سجن الذاكرة وسجن الواقع في رواية سجين أبي

7 سبتمبر 2026
سجن الذاكرة وسجن الواقع في رواية سجين أبي

في رواية ” سجين أبي” لنعمى  شاكر

ـ الحبيب الدائم ربي

         قد تسمح النصوص الإبداعية بقراءات متعددة، تتعاورها المناهج والمصطلحات، من دون أن  يعني ذلك أن هذه النصوص قد تقبل أي قراءة كانت، سيما وأن المقاربات مطوقة بحدود وقيود لا يمكن تجاوزها إلا من باب الاعتساف والشطط. تأسيسا على هذا المبدأ نرى أن رواية  “سجين أبي” للكاتبة المغربية، المغتربة بأمريكا، نعمى شاكر تمنح قارئها إمكانية  العبور إلى عوالمها  عبر مجموعة  من المداخل، البنيوية والتيمية،   لعل أولها عتبة العنوان، في صيغتها الملتبسة، والتي لن ينقشع غموضها إلا بعد قطع أربع وثمانين ومائة صفحة من القطع المتوسط، وهو مجموع الفضاء  المتني. في رحلة مليئة بالإثارة والتشويق. وعلى أهمية هذا المنفذ الميتانصي، والإهداء ” إلى عشاق الحرية، وسجناء الروح…المحاطين بأسوار العادات وأشواك التقاليد” (ص. 5). فإن  في المقدمة، وهي عتبة ميتاسردية تؤطر “أسباب النزول” المتحكمة في تخلق النص، وحيثيات انبثاقه من القوة إلى الفعل، ما يساعد على قراءة منهجية ممكنة . ذلك أنها تفشي سياقا خاصا بحيثيات الكتابة و”أسباب النزول”  كان النص خلالها  موجودا ومعدوما في آن، مادام وجوده ظل شبه افتراضي لكونه كان مخزنا في  ذاكرة الحاسوب، منذ ثلاث سنوات، ولم يكن في الوارد أن يرى النور، في كتاب مرقوم، لولا “رسائل القدر” (ص.7).

ولأن الكاتبة كانت لا تجد فيه ما يرضي  “أقصى ممكناتها الإبداعية” فقد ترددت في جعله متاحا للقراء. أما حين اختفى هذا النص “بضغطة زر خاطئة على جهاز الكمبيوتر” فقد صُدِمت بمسحه، وصار يتبدى لها مكتملا هو المفتقر إلى الكمال. وبعد محاولات فاشلة لاستعادته، أقسمت، في شبه نذر، إن هي استعادته ستنشره على علاته. وهكذا كان. بيْد أن ولوج الرواية من هذه النوافذ وحدها من شأنه أن  يفضي إلى قراءة اختزالية و متعالية، خاصة و أن واقع النص يشهد على انسيابية لا تجنح إلى افتعالات ميتاحكائية، أو تعقيدات تكوينية من شأنها إرباك عملية التلقي.  فماعدا التناوب والتجاور الذي يتخلل المقاطع السردية وما عدا التوارد الحر وأصداء الذاكرة المستعادة، من استباق واسترجاع،   فإن  الحكي يمضي متدفقا  بلا قيود شكلية مفارقة.

لهذا فلربما قد لا يفضي التركيز على انبناء النص، على أهميته، إلى القبض عن فحواه. صحيح أن للعنوان ّ سجين أبي” دلالته المحايثة ولأسماء الشخوص( أمين، وليد، أحلام، غيثة، مصطفى، إبراهيم، ليلى، بتول، العربي…) ما يقدم مفترضات لها وجاهتها. إلا أن الاكتفاء بها قد يغفل عن جوهر هذا المتن الحابل بالقضايا الإشكالية، ذات الصلة بمساءلة الشرط الإنساني حين يوضع  الكائن  أمام حتميتين متضافرتين، حتمية النشأة وحتمية المصادفة، ليغدو الفرد رهين مفارقة لا يملك من أمرها شيئاً. هو ذا “سجن العمر”.   و السجن  بهذا المعنى ليس  حيزا مكانيا  بأبعاد هندسية معلومة، وإنما هو استعارة  لسلطة أبوية يُراد لها أن تستوطن بنية الوعي قبل أن تكبل  الجسد. 

