سخرية الانتخابات:
بقلم د. مصطفى الغاشي
أستاذ التعليم العالي
جامعة عبد المالك السعدي بتطوان
تقديم، ثمة سؤال يبدو بسيطًا، لكنه في الحقيقة بالغ الدلالة: لماذا تحضر الانتخابات في كل شيء تقريبًا، ولا تحضر في الأدب الساخر؟
انها تحضر في الخطب، والملصقات، والبرامج، والوعود، والمناظرات، والبلاغات، واللافتات، ووسائل التواصل الاجتماعي، بل وتحضر حتى في الأحاديث اليومية التي تبدأ غالبًا بجملة: “سمعتَ ماذا قال المرشح؟”… لكن حين تبحث عن مكان لها في الأدب الساخر، تبدو كأنها تدخل منطقة محرمة. والغريب في الامر، أن الانتخابات، في حد ذاتها، تكاد تكون مادة جاهزة للكاتب الساخر: مرشح يعد بما لا يستطيع، وحزب يكتشف فجأة أن المواطن هو “جوهر العملية السياسية”، وناخب يتلقى عشرات الوعود في أسبوع واحد ثم يكتشف بعد الاقتراع أن ذاكرته السياسية أصبحت أكثر كفاءة من ذاكرة السياسي نفسه! فلماذا لا نكتب عن ذلك؟ يمكن الجزم ان الانتخابات مادة ساخرة بامتياز!!؟
ان السخرية لا تحتاج إلى اختراع المفارقة؛ فيكفي أحيانًا أن تترك الواقع يتحدث. ففي موسم الانتخابات، يتحول السياسي إلى شاعر، والبرنامج الانتخابي إلى ديوان من الأمنيات، والخطاب إلى مصنع لإنتاج المستقبل، والمرشح إلى خبير في اكتشاف حاجات الناس قبل أن يكتشفها الناس أنفسهم. كل شيء يصبح ممكنًا في زمن الحملة الانتخابية!!! فيمكن للطريق أن يُصلح، والمستشفى أن يُبنى، والجامعة أن تتغير، والشغل أن يتضاعف، والأسعار أن تنخفض، والاستثمار أن يرتفع، والعدالة أن تتحقق، والمدينة أن تصبح أجمل، والقرية أن تصبح أكثر ازدهارًا!!! وفي النهاية، يبقى السؤال الساخر:
إذا كان كل شيء ممكنًا في الحملة الانتخابية، فلماذا يصبح الممكن صعبًا جدًا بعد الانتخابات؟ هنا تبدأ مهمة الأدب الساخر.
فالسياسي يقول شيئًا… والكاتب يسمع شيئًا آخر،
فالكاتب الساخر لا يكتفي بنقل الخطاب السياسي؛ بل إنه يضعه أمام مرآة. فالسياسي يقول: “سنحقق الإقلاع التنموي”. فيجيبه الكاتب: جميل، ولكن هل أقلعتم عن الوعود القديمة؟ السياسي يقول: “سنستمع إلى المواطن”. فيقول الكاتب: رائع، وهل توجد سماعات خاصة بالمواطن أم أن الاستماع ينتهي بمجرد إغلاق صناديق الاقتراع؟ السياسي يقول: “الشباب هم المستقبل”. فيرد الساخر: إذا كانوا المستقبل فعلًا، فلماذا لا يجدون مكانًا في الحاضر؟
فهذه ليست سخرية من السياسة باعتبارها شأنًا تافهًا، بل سخرية من المسافة بين القول والفعل. وهذه المسافة هي أحد أهم مصادر الأدب الساخر. فلماذا يخاف الأدب اذن من الانتخابات؟ ربما لأن الانتخابات ليست مجرد موضوع أدبي؛ إنها موضوع حساس اجتماعيًا وسياسيًا.
