ميَّادة مهنَّا سليمان، قاصة سورية.. ” قصة ” .. عندكن بالكويت علكة سهام؟!

29 أكتوبر 2026
ميَّادة مهنَّا سليمان، قاصة سورية.. ” قصة ” .. عندكن بالكويت علكة سهام؟!


حِكَاياتٌ بريئةٌ (٧)

رانيا الكويتيَّة وعلكة سهام

ميَّادة مهنَّا سليمان

قاصة من سورية 

من ذكرياتِ الطُّفولةِ الَّتي لا تُنسى، عندما كُنتُ في الثَّانيةَ عشرةَ مِنْ عُمري، خبرُ احتلالِ الكويتِ مِن قِبل الرَّئيسِ العراقيِّ صدّام حُسين، حيثُ اقتحمَ الكويتَ في ساعاتِ الفجر الأولى في يومِ الخميسِ 2 آب/ 1990 أكثرُ من 20 ألفَ جنديٍّ عراقيٍّ من أربعةِ محاورَ، فاستيقظَ الكويتِيُّونَ، وقد حاصرَهم في بلدِهم جندُ ودبّاباتُ صدّام حسين، وكنتُ أيّامَها قد نجحتُ إلى الصَّفِّ السَّابعِ، وقدْ وفدَ إلى سورية بعضٌ من العائلاتِ الكويتيَّةِ هربًا من مخاوفِ الحربِ.

ومازلتُ أذكرُ أنَّ النَّاسَ ذُعروا، وبدؤوا بشراءِ أكياسٍ كبيرةٍ من الأرزِّ، والطَّحينِ، والموادِّ التَّموينيَّةِ، مخافة أن تنتقلَ الحربُ إلى سوريةَ،  لكنَّ  أبي لمْ يكنْ خائفًا، ولمْ يشترِ سوى الحاجيَّاتِ اليوميَّةِ لنا، وكانَ مُستغربًا من رُعبِ النَّاسِ الشَّديدِ، وتهويلِهم لِلأمرِ.

وكي لا أطيلَ، سأتحدَّثُ عن بدءِ العامِ الدِّراسيِّ في صيفِ ذلكَ العامِ حيثُ كانتْ بعضُ العائلاتِ الكويتيَّةِ قد تخوَّفتْ منَ العودةِ، ولذلكَ عندما داوَمنا رأيتُ في الباحةِ طالبةً تلبسُ عباءةً سوداءَ، وكانتْ سمينةً، وقصيرةً، بيضاءَ البشرةِ، جميلةَ ملامحِ الوجهِ، فالعينانِ كبيرتانِ، والأنفُ والفمُ صغيرانِ، عدا عن شعرٍ أسودَ طويلٍ رأيتُهُ لاحقًا عندما أصبحت في صفِّي، وارتدتْ مثلَنا لباسَ الفتوَّةِ باللونِ العسكريِّ، وأزالتْ حجابَها وفقًا لقانونِ التَّربيةِ العسكريَّةِ آنذاكَ الَّذي كانَ يمنعُ الحجابَ في الشُّعَبِ الصَّفِّيَّةِ.

وكانتِ الوافدةُ تُدعى رانيا العُر، لطيفةً مهذًّبةً، بارعةً جدًّا في مادَّتي الرَّسمِ، والخياطةِ، مع اجتهادٍ قليلٍ في الموادِّ الأخرى.

والأمرُ الظَّريفُ الَّذي جعلَني أكتبُ هذهِ القصَّةَ هوَ ذكرياتُ أوَّلِ مجيئِها إلى صفِّي، حيثُ اجتمعتِ البناتُ حولَها في الفرصةِ، وانهلنَ عليها بالأسئلةِ، فحكتْ لنا عن الرُّعبِ الَّذي عاشتهُ مع أهلِها، وهم يرونَ الدَّباباتِ تحاصرُ مدينتَهم، وأجابتْ عنْ أسئلةِ البناتِ الفضوليَّةِ، مثل: 

أين تسكنينَ، هل ستعودينَ إلى بلدِك، هل أحببتِ سورية…إلخ.

كلُّ هذا كانَ مقبولًا إلى أنْ (حكى بدري وانشرح صدري) وفق المثل العامِّيِّ لدينا، حيثُ اقتربتْ من رانيا طالبةٌ باردةٌ، لا تشاركُ في الدُّروسِ، ولا تختلطُ كثيرًا بالبناتِ، وسألَتها بجدِّيَّةٍ كبيرةٍ، وهي تضعُ علكةً في فمِها: 

عندكن بالكويت علكة سهام؟!

وانفجرنا جميعنا بضحكٍ يقطِّعُ الأمعاءَ لشدَّتِهِ، ولا سيَّما حينَ تفاجأتْ رانيا، ولم تدرِ ما تجيبُ للوهلةِ الأولى، لكنَّها حينَ رأتِ السَّائلةَ محمرَّةَ الوجهِ تنتظرُ جوابًا، قالت لها: 

لا، وعدَّدتْ لها أسماءَ أنواعٍ أخرى من العلكةِ، ولمْ يهدأْ ضحِكُنا حتَّى دخلَ أحدُ الأساتذةِ.

وصارتِ الطَّالبةُ مضربَ مثلٍ في الصَّفِّ، فكلَّما انفرَدنا برانيا، كُنَّا نُمازحها، فتقولُ لها إحدَانا بطريقةٍ تُوهمُها أنَّها ستسألُ سؤالًا مُهمًّا:

“صحي رانيا بدّي اسألك: 

عندكن بالكويت علكة سهام؟!” 

فتضحكُ، ونضحكُ معَها ببراءةٍ مُلتفتاتٍ حولَنا كي لا تأتيَ صديقتُنا صاحبةُ السُّؤالِ الخطيرِ، فتنزعجَ منَّا.

يا الله ما أحلى تلكَ الأيَّام، وما أروعَ ذكرياتِ المدرسةِ!

أخيرًا.. قبلَ أنْ أنهيَ القصَّةِ، فقطْ أريدُ أنْ أسألكُم: عندكم في بلادكم علكة سهام؟

القصة خاصة لصحيفة قريش – ملحق ثقافات وآداب – لندن

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


الاخبار العاجلة
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com