دجوار أحمد أغا

مقدمة
في سجل الحركة الوطنية الفلسطينية أسماء ارتبطت بمراحل مفصلية من تاريخ الثورة الفلسطينية، وتركت بصماتها في مسيرة النضال السياسي والعسكري. ومن بين هذه الأسماء الشهيد خالد أحمد نزال، أحد أبرز القادة العسكريين في الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين، الذي ارتبط اسمه بالعمل العسكري في الأراضي الفلسطينية المحتلة، وبمعارك الدفاع عن الوجود الفلسطيني في لبنان، قبل أن تنتهي حياته في عملية اغتيال قام بها جهاز الاستخبارات الإسرائيلي “الموساد” في العاصمة اليونانية أثينا، في التاسع من حزيران عام 1986. لم تكن سيرة نزال مجرد حكاية قائد فلسطيني انتهت حياته بالاغتيال، بل هي جزء من تاريخ مرحلة اتسمت بتحولات سياسية وعسكرية عميقة، شهدتها الثورة الفلسطينية في أعقاب حرب عام 1967، وامتدت إلى ساحات المواجهة في لبنان، في ظل محاولات إسرائيلية متواصلة لاستهداف قيادات الحركة الوطنية الفلسطينية وإضعاف بنيتها التنظيمية والعسكرية.
من قباطية.. ابن النكبة وذاكرة الوطن
وُلد خالد أحمد نزال عام 1948 في بلدة قباطية، قضاء جنين، في عام النكبة الفلسطينية، الذي شهد تهجير مئات الآلاف من الفلسطينيين من مدنهم وقراهم، وتحولات عميقة في واقع الشعب الفلسطيني ومستقبله. نشأ نزال في بيئة عائلية ارتبطت بالنضال الوطني. والده كان مقاتلًا ورفيقًا للشيخ عز الدين القسام، وهي خلفية أسهمت في تشكيل الصورة التي ارتبطت به داخل الأوساط الوطنية الفلسطينية. وفي تلك المرحلة، كانت القضية الفلسطينية تدخل طور جديد من الصراع، خاصة بعد احتلال إسرائيل الضفة الغربية وقطاع غزة والقدس الشرقية عام 1967. وقد دفعت نتائج الحرب قطاعات واسعة من الشباب الفلسطيني إلى الانخراط في العمل الوطني، في ظل تصاعد حضور الفصائل الفلسطينية وتنامي دورها السياسي والعسكري.
في صفوف الجبهة الديمقراطية.. من العمل التنظيمي إلى القيادة العسكرية

مع انطلاقة الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين في 22 شباط 1969، التحق خالد نزال بصفوفها، وتدرج في العمل التنظيمي والعسكري، حتى أصبح أحد أبرز قادتها العسكريين. وجاءت تجربته في إطار مرحلة كانت فيها الفصائل الفلسطينية تسعى إلى بناء هياكل تنظيمية وعسكرية قادرة على مواصلة العمل الوطني في ظل الاحتلال، بالتوازي مع بلورة برامجها السياسية ومواقفها من مستقبل القضية الفلسطينية. تبنّت الجبهة الديمقراطية، بقيادة أمينها العام نايف حواتمة، توجه سياسي يساري جمع بين التحرر الوطني والرؤية الاجتماعية، وطرحت مواقف وبرامج تناولت حقوق الشعب الفلسطيني وأهداف نضاله، وشهدت مسيرتها تفاعلًا مع التحولات التي عرفتها الحركة الوطنية الفلسطينية والإقليمية.
تولى نزال مسؤوليات عسكرية متقدمة، وارتبط اسمه بقيادة قوات إسناد الداخل، المعنية بدعم العمل العسكري في الأراضي الفلسطينية المحتلة. وقد عكست مسيرته طبيعة العلاقة بين العمل السياسي والتنظيمي والعمل العسكري في تلك المرحلة، حين كانت الفصائل الفلسطينية تسعى إلى توسيع حضورها، وتطوير قدراتها، وربط ساحات وجودها خارج فلسطين بالأراضي المحتلة. لم يقتصر دوره على المشاركة في العمل العسكري، بل شمل التخطيط والإشراف والتنظيم، إلى جانب الاهتمام بشؤون التسليح والإمداد.
قائد إسناد الداخل.. العمليات العسكرية في قلب الصراع
برز اسم خالد نزال في سياق العمليات العسكرية التي نفذتها فصائل فلسطينية خلال سبعينيات القرن الماضي، في مرحلة شهدت تصاعد المواجهة بين الحركة الوطنية الفلسطينية وإسرائيل. من أهم العمليات التي قادها: (عملية معالوت ترشيحا في 15 أيار 1974، عملية بيسان 19 تشرين الثاني 1974، بالإضافة إلى عمليات أخرى ارتبطت بالعمل الفدائي خلال تلك الفترة. وقد مثّل العمل المتصل بالأراضي الفلسطينية المحتلة أحد المحاور الأساسية في نشاطه العسكري، إذ تولى مسؤوليات مرتبطة بإسناد المجموعات العاملة في الداخل، ضمن شبكة تنظيمية وعسكرية امتدت بين مواقع وجود الثورة الفلسطينية خارج فلسطين والأراضي التي احتلتها إسرائيل عام 1967.
