحدث أثراً في صنع القرار. وحين لا يقدم الخطاب أفقاً يوازي تحولات المجتمع، ولا تمنح الممارسة دليلاً على إمكانية التأثير، يتآكل الإحساس بالانتماء لدى المناضلات والمناضلين، والإيمان بجدوى العمل السياسي لدى فئات واسعة من المواطنات والمواطنين.

وتختبر النساء هذه الأزمة بصورة أكثر وضوحاً. فالمرأة التي أثبتت كفاءتها في الجامعة أو الإدارة أو القضاء أو المقاولة أو العمل المدني قد لا تجد معنى للانتقال إلى مجال لا تكون فيه الكفاءة والالتزام معايير لتولي المسؤولية، ولا تضمن المشاركة الفاعلة فيه الوصول الفعلي إلى مراكز القرار. بل قد تجد أن المؤسسة الحزبية تستثمر اسمها وصورتها وتنهل من رصيدها النضالي دون أن تتيح لها ما يتناسب مع ذلك من استقلال وتأثير. وبناء عليه، لا يمكن تفسير ضعف انخراط العديد من النساء باعتباره عزوفاً أو لامبالاة بالشأن العام، بل قد يكون في أحايين كثيرة تعبيراً عن إدراكهن لمحدودية الجدوى داخل الصيغة القائمة للممارسة السياسية.

وعلى هذا المستوى بالذات تنطلق الحلقة المفرغة: فقدان الثقة يؤدي إلى مزيد من البعد عن المؤسسات، وهذا التباعد يقود إلى تراجع الانخراط داخلها، وبالتالي إلى ضعف على مستوى التأطير وإفراز النخب الجديدة، وتنغلق دوائر المسؤولية أكثر، فيتدنى الخطاب والممارسة ويتأكد الشعور بانعدام الجدوى. ثم تعود النتيجة لتغذي سببها؛ فكلما ابتعدت الكفاءات والنساء والشباب، أصبحت المؤسسات أقل قدرة على التجدد، وكلما عجزت عن التجدد، ازداد ابتعاد المجتمع عنها.

 وهنا وجب التمييز بين مستويين متمايزين: فابتعاد الأطر النسائية والنخب بشكل عام عن الهيئات الحزبية لا يعني بالضرورة العزوف عن السياسة، بل إن الخلط بين الأمرين يعتبر مضللاً، لكونه يساوي بين السياسة والمؤسسات التي اعتادت تمثيلها. فالابتعاد عن الأحزاب لا يعني بالضرورة التخلي عن الفعل السياسي. بل إن هذا “العزوف” نفسه قد يكون موقفاً سياسياً حين يعبر عن حكم على محدودية المؤسسة الحزبية وعجزها عن تحويل المشاركة إلى أثر. إنه لا يقول دائماً: “لا تعنيني القضايا العامة”، بل لسان حاله قد يقول: “لا أجد داخل هذه المؤسسات السبيل المجدي للدفاع عن هذه القضايا”.

فإذا كان ابتعاد النساء عن الأحزاب لا يعني ابتعادهن عن السياسة، فأين تتجه فاعليتهن ؟ وكيف يمكن إعادة وصلها بالمؤسسات على نحو يحوّل حضورهن من إشراك تضبطه القواعد القائمة إلى مشاركة فعلية في إنتاج القرار وصياغة قواعد العمل السياسي نفسه؟

(يتبع).

مقال خاص لصحيفة قريش – لندن

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


الاخبار العاجلة
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com