حين يصبح العمر وديعة.. مَن يحرس أموال العراقيين؟

7 سبتمبر 2026
حين يصبح العمر وديعة.. مَن يحرس أموال العراقيين؟

فاروق الدباغ 

مصرف “الطيف” ليس القضية وحده.. القضية ماذا يحدث للثقة حين يخاف العراقي من المكان الذي أودع فيه أمانه

ليس كل من يضع ماله في المصرف ثرياً.

قد يكون رجلاً باع بيته القديم ووضع ثمنه في البنك أياماً أو أسابيع، ريثما يجد بيتاً آخر. وقد تكون امرأة ادخرت تعويض نهاية خدمتها، أو أباً جمع على مدى ثلاثين عاماً ما تبقى من راتبه بعد مصاريف البيت والمدارس والمرض، أو مغترباً أرسل حصيلة سنوات من الغربة معتقداً أن البنك هو المكان الأخير الذي ينبغي أن يخاف فيه على ماله.

لهؤلاء لا تعني كلمة «وديعة» رقماً في كشف حساب.

إنها سنوات من العمر تحولت إلى أرقام.

ولهذا، عندما يسمع العراقي أن مصرفاً وُضع تحت الوصاية بسبب «مخالفات جسيمة أثرت على مركزه المالي وأموال المودعين»، فإنه لا يسأل أولاً عن مواد قانون المصارف ولا عن نسب السيولة وكفاية رأس المال.

يسأل سؤالاً إنسانياً بسيطاً:

هل أستطيع أن آخذ مالي حين أحتاج إليه؟

ما جرى في مصرف الطيف الإسلامي يستحق أن يُقرأ من هذه الزاوية.

فالبنك المركزي العراقي لم يعلن إفلاس المصرف، وإنما فرض عليه الوصاية لمدة 18 شهراً، مؤكداً أن الوصاية إجراء إصلاحي وأن أموال المودعين محمية ضمن النظام المصرفي وضمان الودائع.

وهذا توضيح مهم حتى لا يتحول القلق إلى ذعر.

لكن للثقة حسابات أخرى.

الثقة لا تقاس فقط بما تقوله البيانات، بل بما يشعر به الرجل الذي وضع ثمن بيته في البنك ثم وجد نفسه يسأل متى يستطيع الوصول إلى ماله.

هذا الرجل لم يضارب، ولم يشتر أسهماً، ولم يبحث عن ربح سريع. فعل تحديداً ما تطلبه الدولة الحديثة من مواطنيها: لا تخبئ أموالك في المنزل، ضعها في المصرف وثق بالنظام.

فماذا نقول له عندما تبدأ الطمأنينة بالتصدع؟

إن السيولة في الجهاز المصرفي جيدة؟

إن الوصاية ليست إفلاساً؟

كل ذلك مهم، لكنه يريد جواباً عن ماله هو، لا عن مليارات النظام المصرفي.

العراق يحاول منذ سنوات إخراج الناس من ثقافة النقد المخزن في البيوت إلى ثقافة الحساب المصرفي والدفع الإلكتروني، لكن بناء الثقة أصعب بكثير من فتح الحسابات.

فالإنسان الذي عاش الحروب والحصار وتبدل قيمة النقود وانهيار مؤسسات لا يحتاج إلى محاضرة طويلة كي يخاف على مدخراته. ذاكرته الاقتصادية أقوى من أي إعلان مصرفي.

وإذا كان صاحب المال الكبير لا يشعر بالأمان الكامل، فماذا يفعل الموظف الذي لا يملك غير مكافأة نهاية خدمته؟

والأرملة التي أودعت إرث أطفالها؟

والمغترب الذي جمع سنوات غربته؟

هؤلاء لا يملكون محافظ استثمارية يوزعون عليها الخسائر.

لديهم حياة واحدة، ومدخرات واحدة.

وهنا ينتقل السؤال من الخوف إلى المسؤولية.