فالكاتب قد يخشى أن تتحول سخريته إلى خصومة شخصية، أو أن يُفهم نقده باعتباره انحيازًا إلى حزب ضد آخر، أو أن يصبح النص نفسه جزءًا من المعركة الانتخابية. لكن المشكلة تبدأ عندما يصبح الخوف من إساءة الفهم سببًا في التخلي عن وظيفة الأدب. فالأدب الساخر لا ينبغي أن يكون منشورًا انتخابيًا لحزب، ولا منشورًا مضادًا لحزب، بل ان وظيفته أعمق من ذلك.
إنه يسائل الجميع: ماذا نفعل بالسلطة حين نحصل عليها؟.وماذا نفعل بالوعود حين تنتهي الحملة؟ وماذا يفعل المواطن حين يكتشف أن اللغة الانتخابية كانت أكثر سخاءً من الواقع؟
– الانتخابات التي تحتاج إلى ضحكة، ربما نحتاج إلى السخرية لأن الانتخابات جدية بشكل مبالغ فيه. وكل مرشح يظهر في صورة تبدو وكأن التاريخ ينتظر وصوله.
وكل خطاب يبدأ من “المستقبل”، وكل برنامج يَعِد بـ”التحول”، وكل حزب يكتشف عشية الانتخابات أن لديه مفتاحًا سحريًا لمشكلات ظلت قائمة لسنوات طويلة.
أما المواطن، فيجلس أمام هذا العرض السياسي الكبير، ويقول في داخله: “غريب! أين كنتم طوال هذه السنوات؟” وهنا يولد الضحك. ليس الضحك من المواطن، وإنما من المفارقة. فالسياسي الذي يكتشف المواطن قبل الانتخابات، والمواطن الذي يكتشف السياسي أثناء الانتخابات، كلاهما شخصيتان تصلحان لرواية ساخرة. فالحملة الانتخابية هي مسرح كبير، ويمكن النظر إلى الانتخابات باعتبارها مسرحًا.
فهناك خشبة، وجمهور، وممثلون، ونصوص، وديكور، وموسيقى، وتصفيق!!! لكن الفرق الأساسي أن الجمهور هذه المرة لا يكتفي بالتصفيق؛ إنه يملك ورقة صغيرة يمكن أن تغير نهاية العرض.
ان الانتخابات ليست مجرد مسرح للخطاب، وإنما امتحان للذاكرة السياسية. ولذلك ينبغي للأدب الساخر أن يطرح سؤالًا مباشرا، هل يتذكر الناخب ما قيل له في الانتخابات السابقة؟ وهل يتذكر السياسي ما وعد به الناخب؟ أم أن كليهما يعاني، بطريقة مختلفة، من مرض سياسي اسمه فقدان الذاكرة الانتخابية؟
– من اقتصاد الوعود إلى اقتصاد السخرية، لقد أصبحت الوعود الانتخابية في كثير من الأحيان نوعًا من الاقتصاد السياسي، فكلما ارتفع سقف الوعد، ارتفع سقف التوقع، وكلما ارتفع التوقع، أصبح السياسي مطالبًا بتفسير الفارق بين ما قاله وما تحقق. ومن هنا يأتي الأدب الساخر ليقوم بدور “المحاسب الرمزي”. لا يملك ميزانية، ولا يملك سلطة، ولا يملك أغلبية برلمانية، لكنه يملك شيئًا أخطر، انه السؤال، والسؤال الساخر قادر على تفكيك خطاب كامل بجملة واحدة. فقد يقول الكاتب: “في الانتخابات لا يكذب السياسي؛ إنه فقط يستبق الواقع بخيال واسع.” وقد يقول: “البرنامج الانتخابي هو الوثيقة الوحيدة التي تستطيع أن تكون كاملة قبل أن يبدأ تنفيذها. “وقد يقول: “السياسي لا ينسى وعوده؛ هو فقط يعيد ترتيبها في الذاكرة.”
فهذه الجمل ليست أحكامًا على شخص بعينه، بل أدوات أدبية لكشف المفارقة.