         ولتفكيك هذه البنية اختارت الكاتبة جعل “دار المسنين”، بما هي كرونوتوب(فضاء عتبة)، من سماته التوتر والدهشة، لتسريد حكاية السيد  أمين، بطل الرواية، بحيث جعلته في مواجهة ذاته، في جلسة استماع لطبيبه النفسي الدكتور وليد. وخلال عملية البوح سيتدفق التداعي الحر بما تختزنه ذات ” المجرم التائب” أمين،  من جروح  نفسية غائرة، فمن تربية قاسية(في كنف أب متسلط) وموغلة في الانغلاق، إلى التمرد والعصيان، ثم ارتكاب جريمة قتل، فالسجن، فمستشفى المجانين إلى “دار العجزة”،  كملاذٍ أخير بعدما لم يَعُد لديه ملاذ. فالأب الفقيه إدريس والأم مباركة ماتا وهُمَا  غاضبان عنه لأنه خرج عن طوعهما، برفض الإمامة بالناس في المسجد كما أمرَ الوالد، وكما صادقت الأم الخانعة على ذلك، بل وخرج عن الملة والدين، والأخوات الثلاث( مريم و حنان وهند ) تزوجن، ضمن ترتيبات خارج إراداتهن، وفي قلوبهن غصة “عبث الأقدار”. وفي موازاة مع الاسترجاع   ستتبدى أيضا، و بالتدريج، السيرة الغامضة، والتي لا تقل إثارة،  للطبيب النفسي الدكتور وليد المنحدر من أسرة شديدة التفتح فـ” الأب عم حسن كان يشتغل في تجارة الملابس النسائية….يقضي ليله في شرب الخمر.” كل ليلة سبت (ص.18)، والأم شيخة” تغني في الأعراس والحفلات للرجال والنساء”(ص.19). لهما ابنان(مصطفى  وليلى  مدللان،  وهي ذات الأسرة التي شكلت مثالا للسيد أمين في طفولته، وكانت شاهدة على فترة مراهقته وتمرده. ولربما هي سبب ما آل إليه من تيه وضياع.

ولكي تظل المكاشفة بين السيد أمين والطبيب النفسي صريحة، فقد اقتضى البرنامج السردي  حجب “الحقيقة الغائبة” بين الطرفين، في مفارقة درامية،  في مقابل السماح لـ”السارد من خلف” و للمتلقي،  بالمعرفة الكاملة ، فيما ظل الطرفان الأساسيان  داخل النص أسيرين لجهلهما المتبادل بمن يكونان إزاء بعضهما. 

وتتجلى المفارقة، والحال هذه، في تحول سيرة ” السيد أمين” إلى مادة بحثية، يشتغل عليها الدكتور وليد، في أطروحة جامعية بفرنسا، دون أن يدري أنه، باعتباره باحثا، من جهة، والمبحوث (أي السيد أمين) يتقاسمان الجذر التربيعي ذاته ، لكونهما يشتركان في الرابطة  نفسها التي طمرتها الأيام والأقدار. هذا التقاطع بين الذات الباحثة والذات موضوع البحث يفتح النص على سؤال معرفي أوسع يخص حدود قدرة الإنسان على الإحاطة بحقيقته الخاصة، حتى حين يظن أنه يدرس غيره.

