هل تختبر واشنطن حصار إيران من بوابة بغداد؟

26 أغسطس 2026
هل تختبر واشنطن حصار إيران من بوابة بغداد؟

فاروق الدباغ

لم تعد الحروب الاقتصادية تبدأ بإغلاق الحدود أو منع السفن من دخول الموانئ. أحياناً تكفي إشارة من واشنطن إلى النظام المالي العالمي حتى تبدأ العواصم بإعادة حساباتها.

والعراق، أكثر من غيره في المنطقة، يقف اليوم أمام هذه المعادلة الصعبة: علاقات اقتصادية وجغرافية وسياسية عميقة مع إيران، في مقابل ارتباط مالي بالدولار وبالنظام المصرفي الأمريكي يصعب على بغداد تجاهله.

تحليل نشرته وكالة رويترز في 25 أغسطس/آب 2026 طرح سؤالاً بالغ الأهمية: هل يمكن أن يصبح العراق نموذجاً للطريقة التي تستطيع بها الولايات المتحدة الضغط على شركاء إيران التجاريين، ليس بمنعهم بالقوة من التعامل مع طهران، بل بجعل ثمن هذا التعامل هو المخاطرة بالوصول إلى النظام المالي القائم على الدولار؟

السؤال لم يعد نظرياً.

ففي 24 أغسطس أعلنت وزارة الخزانة الأمريكية إطلاق حملة جديدة تحت اسم Operation Economic Outcast، وقال وزير الخزانة سكوت بيسنت إن واشنطن تريد قطع الروابط الاقتصادية والمالية التي تسمح لإيران بالوصول إلى الأسواق العالمية. وأكدت الوزارة أن الدول والكيانات التي تستمر في تسهيل التعاملات الإيرانية يمكن أن تواجه مخاطر عقوبات ثانوية أو فقدان الوصول إلى النظام المالي الأمريكي.

هنا يظهر العراق باعتباره الحالة الأكثر حساسية.

فبحسب رويترز، تتجاوز قيمة الاحتياطيات العراقية الموجودة في الولايات المتحدة 100 مليار دولار، كما تعتمد آلية وصول العراق إلى عائداته النفطية بالدولار على ترتيبات مالية مرتبطة ببنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك. وفي الوقت ذاته، تجاوز حجم التجارة العراقية مع إيران عشرة مليارات دولار خلال عام 2025، فيما تقدر المدفوعات المرتبطة بالطاقة الإيرانية بنحو أربعة إلى خمسة مليارات دولار سنوياً.

هذه الأرقام تكشف مأزقاً يتجاوز قضية العقوبات.

العراق ليس مجرد جار لإيران ولا مجرد شريك للولايات المتحدة. إنه اقتصاد يقف عند نقطة التقاء نظامين: شبكة اقتصادية إقليمية مرتبطة بإيران من جهة، ونظام مالي دولي تتحكم الولايات المتحدة في أهم بواباته من جهة أخرى.

ولهذا قد تكون بغداد اليوم أمام اختبار سيادة من نوع مختلف.

فالسيادة في القرن الحادي والعشرين لا تقاس فقط بالحدود والجيوش، بل أيضاً بقدرة الدولة على تحريك أموالها، وتمويل تجارتها، والوصول إلى عملة التسوية الدولية التي تحتاجها لتشغيل اقتصادها.

وقد عرف العراق هذه الحقيقة سابقاً. الولايات المتحدة فرضت خلال السنوات الماضية قيوداً على مصارف عراقية للاشتباه باستخدامها في تحويل الدولار إلى إيران، كما استهدفت وزارة الخزانة شبكات وشخصيات مصرفية عراقية قالت إنها قدمت خدمات مالية للحرس الثوري وفصائل مرتبطة بطهران.

لكن التطور الجديد أكثر اتساعاً.

واشنطن لا تتحدث هذه المرة عن مصرف أو وسيط مالي فقط، بل عن استراتيجية تهدف إلى الضغط على البيئة الاقتصادية المحيطة بإيران. وإذا تحولت التحذيرات الأمريكية إلى عقوبات ثانوية واسعة، فإن السؤال سيصبح: كيف تستطيع بغداد المحافظة على علاقاتها الاقتصادية الضرورية مع جار يبلغ طول حدودها معه أكثر من ألف كيلومتر، من دون أن تعرض نظامها المصرفي وعلاقاتها المالية الدولية للخطر؟

المفارقة أن الولايات المتحدة لا تحتاج بالضرورة إلى فرض حصار مباشر على العراق لتحقيق تأثير كبير.

يكفي أن تشعر المصارف والشركات والمستثمرون بأن أي تعامل معين يمكن أن يهدد وصولهم إلى الدولار، حتى يبدأ ما يمكن تسميته بالعقوبات الذاتية: أي أن تتجنب المؤسسات المعاملات الإيرانية خوفاً من العقوبات قبل أن تصلها العقوبة نفسها.

وهنا تكمن قوة الدولار السياسية.

لكن استخدام هذا النفوذ ليس بلا مخاطر على واشنطن أيضاً. فالمبالغة في استخدام النظام المالي كسلاح قد تدفع دولاً أخرى إلى البحث بصورة أسرع عن بدائل للدولار أو أنظمة دفع بعيدة عن المؤسسات الأمريكية. لذلك تبدو السياسة الأمريكية أمام معادلة دقيقة: الضغط بقوة كافية لعزل إيران، ولكن من دون دفع شركائها التجاريين إلى التمرد على النظام المالي نفسه.

أما بالنسبة للعراق، فالمشكلة أكبر من الاختيار بين واشنطن وطهران.

السؤال الحقيقي هو: هل يستطيع العراق بناء نظام مالي ومصرفي يجعل علاقاته الخارجية خاضعة لمصالح الدولة العراقية، لا لمعادلة الخوف من العقوبات الأمريكية ولا لضغط النفوذ الإيراني؟

ربما لهذا السبب لا ينبغي النظر إلى ما يجري باعتباره فصلاً جديداً من الصراع الأمريكي الإيراني فقط.

إنه اختبار لقدرة العراق على تحويل موارده النفطية واحتياطياته المالية الهائلة إلى استقلال في القرار الاقتصادي.

فالدولة التي تنتج النفط لكنها لا تستطيع التحكم بحرية كاملة بمسارات أموالها، قد تكتشف أن أخطر حدودها ليست تلك المرسومة على الخريطة.

بل تلك التي يرسمها النظام المالي العالمي.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


الاخبار العاجلة
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com