في لبنان.. معارك الدفاع عن الثورة والمخيمات الفلسطينية
شكّل لبنان إحدى أهم ساحات حضور الثورة الفلسطينية خلال سبعينيات القرن الماضي والثمانينيات، في ظل وجود أعداد كبيرة من اللاجئين الفلسطينيين، واتساع النشاط السياسي والتنظيمي للفصائل، وتعقيدات المشهد اللبناني والإقليمي. وفي تلك الظروف، ارتبط اسم خالد نزال بالعمل العسكري في لبنان، حيث شارك في معارك ومواجهات مع القوات الإسرائيلية في الجنوب اللبناني، كما ارتبط دوره بالدفاع عن المخيمات الفلسطينية. وكانت المخيمات في تلك المرحلة تعيش أوضاع بالغة الصعوبة، في ظل الاعتداءات العسكرية والتوترات السياسية والأمنية، ما جعل الدفاع عنها جزء من المشهد العام للصراع الذي خاضته الثورة الفلسطينية في لبنان.
جاء الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982 ليشكّل نقطة تحول كبرى في تاريخ الثورة الفلسطينية. فقد اجتاحت القوات الإسرائيلية مناطق واسعة من البلاد، ووصلت إلى بيروت، حيث فرضت حصاراً طويلاً على العاصمة، قبل أن تنتهي المواجهات بخروج قيادة منظمة التحرير الفلسطينية وقواتها من المدينة. شكّلت تلك الأحداث مرحلة قاسية في تاريخ الفلسطينيين في لبنان، بما رافقها من خسائر بشرية ودمار ونزوح، فضلاً عن التحولات التي طرأت على الوجود العسكري الفلسطيني ومواقع قيادته. وفي خضم هذه التطورات، كان خالد نزال من القادة المرتبطين بالعمل العسكري للجبهة الديمقراطية، في مرحلة فرضت على الفصائل الفلسطينية إعادة ترتيب أوضاعها التنظيمية والعسكرية، والتعامل مع واقع جديد بعد خروج القوات الفلسطينية من بيروت.
قضية لارس غولي.. محطة في تاريخ العمل التنظيمي
ومن المحطات المرتبطة بسيرة خالد نزال قضية النرويجي “لارس غولي”، الذي انضم إلى الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين، وأُلقي القبض عليه في لبنان عام 1977 بتهمة حيازة متفجرات. كان نزال المسؤول عنه ضمن التنظيم، في سياق العمل العسكري الذي اضطلعت به الجبهة خلال تلك المرحلة. وتكشف القضية جانباً من طبيعة العلاقات التنظيمية التي نشأت بين الفصائل الفلسطينية وأفراد من جنسيات مختلفة، في سياق الصراع السياسي والعسكري الذي تجاوز حدود فلسطين ولبنان.
الاغتيال في أثينا.. استهداف قائد خارج فلسطين
في التاسع من حزيران عام 1986، اغتيل خالد نزال في العاصمة اليونانية أثينا، في عملية عن طريق جهاز الاستخبارات الإسرائيلي “الموساد”. حيث أطلق عميلان للموساد كانا يستقلان دراجة نارية النار عليه أثناء وجوده عند مدخل أحد الفنادق، ما أدى إلى استشهاده على الفور. وكان نزال يبلغ من العمر نحو 38 عامًا عند اغتياله، بعد مسيرة ارتبطت بالعمل العسكري والتنظيمي للجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين، وبالمواجهات التي شهدتها الأراضي الفلسطينية المحتلة والساحة اللبنانية. جاء اغتياله ضمن سياق أوسع من استهداف القيادات الفلسطينية خارج الأراضي المحتلة، في إطار الصراع بين إسرائيل والفصائل الفلسطينية.