وتبلغ الحبكة أوجها حين تقرأ السيدة ليلى والدة الدكتور وليد، بدافع الفضول، التقارير الطبية، موضوع بحث ابنها، فيتكشف لها أن السيد أمين، نزيل دار المسنين ، هو نفسه عشيقها السابق، و الوالد السري لابنها الدكتور وليد، من لحظة نزوية، وفوق ذلك قاتل أخيها، دون قصد، في جلسة خمرية. هذا الاكتشاف يعيد خلط الأوراق، في زوبعة ذهنية، بعد فترة من الهدوء الظاهري، ويضع السيدة  ليلى أمام مشاعر متضاربة بين الرغبة في  مواجهة اللحظة الراهنة، من جهة،  وقرار الطي النهائي لصفحة الماضي، من جهة أخرى.  وبزيارتها السرية للمهجع، حيث يقيم السيد وليد، ستخبره بما لم له به علم، قائلة:” أخفيت عليك سرا يا أمين… لقد ترتب عن تلك اللحظات التي جمعتنا روح ربطت بيننا إلى الأبد… لقد كنت حاملا منك عندما دخلتَ  السجن، ولم أجرؤ على إخبار أمي… إلى أن ظهر خالد المنقذ في حياتي، فحفظ سري وكتب ابني باسمه.” ( ص.177)، وهي بهذه الخطوة الجريئة   لم تكن تسعى  إلى استئناف علاقة قديمة، لقد فعلت ذلك لإغلاق دائرة جرح ظل مفتوحا لعقود.

لقد كانت المواجهة مشحونة بالمشاعر المتناقضة، التي طغى فيها التسامح على اللوم والعتاب. فكلا الطرفين كانا ضحية سياقات وأقدار قاهرة. وكلاهما تقاسما تاريخا يتقاطع  وينفصم في شخص الدكتور وليد وهو لا يعلم.

وهنا سينغلق قوس الحكاية بسفر الدكتور وليد ووالدته السيدة ليلى إلى فرنسا، حيث يقيمان وحيث سيظل السر بين السيد أمين والسيدة ليلى، والقارئ بكل تأكيد.

والواقع أن الرواية تحمل نفسا تراجيدبا، بالنظر إلى كون أبطالها يجدون أنفسهم في مواجهة فواعل أقوى منهم، تتحكم في مصائرهم. وهم إزاءها سجناء، أو قيد السجن. فكما أن السيد أمين كان في طفولته “سجين أبيه” الذي  وسيعاني من هذا السجن بتمرده عليه، فإن باقي شخصيات الرواية  هي أيضا “قيد السجن”، سواء كان أباً أو ذاكرة موشومة بالإكراهات. والمهجع نفسه، رغم ما يوفره للنزلاء من حس إنساني وخدماتـ،  هو سجن بهذا المعنى. من ثم يمكننا أن نستنتج بأن الأطروحة المركزية للرواية، فضلا عما تضمره من إشكاليات فلسفية و نفسية، لا تقوم بمقايسة تفاضلية، بين الانغلاق والانفتاح، في الفعل التربوي والأسري، فكلاهما قد يوقع في أعطاب حتمية.

وما ينماز به أسلوب نعمى شاكر  هو قدرتها على تفكيك البنى الاجتماعية المحافظة دون الانزلاق إلى الخطابية المباشرة أو الشعارات الجاهزة. فاللغة السردية، في تلويناتها،  التي اعتمدتها حاولت سبر التحولات النفسية للشخصيات من الداخل، بعيداً عن أي إسقاط مسبق يُملى على القارئ. ولعل الرحيل النهائي للأم وابنها إلى فرنسا، عقب اللقاء المصيري، هو خير تعبير عن هذا الاقتراح الفني: فالرواية لم تمنح القارئ حلاً مغلقاً، وإنما تركت الحكاية معلّقة ، تاركة أثر التراجيديا حاضراً دون افتعال .

إن الكاتبة نعمى شاكر بقدرما تعزز رصيدها الإبداعي فإنها تطور ممكناتها الفنية، ولا شك أنها   في رواية “سجين أبي”  تواصل ما أنجزته في باكورتها الروائية” صابرين” في نموذج  روائي  يوازن بين الشرط الفني والهاجس الأطروحي حالا بحال.

ـ سجين أبي، نعمى شاكر،اسكرايب للنشر والتوزيع، 2026.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


الاخبار العاجلة
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com