نتائج الانتخابات الإسرائيلية وارتداداتها على الداخل والخارج:
ماذا تقول الأرقام؟
الاقتراع و حرب غزة ومستقبل الشرق الأوسط-
بقلم د. مصطفى الغاشي

أستاذ التعليم العالي
جامعة عبد المالك السعدي بتطوان
تقديم، لماذا لم تحسم الانتخابات الإسرائيلية الصراع على السلطة، رغم أن الأرقام بدأت تتضح؟ وهل يتعلق الأمر بتراجع الثقة في بنيامين نتنياهو، أم بإعادة توزيع الأصوات داخل المعسكر اليميني، أم بأزمة أعمق تمس طبيعة النظام السياسي الإسرائيلي وخياراته الأمنية؟
إن المعطيات الأولية للانتخابات التشريعية الإسرائيلية، التي جرت يوم 27 تشرين الأول/ أكتوبر 2026، تكشف عن مشهد سياسي شديد التعقيد: فحزب الليكود بزعامة بنيامين نتنياهو يتصدر الأحزاب من حيث التمثيل المتوقع، لكن معسكره لا يمتلك، حتى الآن، أغلبية برلمانية مضمونة. وفي المقابل، لم يتمكن معسكر المعارضة بقيادة غادي آيزنكوت من تحويل تقدمه النسبي في بعض استطلاعات الخروج إلى أغلبية واضحة تتيح له تشكيل الحكومة.
وبحسب النتائج الرسمية الجزئية المنشورة صباح 28 تشرين الأول/ أكتوبر، وبعد فرز أكثر من ثلاثة أرباع صناديق الاقتراع، حصل المعسكر المؤيد لنتنياهو على نحو 54 مقعداً، مقابل 47 مقعداً لمعسكر آيزنكوت، فيما ارتفع تمثيل القائمتين العربيتين إلى نحو 19 مقعداً. وهذه أرقام مؤقتة قابلة للتغيير مع استمرار الفرز، ولا ينبغي التعامل معها بوصفها نتائج نهائية.
فالمسألة، إذن، ليست معرفة من تصدر الانتخابات فقط؛ بل فهم ما تقوله الأرقام عن المجتمع الإسرائيلي، وعن حدود القوة الانتخابية لنتنياهو، وعن موقع الفلسطينيين داخل إسرائيل، وعن الخيارات التي قد تواجهها المنطقة في المرحلة المقبلة.
أولاً: ماذا تقول الأرقام؟ قراءة في الخريطة الانتخابية،
1. نسبة المشاركة: الارتفاع لا يعني بالضرورة إجماعاً سياسياً، فقد بلغت نسبة المشاركة نحو 77.7% من الناخبين المسجلين، وهي الأعلى منذ عام 1999، بحسب التقارير الأولية. ويعادل ذلك ارتفاعاً بنحو سبع نقاط مئوية مقارنة بانتخابات 2022.
فسياسياً، يمكن قراءة هذا الارتفاع من ثلاث زوايا:
أولاً، التعبئة الانتخابية: حيث يبدو أن الحرب والأزمة الأمنية ومستقبل القيادة السياسية دفعت أعداداً كبيرة من الإسرائيليين إلى المشاركة.
ثانياً، الاستقطاب: حيث لا تعني المشاركة المرتفعة أن المجتمع اتفق على اتجاه سياسي واحد؛ فقد تكون نتيجة تعبئة متعارضة بين مؤيدي نتنياهو وخصومه.
ثالثاً، البحث عن المحاسبة: حيث أعادت انتخابات 2026، إلى الواجهة أسئلة المسؤولية السياسية عن إخفاقات 7 أكتوبر 2023، وإدارة الحروب اللاحقة، والخدمة العسكرية، ومستقبل المؤسسات الديمقراطية.