التشييع في مخيم اليرموك.. وداع قائد فلسطيني
عقب اغتياله، شُيّع خالد نزال في موكب جنائزي شارك فيه قادة وشخصيات من الحركة الوطنية الفلسطينية، ووري الثرى في مقبرة الشهداء بمخيم اليرموك، جنوب العاصمة السورية دمشق. وكان مخيم اليرموك، الذي احتضن أعداد كبيرة من اللاجئين الفلسطينيين، أحد أبرز مراكز الحضور الاجتماعي والسياسي الفلسطيني في سورية، كما شكّل فضاءً للذاكرة الوطنية ومكاناً لدفن عدد من الشخصيات التي ارتبطت بتاريخ الثورة الفلسطينية. عكس تشييع نزال مكانته داخل الأوساط الفلسطينية، وحجم الخسارة التي مثّلها رحيله بالنسبة إلى رفاقه في الجبهة الديمقراطية وقطاعات من الحركة الوطنية. لم يكن التشييع مجرد مراسم لوداع قائد عسكري، بل مناسبة لاستحضار مرحلة كاملة من تاريخ الثورة الفلسطينية، بما شهدته من معارك وتحولات سياسية وتنظيمية، وما دفعه الفلسطينيون خلالها من أثمان بشرية باهظة.
النصب التذكاري في جنين.. الذاكرة في مواجهة المحو
لم يتوقف حضور خالد نزال عند سيرته العسكرية والتنظيمية، بل امتد إلى الرمزية الوطنية التي اكتسبها اسمه في مسقط رأسه، بلدة قباطية، وفي محافظة جنين عموماً. وفي عام 2017، هدمت سلطات الاحتلال الإسرائيلي نصب تذكاري يحمل اسمه في جنين، في واقعة أعادت تسليط الضوء على الصراع المتعلق بالرموز الوطنية الفلسطينية والأسماء المرتبطة بتاريخ الثورة. فالنصب التذكارية في المجتمعات التي عاشت تجارب الاحتلال والصراع ليست مجرد معالم مادية، بل تمثل في كثير من الأحيان وسيلة لاستحضار التاريخ، وتخليد شخصيات ارتبطت بمحطات مهمة في الذاكرة الجماعية.
وفي الحالة الفلسطينية، تكتسب هذه الرموز أهمية خاصة، في ظل استمرار الصراع على الأرض والهوية والرواية التاريخية. ولذلك، فإن استهداف معلم يحمل اسم شخصية فلسطينية بارزة يتجاوز، في دلالاته لدى قطاعات من المجتمع الفلسطيني، مسألة إزالة نصب تذكاري، ليصبح جزء من نقاش أوسع حول الذاكرة الوطنية وحق الفلسطينيين في توثيق تاريخهم. غير أن الحفاظ على هذه الذاكرة لا يتحقق بالرموز وحدها، بل يتطلب أيضاً توثيق السير الشخصية، وجمع الشهادات والوثائق، ومراجعة الوقائع التاريخية، بما يتيح للأجيال الجديدة فهم الظروف التي نشأت فيها الحركة الوطنية الفلسطينية وتطورت خلالها.
من قباطية إلى أثينا.. سيرة في تاريخ الثورة
بين قباطية، مسقط رأسه، وبيروت التي شهدت واحدة من أكثر مراحل الثورة الفلسطينية صعوبة، وأثينا التي انتهت فيها حياته، امتدت مسيرة خالد أحمد نزال عبر محطات ارتبطت بتاريخ القضية الفلسطينية وتحولاتها. وُلد عام النكبة، ونشأ في ظل قضية وطنية ظلت حاضرة في حياة أجيال من الفلسطينيين، ثم انخرط في صفوف الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين، وتولى مسؤوليات عسكرية وتنظيمية جعلته من أبرز قادتها العسكريين، قبل أن يُغتال في 9 حزيران عام 1986. وتبقى سيرته جزءاً من تاريخ الثورة الفلسطينية المعاصر، بما تحمله من دلالات سياسية وعسكرية وإنسانية، وبما تطرحه من أسئلة حول تجربة العمل الوطني الفلسطيني، وتعدد ساحات الصراع، ومصير القيادات التي استُهدفت خارج الأراضي المحتلة.
ختاماً نقول بأن
توثيق سيرة الشهيد خالد نزال، وسير غيره من الشخصيات التي ارتبطت بتاريخ الحركة الوطنية الفلسطينية، مسؤولية وطنية وتاريخية تتطلب العودة إلى الوثائق والشهادات والمصادر المستقلة، وعدم الاكتفاء بالروايات المتداولة، مهما كانت مكانة أصحابها في الذاكرة الوطنية. فالتاريخ لا يُكتب بالذاكرة وحدها، وإنما بتكامل الذاكرة مع الوثيقة، والشهادة مع البحث، والرواية مع التحقق. ومن هذا المنطلق، فإن استعادة سيرة خالد نزال ليست مجرد استذكار لقائد فلسطيني اغتيل في المنفى، بل هي محاولة لفهم فصل من تاريخ شعب ظل يسعى إلى استعادة حقوقه الوطنية، وصون هويته، والحفاظ على ذاكرته عبر الأجيال.
…………………………………………………………………………………


















































