شحاذ باريس
عبداللطيف مبارك

كاتب من مصر
في زاويةٍ قاسية من حَيّ “باريس” الشهير بباريس، حيث تتقاطع روائح العرق والبهارات مع صخب المارين، كان الليل قد ألقى بسدوله الثقيلة. كان “مصطفى” يجلس على حافة الرصيف، يلتفّ برداءٍ عتيق لا يقيه زمهرير الشتاء، لكنه يستر ما تبقى من كبرياء رجلٍ هزمته الأيام ولم تهزم عزة نفسه. لم يكن مصطفى شحاذًا بالمعنى التقليدي؛ كان يمدّ كفه ليتلقى من الحياة بقايا عاطفة، ويمارس الشحاذة كطقسٍ فلسفيّ يُعري به قسوة المدن الحديثة.
فجأة، شقّ سكون الزقاق المظلم صوتُ صراخٍ مكتوم، يتبعه اضطرابٌ ووقع أقدام متسارعة. تحركت في دمه جمرة الشهامة والجدعنة المصرية القديمة التي لم تطمرها سنوات الغربة ولا قسوة الأرصفة. نهض بخفةٍ لا تناسب سنه ولا جسده المنهك، متتبعًا الصوت بين الأزقة الضيقة التي تفوح منها رائحة الرطوبة والإهمال.
تحت ضوء مصباحٍ يتأرجح ويكاد ينطفئ، رأى فتاةً فرنسية في مقتبل العمر، تحاصرها أذرع غريبة وجوهها مطفأة المعالم. كانت تحاول الفراق والاستغاثة، بينما يحاول أحدهم شلّ حركتها وتكميم فمها. لم يفكر مصطفى في ضعفه ولا في هراوات الشرطة التي قد تطاله، بل صرخ بصوتٍ جحفليّ هزّ أركان الزقاق المهجور، صوتٍ استمدّه من صخب حارات القاهرة وعنفوان النيل.
اندفع نحوهم ملوحًا بعصاه الخشبية العتيقة التي يتوكأ عليها. ضرب الأرض ضرباتٍ متتالية أحدثت صدىً مروعًا في العتمة، مستغلًا عنصر المفاجأة ورهبة الليل. ظنّ المعتدون أنهم أمام حارسٍ أو مجنونٍ لا يخشى الموت، فتراجعوا خطوة إلى الخلف. وفي تلك اللحظة الفاصلة، صرخ مصطفى باللهجة الفرنسية المكسورة التي يتحدث بها: “ابتعدوا عنها أيها الجبناء!”، واندفع ببسالة بجسده لينزل ضربة قوية على يد أحدهم، مما أجبره على إفلات الفتاة.
استغلت الفتاة الخوف الذي دبّ في نفوسهم وجرأة هذا الرجل العجوز الغريب، فركضت مختبئة خلف ظهره. وقف مصطفى حائلًا بينها وبين المعتدين، بنظراتٍ ملؤها التحدي والشموخ، وكأن جبال الصعيد تقف خلفه. وأمام هذا الصمود غير المتوقع، سارع المعتدون بالفرار في ظلمات الأزقة المتشابكة، مخافة أن يجذب الصخب انتباه المارة أو دوريات الشرطة.
التفت مصطفى إلى الفتاة التي كانت ترتجف كعصفورٍ بلله المطر، يكسوها الخوف والذهول. جثت على ركبتيها وهي تبكي بحرقة. جثا مصطفى بجانبها بأبوةٍ حانية، وأخرج من جيب معطفه الرث وشاحًا قطنيًا نظيفًا كان يحتفظ به، ووضعه على كتفيها المرتعشتين. لم يتكلم؛ كانت نظرات العطف والدفء في عينيه أبلغ من كل لغات الأرض.
سحبت الفتاة من حقيبتها حزمة نقدية كبيرة، ومدت بها يدها إليه بامتنانٍ وشكرٍ دموعُه تسبقه. نظر مصطفى إلى المال، ثم ابتسم بمرارةٍ شفيفة وهزّ رأسه نفيًا. أخرج من جيبه دفتره الصغير وقلمه الجاف، وكتب على ورقةٍ بخطّ عربيّ أصيل ثم أردفها بترجمةٍ فرنسية بسيطة: “الشهامةُ لا تُباع ولا تُشترى، وكبرياءُ الإنسانِ أكبرُ من خزائن الأرض”.
وضعت الفتاة الورقة بين يديها، ونظرت إليه بدهشةٍ وإجلال. مسحت دموعها وقبلت جبين العجوز الباريسيّ الغريب، الذي أنقذ جسدها من الدنس ورقت روحها بعزة نفسه.
غادرت الفتاة الساحة بخطواتٍ آمنة، بينما عاد مصطفى إلى مقعده الخشبي تحت جسر “الميرابو”. استند برأسه إلى الخلف، ونظر إلى مياه نهر السين وهي تتلألأ تحت أضواء باريس الباردة. كان يدرك أنه سيبات الليلة جائعًا، لكن روحه كانت ممتلئة بشبعٍ لا يعرفه أغنياء هذه المدينة.
هل ترغب في إضافة مواقف أخرى تعكس كبرياء “مصطفى” ورحلته في أزقة باريس قبل أن نواصل بناء بقية المحطات؟



















































