الموصل و إعمار القليعات: هل فات الأوان؟

29 أكتوبر 2026
الموصل و إعمار القليعات: هل فات الأوان؟

ربيع فيصل الحافظ

أشكر الأساتذة الأفاضل والسيدات الفضليات على مشاركاتهم في هذا النقاش، بين وفاق وخلاف، ولعل الخلاف أثمن من الوفاق أحياناً، لأنه يفتح للفكرة آفاقاً جديدة، ويبقى الود سيد الموقف.

تركزت أكثر التعليقات على الحاجة الماسّة إلى إسكان المهجرين، وهي أولوية تستدعي معالجة فورية بتعويض مالي مجزٍ أو مساكن بديلة مناسبة مواساة لما أصابهم، وهي لا تقل عن اهمية بناء المطار فيما لا تمثل تكلفتها سوى جزء يسيرا من ميزانيته.

لا يُنظر إلى حي القليعات، وفق اعتبارات تخطيط الحواضر التراثية، بوصفه حياً سكنياً بالدرجة الأولى، بل خزاناً حضرياً تتكامل فيه الحياة الاجتماعية والاقتصادية والثقافية، ومنه تستعيد المدينة تماسكها وعافيتها بعد النكبات. ولا تكمن جمالية المكان في طرازه المعماري فحسب، بل في دوره بوصفه مؤسسة اجتماعية حية، تسهم في استعادة حيوية المدينة ووظائفها الحضارية.

توجد في هذا المكان أقدم كنيسة في الموصل وأقدم جامع ومدارس العلوم المختلفة ومصانع قماش الموسلين وقلعة باسم طالبا ودلالتها وفيه نشأت الحٍرف وانتقل الانسان من حياة الترحال الى حياة المجتمع. وأجيال الموصل الناشئة بحاجة إلى هذه المعالم الحية والملموسة، لا مجرد أحجار أُعيد بناؤها بشكل جميل، لتسهم في ترميم نسيجه الاجتماعي، ونحن اذا امام معهد اجتماعي تربوي وهنا تتجلى «عبقرية المكان»، وتتجلى ايضا خطورة التعامل معه بمعزل عن أهل الاختصاص.

والبت في هيئة هذا المكان ليس شأناً يحسمه مؤرخ أو مهندس أو اقتصادي أو عالم اجتماع أو خبير قانون أو إعلامي أو وجيه منفرداً، بل يتطلب تكامل خبراتهم لصياغة رؤية علمية تستند إليها الجهات الإدارية في قراراتها وتنفيذها، لا أن تنفرد بصياغتها. وهذا ما لم يحدث في الموصل، إذ لم يسمع أهل الاختصاص وصفوة كفاءات جامعتها العريقة بقرار الإعمار إلا عبر شاشات التلفاز، مما يثير تساؤلات جدية حول آليات اتخاذ القرار. وهكذا اختُزل الإعمار في بناء الحجر على حساب روح المكان ووظيفته الحضارية.

إن خسارة هذا الخزان الحضري خسارة متعددة الأبعاد، تحرم أجيال المدينة من رصيد تاريخي واجتماعي لا يُعوّض، وتقوّض فرص نهوضها وتؤثر على توجهات مجتمعها.

فهل فات الأوان وقد شُرع في البناء؟ إن جسامة الخسارة تستدعي استنفار أهل الاختصاص، واستدراك ما يمكن استدراكه، ومراجعة مسار الإعمار وبدائله وآليات صنع القرار في الحاضرة، بما تقتضيه طبيعتها من تكامل الاختصاصات والعمل الجماعي، قبل أن تفقد ما تبقى من هذا الخزان الحضري إلى غير رجعة.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


الاخبار العاجلة
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com