وفي الخلاصة، فان نسبة المشاركة تقيس حجم الانخراط في العملية الانتخابية، لكنها لا تثبت أن الناخبين أيدوا الحرب أو رفضوها، ولا أنها منحت أي معسكر تفويضاً سياسياً مطلقاً.
2. توزيع المقاعد: تصدّر الليكود لا يساوي امتلاك السلطة، فالكنيست الإسرائيلي يتالف من 120 مقعداً، وتحتاج أي حكومة إلى أغلبية تبلغ 61 مقعداً. وتشير النتائج الجزئية المنشورة صباح 28 أكتوبر إلى الصورة الآتية:
– مقاعد معسكر نتنياهو نحو 54 يتصدر المعسكر، لكنه دون الأغلبية.
– مقاعد معسكر آيزنكوت نحو 47 لا تكفي لتشكيل حكومة بمفرده
– مقاعد القائمتين العربيتين نحو 19 قد تكون حاسمة في الحسابات البرلمانية
والأغلبية المطلوب61 العتبة التي يتوقف عليها تشكيل الحكومة.
ومن هنا ينبغي التمييز بين ثلاثة مستويات:
الحزب الأكبر: الليكود بزعامة نتنياهو. الا ان المعسكر القادر على جمع 61 مقعداً: لم يتضح بعد بصورة نهائية.
فالمرشح القادر على تشكيل حكومة قابلة للاستمرار، يتوقف على المفاوضات والتحالفات والتنازلات المتبادلة.
وبالتالي، لا يمكن اعتبار تصدر الليكود دليلاً كافياً على أن نتنياهو حسم معركة البقاء في السلطة. وفي المقابل، فإن عجز معسكره عن بلوغ الأغلبية لا يعني تلقائياً أن المعارضة أصبحت قادرة على إزاحته.
3. تراجع اليمين المتطرف: ما الذي تغير؟ تُظهر النتائج الأولية أن بعض حلفاء نتنياهو من اليمين المتطرف لم يحققوا مستوى الدعم الذي كان متوقعاً لهم، فيما ظل الليكود الحزب الأكبر. وتشير التقديرات الأولية إلى حصول حزبي إيتمار بن غفير وبتسلئيل سموتريتش مجتمعين على نحو 13 مقعداً ضمن معسكر نتنياهو.
فما أهمية ذلك؟ إن تراجع الوزن البرلماني لبعض حلفاء اليمين المتطرف، قد يقلص قدرتهم على فرض شروطهم على رئيس الحكومة. لكنه لا يعني بالضرورة تراجع نفوذهم السياسي أو اختفاء المواقف المتشددة من الملفات الفلسطينية والأمنية. ذلك أن التأثير السياسي لا يقاس بعدد المقاعد وحده، بل أيضاً بقدرة الأحزاب الصغيرة على تعطيل تشكيل الحكومة أو إسقاطها إذا لم تُلبَّ مطالبها. والمفارقة هنا أن نتنياهو قد يخرج من الانتخابات محتفظاً بموقع قيادي، لكنه يجد نفسه مضطراً إلى التفاوض مع شركاء أكثر حساسية تجاه توزيع الحقائب والسياسات الأمنية والدينية.
ثانياً: ماذا تقول الانتخابات عن المجتمع الإسرائيلي؟
إنه لا ينبغي قراءة النتائج باعتبارها مواجهة بين اليمين واليسار بالمعنى التقليدي. فالمشهد الإسرائيلي يتداخل فيه الأمن مع الدين، والهوية القومية مع العدالة الاجتماعية، والموقف من الفلسطينيين مع الخلاف حول مستقبل النظام السياسي.
1. الانتخابات بوصفها محاسبة لنتنياهو، فقد جرت الانتخابات بعد هجمات 7 تشرين الأول/ أكتوبر 2023، والحروب التي تلتها في غزة ولبنان وإيران، وفي ظل الجدل حول الإخفاقات الأمنية والمسؤولية السياسية عن إدارتها.