– لماذا لا نسخر من الانتخابات نفسها؟ ربما لأننا اعتدنا أن نتعامل مع الانتخابات باعتبارها مناسبة سياسية لا باعتبارها ظاهرة اجتماعية وثقافية. لكن الانتخابات تستحق أن تدخل الرواية والقصة والمسرح والكاريكاتير والمقال الساخر، ففيها شخصيات، وفيها مفارقات، وفيها أحلام، وفيها مصالح، وفيها خوف، وفيها طموح، وفيها ذاكرة، وفيها نسيان. وفيها ذلك المواطن الذي ينتقل في أيام قليلة من كونه “صاحب القرار” إلى كونه مجرد متفرج على القرار. وهذا كله مادة أدبية بامتياز.
-السخرية ليست ضد الديمقراطية، فالسخرية من الانتخابات لا تعني السخرية من الديمقراطية. والسخرية من السياسي لا تعني السخرية من السياسة. والسخرية من الخطاب الانتخابي لا تعني السخرية من حق المواطن في الاختيار. وعلى العكس، يمكن للأدب الساخر أن يكون أحد أشكال اليقظة الديمقراطية.
فالمجتمع الذي يستطيع أن يضحك من سياسييه، ومن خطبه، ومن تناقضاته، ومن مبالغاته، ومن أخطائه، هو مجتمع يمتلك مسافة نقدية تجاه السلطة.
أما حين تصبح السياسة منطقة لا يجوز الاقتراب منها بالسؤال أو النقد أو السخرية، فإن المشكلة لا تكون في الأدب وحده، وإنما في المجال العمومي نفسه.
وربما نحن بحاجة إلى “موسم السخرية الانتخابية” لماذا لا يكون لكل انتخابات موسمها الأدبي؟ ولماذا لا تظهر إلى جانب البرامج الانتخابية برامج ساخرة؟ ولماذا لا يكتب الأدباء عن المرشح الخارق الذي يستطيع حل كل شيء؟ ولماذا لا تُروى حكاية المواطن الذي استمع إلى عشرين خطابًا انتخابيًا فأصبح يحتاج إلى برنامج انتخابي كي يتذكر البرامج السابقة؟ ولماذا لا يظهر في المسرح ذلك السياسي الذي يدخل الحملة الانتخابية وهو يحمل دفترًا مليئًا بالوعود، ثم يخرج منها وهو يبحث عن دفتر آخر لتدوين الأعذار؟
إنها ليست دعوة إلى السخرية من الأشخاص، وإنما إلى تحويل المفارقات السياسية والاجتماعية إلى مادة ثقافية.
في الختام، حين يصبح الواقع أكثر سخرية من الأدب،
ان مشكلتنا، ربما تكمن في أن الواقع الانتخابي نفسه أصبح، في بعض مظاهره، أكثر قدرة على إنتاج السخرية من الكاتب. فالكاتب الساخر يستطيع أن يخترع شخصية سياسية خيالية تعد الناس بكل شيء. لكن الواقع قد يقدم له مرشحًا يفعل ذلك فعلًا. ويستطيع الكاتب أن يخلق حزبًا يتحدث بلغة متناقضة. لكن الواقع السياسي قد يقدم له خطابًا أكثر تناقضًا من الخيال. ويستطيع أن يكتب عن مواطن يصدق الوعود مرة بعد أخرى. لكن الواقع يمنحه أحيانًا مواطنًا وسياسيًا يتبادلان النسيان نفسه. ولهذا ربما هنا يكون السؤال الحقيقي هو، متى يجرؤ الأدب الساخر على دخول الانتخابات، لا ليصوت لهذا أو ذاك، وإنما ليضع المرآة أمام الجميع؟ فالانتخابات تحتاج إلى البرامج، وتحتاج إلى النقاش. وتحتاج إلى النقد. لكنها تحتاج أيضًا إلى شيء آخر؛ أن نضحك أحيانًا من أنفسنا، قبل أن نطلب من الآخرين أن يأخذوا وعودنا على محمل الجد. والسلام.
مقال خاص لصحيفة قريش – لندن



















