إذا كانت هناك، بحسب البنك المركزي، مخالفات جسيمة أثرت في المركز المالي للمصرف وأموال المودعين، فمن ارتكبها؟

ومن كان يعرف بها؟

ومتى عرف البنك المركزي؟

وماذا فعل مجلس الإدارة؟

وهل اتُخذت إجراءات احترازية بحق كبار المساهمين وأعضاء الإدارة ممن يملكون النفوذ والقدرة على تحريك الأموال، كما وجد المودع العادي نفسه عملياً خاضعاً لنتائج الأزمة؟

وهل كانت هناك تحويلات أو قروض أو سحوبات كبيرة سبقت فرض الوصاية؟

هذه ليست اتهامات، ولا ينبغي أن تتحول الأزمة إلى محكمة شائعات.

لكن الشفافية هنا ليست ترفاً.

لا يجوز أن يكون المودع أول من يشعر بالعقوبة وآخر من يعرف الحقيقة.

فالذي سلّم ماله للمصرف لم يجلس في اجتماعات مجلس الإدارة، ولم يقرر لمن تُمنح القروض، ولم يوقع التحويلات، ولم يرسم السياسات المالية.

لقد فعل شيئاً واحداً فقط:

وثق.

ولهذا تحضر التجربة اللبنانية في الذاكرة، لا بوصفها قدراً ينتظر العراق، بل بوصفها درساً قاسياً في كيفية انتقال المشكلة من مصرف أو مجموعة مؤسسات إلى شيء أخطر بكثير: عدوى الثقة.

فالأنظمة المصرفية لا تنهار دائماً في لحظة واحدة.

تبدأ أحياناً حين يصبح السؤال الفردي جماعياً:

هل أترك مالي في البنك؟

ثم ينتقل الخوف من مصرف إلى آخر، ومن خبر إلى شائعة، ومن شائعة إلى سحب جماعي.

وهنا يصبح الخطر نفسياً ومالياً في آن واحد.

أفضل طريقة لمنع أي تشابه مع لبنان ليست نفي المقارنة بالكلمات، بل قتل أسبابها بالشفافية.

قولوا للناس ماذا حدث.

قولوا لهم حجم المشكلة.

قولوا لهم من يتحمل المسؤولية.

والأهم:

قولوا للمودع متى يحصل على ماله وكيف.

البنك المركزي لا يحمي المصارف فقط.

وظيفته الأعمق أن يحمي الثقة بالنظام كله.

لأن تعثر مصرف مشكلة مالية، أما تعثر الثقة بالمصارف فهو مشكلة دولة.

عندما يفقد المواطن ثقته بالبنك يعيد ماله إلى الخزانة الحديدية، وإلى درج غرفة النوم، وربما إلى الدولار والذهب والعقار. وعندها تستطيع الدولة أن تتحدث سنوات عن الشمول المالي والدفع الإلكتروني، لكن المواطن سيظل يقول لها:

أعيدي إليّ الثقة أولاً، ثم خذي أموالي إلى المصارف.

قضية مصرف الطيف يمكن أن تنتهي بصورة جيدة. قد تنجح الوصاية، وتُحفظ الحقوق، ويستعيد المودعون أموالهم.

وهذا ما ينبغي أن نتمناه.

لكن النجاح لن يقاس بعدد البيانات الصادرة، بل بشيء أبسط:

هل يعرف المودع أين يقف؟

هل يعرف متى يستعيد ماله؟

وهل يعرف أن من تسبب بالمشكلة، إن ثبتت مسؤوليته، لن يكون أكثر أماناً من صاحب الوديعة الذي لم يفعل سوى أنه وثق بالمصرف؟

فالمال الذي يودعه الإنسان في البنك ليس أوراقاً نقدية فقط.

قد يكون بيتاً لم يُشترَ بعد.

أو زواج ابنة.

أو جامعة ابن.

أو علاجاً لمرض.

أو شيخوخة أراد صاحبها ألا يمد فيها يده إلى أحد.

إنه جزء من المستقبل وضعه صاحبه أمانة في يد مؤسسة.

وحين يخاف الناس على هذه الأمانة، لا يكفي أن نقول لهم إن المصرف تحت الوصاية.

بل عليهم أن يعرفوا أيضاً:

من كان تحت الرقابة حين ضاعت الطمأنينة؟

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


الاخبار العاجلة
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com