وتشير التغطية الإخبارية إلى أن قضايا الأمن، وقيادة نتنياهو، والخدمة العسكرية، واستقلال القضاء، ومحاكمته في قضايا فساد، كانت ضمن الملفات المؤثرة في المنافسة الانتخابية. وينفي نتنياهو الاتهامات الموجهة إليه في قضايا الفساد. الا ان الأرقام لا تسمح باستنتاج أن الناخب الإسرائيلي اتخذ موقفاً موحداً من هذه الملفات. فبعض الناخبين قد يكونوا قد عاقبوا الحكومة بسبب إخفاقاتها، فيما قد يكون آخرون قد صوتوا لها بسبب مواقفها الأمنية أو خشيتهم من البدائل. وقد يكون التصويت لأحزاب المعارضة تعبيراً عن رفض نتنياهو شخصياً، لا عن تبنّي جميع مواقف المعارضة بشأن الحرب أو القضية الفلسطينية.
ومن هنا، فإن الحديث عن «هزيمة نتنياهو» يحتاج إلى تدقيق: فتراجع القدرة على تشكيل حكومة ليس هو الخروج النهائي من السلطة، كما أن بقاء الحزب الأكبر لا يعني أن الناخبين جددوا الثقة في الحكومة السابقة بشكل حاسم.
2. الخدمة العسكرية: خلاف يتجاوز المؤسسة العسكرية،
ان من الملفات الأساسية التي برزت في المنافسة مسألة إعفاء قطاعات من اليهود الحريديم، أو المتدينين المتشددين، من الخدمة العسكرية. وتكمن أهمية القضية في أنها تجمع بين ثلاثة أبعاد:
البعد الأمني: الحاجة إلى توزيع أعباء الخدمة العسكرية في ظل الحروب والعمليات العسكرية.
البعد الاجتماعي: شعور قطاعات من المجتمع بأنها تتحمل نصيباً أكبر من أعباء الخدمة والاحتياط.
البعد الائتلافي: اعتماد الحكومات المتعاقبة على أحزاب دينية تضع الحفاظ على امتيازات قواعدها الانتخابية ضمن أولوياتها.
وفي هذا السياق، دعا آيزنكوت إلى فرض الخدمة العسكرية على الرجال الحريديم، وهو موقف يمس أحد الملفات التي قد تعقد المفاوضات بشأن الحكومة المقبلة.
والدلالة هنا أن أزمة تشكيل الحكومة لا تتعلق فقط بتوزيع الوزارات، بل أيضاً بالتوفيق بين مطالب الأمن ومتطلبات الشراكة مع الأحزاب الدينية.
ثالثاً: صعود الأحزاب العربية.. الرقم الذي يصعب تجاوزه،
إنه إذا كان هناك مؤشر يستحق اهتماماً خاصاً في نتائج هذه الانتخابات، فهو ارتفاع التمثيل البرلماني للأحزاب العربية. فقد حصلت القائمة المشتركة والقائمة العربية الموحدة، وفق النتائج الجزئية، على نحو 19 مقعداً مجتمعين، مقابل عشرة مقاعد كانت تشغلها الأحزاب العربية في الكنيست السابق، وفق التقارير المنشورة. ولا تزال الحصيلة النهائية قابلة للتغير.
1. ماذا تعني هذه الزيادة؟
أولاً، إنها تعني ارتفاع الوزن العددي للتمثيل السياسي للمواطنين العرب داخل الكنيست.
ثانياً، تمنح هذه المقاعد الأحزاب العربية قدرة أكبر على التأثير في الحسابات المتعلقة بتشكيل الحكومة، حتى إن لم تشارك رسمياً فيها.
ثالثاً، تعيد إلى الواجهة سؤالاً سياسياً قديماً: هل يمكن للأحزاب العربية أن تتحول إلى شريك في صناعة القرار الحكومي، أم سيظل دورها محصوراً في المعارضة والتأثير غير المباشر؟ الا انه من الضروري عدم الخلط بين الوزن البرلماني والقدرة الفعلية على ممارسة السلطة. فمعسكر آيزنكوت يواجه معضلة كبيرة: فبلوغ الأغلبية قد يتطلب دعماً من الأحزاب العربية، بينما يظل التعاون معها موضوعاً شديد الحساسية لدى عدد من الأحزاب اليهودية الصهيونية، سواء داخل المعارضة أو خارجها. أما نتنياهو، فقد رفض تشكيل حكومة تعتمد على الأحزاب العربية.
2. المفارقة السياسية، تظهر النتائج أن الأحزاب العربية قد تمتلك وزناً عددياً يجعلها مؤثرة في حسابات تشكيل الحكومة، لكن ذلك لا يضمن قبول الأحزاب الأخرى بها شريكاً سياسياً. وهنا تظهر مفارقة الديمقراطية التمثيلية: فيمكن للأصوات أن تمنح مجموعة سياسية ثقلاً برلمانياً، من دون أن تضمن لها بالضرورة القدرة على تحويل هذا الثقل إلى مشاركة في السلطة التنفيذية. كما أن الأحزاب العربية ليست كتلة متجانسة في جميع مواقفها أو حساباتها؛ لذلك فإن عدد المقاعد لا يكفي وحده لتحديد طبيعة الدور الذي ستؤديه في المفاوضات المقبلة.
وبالتالي، فان السؤال الصعب ليس فقط كم مقعداً حصلت عليه الأحزاب العربية، بل ما إذا كان هذا التمثيل سيترجم إلى تأثير ملموس في السياسات المتعلقة بالمساواة والتمييز والميزانيات والخدمات العامة، فضلاً عن الموقف من الفلسطينيين والحرب.
رابعاً: ماذا تعني النتائج بالنسبة إلى غزة والقضية الفلسطينية؟ انه من الضروري التنبيه الى انه ينبغي الحذر من استنتاج أن تغيير الحكومة سيؤدي تلقائياً إلى تغيير السياسة الإسرائيلية تجاه الفلسطينيين. فالانتخابات لم تجرِ في سياق نقاش حول القضية الفلسطينية فقط، بل في ظل تداخل ملفات الأمن والحرب والرهائن والقيادة السياسية والعلاقات الخارجية.
ومع ذلك، يمكن تحديد ثلاثة مسارات مستقبلية محتملة،
المسار الأول: استمرار الائتلاف اليميني، فإذا تمكن نتنياهو من تشكيل حكومة جديدة، فقد تستمر الخطوط الأساسية لسياسته الأمنية والإقليمية، مع تفاوض داخلي حول حجم نفوذ شركائه من اليمين المتطرف والأحزاب الدينية. ولا يعني ذلك أن كل قرار سيتكرر بصورة متطابقة، لكنه يجعل التغيير الجوهري في السياسة الفلسطينية مرهوناً بتوازنات الائتلاف وموازين القوى الإقليمية والدولية.
المسار الثاني: حكومة تقودها المعارضة، فقد يؤدي تشكيل حكومة بقيادة آيزنكوت إلى تغيير أسلوب إدارة بعض الملفات، وإعادة ترتيب العلاقة مع الولايات المتحدة، ومراجعة جوانب من إدارة الحرب أو المسؤولية السياسية عن إخفاقات 7 أكتوبر.
إلا أنه لا توجد معطيات كافية تسمح بالقول إن حكومة معارضة ستتبنى بالضرورة مساراً مختلفاً جذرياً تجاه الفلسطينيين. فمواقف الأحزاب الإسرائيلية تختلف في قضايا الاستيطان والدولة الفلسطينية ووقف الحرب، ولا يكفي وصفها بأنها معارضة لنتنياهو لاستنتاج أنها تتبنى برنامجاً متكاملاً لتسوية الصراع.
المسار الثالث: استمرار المأزق السياسي، فإذا تعذر تشكيل حكومة مستقرة، فقد تبقى الحكومة الحالية في وضع تصريف الأعمال خلال المفاوضات، مع احتمال استمرار حالة عدم اليقين السياسي أو الذهاب إلى انتخابات جديدة إذا فشلت محاولات تشكيل ائتلاف.
ويكتسب هذا الاحتمال أهمية خاصة في ظل استمرار التوترات الإقليمية، لأن طول المفاوضات قد يؤخر اتخاذ قرارات استراتيجية أو يضعف وضوح اتجاه السياسة الحكومية. وتشير التقارير إلى أن المفاوضات قد تستمر أسابيع، فيما لم تحسم النتائج الجزئية مصير الأغلبية.
أما بالنسبة إلى الفلسطينيين، فالمعيار الحقيقي لأي تغيير لن يكون اسم رئيس الحكومة فقط، بل القرارات الفعلية المتعلقة بغزة، والمساعدات الإنسانية، والعمليات العسكرية، والاستيطان، والضفة الغربية، والحقوق السياسية الفلسطينية.
خامساً: الارتدادات الخارجية.. واشنطن وإيران والعواصم العربية،
1. الولايات المتحدة: فالعلاقة الشخصية لا تلغي المصالح الاستراتيجية، فقد حظيت العلاقة بين نتنياهو والرئيس الأميركي دونالد ترامب باهتمام كبير خلال الحملة الانتخابية. وأشاد نتنياهو بإنجازات إسرائيل العسكرية، وأشار إلى استمرار مواجهة إيران، بينما تحدث ترامب عن أداء نتنياهو الانتخابي.
لكنه من الخطأ اختزال العلاقة الأميركية الإسرائيلية في العلاقة الشخصية بين الرئيس الأميركي ورئيس الوزراء الإسرائيلي. فواشنطن معنية بمجموعة أوسع من المصالح، تشمل أمن إسرائيل، ومواجهة إيران، والاستقرار الإقليمي، وأمن الملاحة، وتداعيات الحرب على المصالح الأميركية.
ومن ثم، فإن نتائج الانتخابات قد تؤثر في طريقة إدارة هذه الملفات، لكنها لا تعني تلقائياً تحولاً جذرياً في السياسة الأميركية. والسؤال الذي سيحدد حجم الارتداد الخارجي هو: هل ستدعم الحكومة الإسرائيلية المقبلة استمرار النهج السابق، أم ستمنح واشنطن مساحة أكبر لإعادة ترتيب الأولويات الإقليمية؟
2. إيران: هل يتغير اتجاه المواجهة؟ فقد برزت إيران في خطاب نتنياهو الانتخابي باعتبارها أحد محاور السياسة الأمنية الإسرائيلية. وأشار رئيس الوزراء إلى إمكانية استمرار العمل المشترك مع ترامب في مواجهتها. غير أن النتائج الانتخابية لا تكفي وحدها لتحديد مستقبل المواجهة، فذلك يتوقف على قرارات الحكومتين الإسرائيلية والأميركية، وعلى تطورات القدرات العسكرية، والحسابات الإقليمية، ومواقف الأطراف الأخرى. وقد تؤدي صعوبة تشكيل الحكومة إلى تعقيد اتخاذ قرارات استراتيجية، لكنها لا تعني بالضرورة وقف العمليات العسكرية أو تغيير العقيدة الأمنية الإسرائيلية.
3. العواصم العربية: فرصة دبلوماسية أم استمرار للجمود؟ ان العواصم العربية ستراقب نتائج تشكيل الحكومة الإسرائيلية، لا سيما ما يتعلق بغزة والضفة الغربية، ومسارات التهدئة، ومستقبل التسوية السياسية.
ويمكن هنا، التمييز بين احتمالين: فإذا تشكلت حكومة مستقرة: ستتضح بصورة أكبر الجهة التي يمكن التفاوض معها بشأن الترتيبات الأمنية والسياسية والإنسانية. وإذا استمر المأزق: فقد تتعقد المفاوضات وتتراجع القدرة على تحديد مسار سياسي واضح، من دون أن يعني ذلك بالضرورة توقف الاتصالات الدبلوماسية.
وبالنسبة إلى الدول العربية التي تربط أي تقدم في العلاقات الإقليمية بتطورات القضية الفلسطينية، ستظل القرارات العملية للحكومة المقبلة أهم من الخطاب الانتخابي.
أما المغرب، فإن قراءة النتائج من منظور مصالحه تقتضي متابعة ثلاثة ملفات تحديداً: مستقبل الحرب في غزة، واتجاه السياسة الإسرائيلية تجاه الفلسطينيين، ومدى تأثير التطورات الإقليمية في مسارات الدبلوماسية والتعاون الإقليمي. ولا تسمح الأرقام الانتخابية وحدها باستنتاج تحول مباشر في العلاقات المغربية الإسرائيلية؛ إذ يتوقف ذلك على السياسات والقرارات التي ستتخذها الحكومة المقبلة، وعلى مجمل السياق الإقليمي.
سادساً: الاقتصاد الإسرائيلي.. عندما تتحول السياسة إلى عامل مخاطرة، لا تقتصر آثار الانتخابات غير الحاسمة على البرلمان فقط؛ بل قد تنعكس حالة عدم اليقين على الأسواق المالية أيضاً. فقد أفادت تقارير منشورة صباح 28 تشرين الأول/ أكتوبر بضعف الشيكل أمام الدولار، بالتزامن مع استمرار الغموض بشأن تشكيل الحكومة المقبلة.
إلا أنه من الضروري التمييز بين رد فعل السوق في يوم انتخابي وبين اتجاه اقتصادي طويل الأجل. فالتقلبات المالية يمكن أن تتأثر بعدة عوامل، من بينها: استمرار الحرب وتكاليفها المالية، توقعات المستثمرين بشأن الاستقرار الحكومي، السياسة المالية والإنفاق العسكري،
العلاقات التجارية والاستثمارية الخارجية، التوقعات المتعلقة بالمواجهة الإقليمية.
وعليه، فإن ضعف العملة لا يثبت وجود أزمة اقتصادية شاملة، لكنه يشير إلى أن الغموض السياسي قد يتحول إلى عنصر إضافي في حسابات المستثمرين.
أما المؤشر الأكثر أهمية خلال الأسابيع المقبلة، فسيكون قدرة الحكومة الجديدة، إذا تشكلت، على توفير قدر من الاستقرار السياسي والمالي، في ظل الأعباء المرتبطة بالحروب والإنفاق الأمني.
سابعاً: ماذا تقول الأرقام التي لا تظهر في النتائج؟ ان هناك ثلاثة أبعاد لا يمكن اختزالها في عدد المقاعد.
البعد الأول: التمثيل لا يساوي التفويض. فحصول حزب على عدد كبير من المقاعد لا يعني أن المجتمع يتبنى جميع سياساته، كما أن تقدم المعارضة لا يعني اتفاق الناخبين على برنامج سياسي موحد.
البعد الثاني: الأغلبية العددية لا تساوي بالضرورة حكومة متماسكة. فقد ينجح ائتلاف في جمع 61 مقعداً، لكنه يظل معرضاً للتعطيل إذا تناقضت أولويات مكوناته في ملفات الأمن والدين والخدمة العسكرية والسياسة الفلسطينية.
البعد الثالث: تغيير القيادة لا يعني بالضرورة تغيير الدولة. فهناك سياسات ومؤسسات ومصالح استراتيجية تستمر عبر الحكومات، وإن اختلفت طريقة إدارتها أو ترتيب أولوياتها.
ولهذا، فإن قراءة الانتخابات الإسرائيلية تستوجب الجمع بين النتائج العددية، وبرامج الأحزاب، ومواقفها المعلنة، والقرارات التي ستتخذها الحكومة المقبلة.
ثامناً: ثلاثة سيناريوهات للمرحلة المقبلة، واستناداً إلى المعطيات المتوفرة حتى صباح 28 أكتوبر 2026، يمكن تحديد ثلاثة سيناريوهات رئيسية، باعتبارها احتمالات مشروطة لا تنبؤات مؤكدة.
الأول، حكومة جديدة بقيادة نتنياهو، ويرتبط نجاحه بجمع الأغلبية اللازمة لاستمرار قيادة الليكود، مع تفاوض حول مطالب الشركاء.
الثاني، حكومة بقيادة المعارضة شرط اتفاق آيزنكوت مع أحزاب أخرى، ومعالجة عقدة الدعم العربي…
ويظل العامل الحاسم هو قدرة الأحزاب على تحويل المقاعد إلى اتفاق سياسي قابل للاستمرار. فالأرقام الأولية لا تحسم أياً من هذه السيناريوهات، كما أن احتساب الأصوات المتبقية قد يغير توزيع المقاعد فقط.
في الختام، الانتخابات لم تحسم الاتجاه.. بل كشفت حدود القوة، تقدم الانتخابات الإسرائيلية مؤشرات مهمة على طبيعة المرحلة السياسية المقبلة.
أولاً، إن تصدر الليكود لا يعني امتلاكه أغلبية مضمونة، كما أن تقدم المعارضة في بعض استطلاعات الخروج لا يكفي لإثبات قدرتها على تشكيل الحكومة.
ثانياً، إن ارتفاع تمثيل الأحزاب العربية يمنحها وزناً برلمانياً مهماً، لكنه يضع النظام السياسي الإسرائيلي أمام سؤال عملي حول حدود المشاركة السياسية، ومدى استعداد الأحزاب الأخرى للتعاون معها.
ثالثاً، إن الخلافات بشأن الخدمة العسكرية واليمين المتطرف والمسؤولية عن إخفاقات 7 تشرين الأول/ أكتوبر تعكس تعدد مراكز التوتر داخل المجتمع الإسرائيلي، ولا يمكن اختزالها في خلاف شخصي حول نتنياهو.
رابعاً، إن أثر الانتخابات خارجياً سيتوقف على السياسات التي ستتبناها الحكومة المقبلة، خصوصاً تجاه غزة والضفة الغربية وإيران والولايات المتحدة والدول العربية.
والخلاصة أن الأرقام لا تقول إن إسرائيل اختارت اتجاهاً جديداً، ولا إنها جددت تفويضاً مطلقاً للقيادة السابقة. إنها تكشف عن برلمان منقسم، ومعسكرات لا يزال بعضها عاجزاً عن تحويل رصيده الانتخابي إلى أغلبية حاكمة.
وبين الفوز الانتخابي والقدرة على الحكم تكمن دلالة هذه الانتخابات: فالمعركة لم تعد على من يتصدر المشهد فقط، بل على من يستطيع تشكيل حكومة، وعلى الثمن السياسي الذي سيكون مستعداً لدفعه مقابل ذلك.
وبالنسبة إلى القضية الفلسطينية والمنطقة، سيظل السؤال الأهم:
هل ستؤدي إعادة ترتيب السلطة في إسرائيل إلى تغيير ملموس في السياسات التي تمس الفلسطينيين، أم ستتغير الوجوه بينما تستمر نفس الاتجاهات الأساسية؟
فهذا السؤال لا تجيب عنه صناديق الاقتراع فقط، بل ستجيب عنه القرارات التي ستتخذها الحكومة المقبلة على الأرض.
مقال خاص لصحيفة قريش – لندن

















































