من الحركية البشرية إلى حرب المعلومات

24 أغسطس 2026
من الحركية البشرية إلى حرب المعلومات


«سبتة 2026 وإعادة تعريف الهجرة غير النظامية: من الحركية البشرية إلى حرب المعلومات»

بقلم د. مصطفى الغاشي 

كاتب مغربي في التاريخ والفكر السياسي والعلاقات الدولية

مقدمة

لطالما عولجت الهجرة غير النظامية باعتبارها ظاهرة مرتبطة أساساً بالفقر والبطالة والفوارق الاقتصادية والاجتماعية، وبشبكات تهريب البشر، وبصعوبة مراقبة الحدود. وكان التفسير السائد دائما يقوم على وجود مهاجر يقرر الرحيل، وشبكة تساعده على الوصول، وحدود تحاول الدولة حمايتها. غير أن التطورات التي عرفتها سبتة خلال صيف 2026 تفرض إعادة النظر في هذا التصور وهذا التفسير. 

فما حدث يومي 30 و31 تموز/ يوليوز، لم يكن مجرد موجة تقليدية من الهجرة غير النظامية. فلقد كشفت الأحداث عن قدرة الفضاء الرقمي على تحويل معلومة أو شائعة أو مقطع فيديو إلى عنصر من عناصر التعبئة الجماعية، وعن انتقال الهجرة من فعل فردي أو شبكي محدود إلى ظاهرة يمكن أن تتخذ في ساعات قليلة شكل حركة جماعية باتجاه الحدود.

وقد أقرت السلطات الإسبانية نفسها بأن شبكات الاتجار بالبشر استغلت تفسيراً قضائياً جديداً لتشجيع تدفقات المهاجرين، بينما تحدثت السلطات الإسبانية لاحقاً عن الحاجة إلى مواجهة التضليل الرقمي. ومن هنا يطرح سؤال مركزي: هل نحن أمام تحول في مفهوم الهجرة غير النظامية من كونها حركة بشرية غير قانونية إلى كونها ظاهرة هجينة تتداخل فيها الهجرة مع الفضاء الرقمي، والتضليل، والاتجار بالبشر، والأمن الحدودي، وحروب المعلومات؟

أولاً: من الهجرة التقليدية إلى الهجرة الشبكية، ان النموذج التقليدي للهجرة غير النظامية يمكن اختصاره في المعادلة الآتية: دوافع اقتصادية واجتماعية، قرار فردي، وسيط/مهرب، وسيلة نقل، عبور للحدود.

أما النموذج الذي تكشف عنه سبتة 2026، فيبدو انه أكثر تعقيداً: فهناك دوافع اجتماعية واقتصادية، معلومة رقمية، شبكة تواصل، تعبئة جماعية، تحديد موعد ومكان محاولة عبور.

ومن هنا لا يعتبر الهاتف المحمول مجرد وسيلة للتواصل. بل يصبح جزءاً من بنية الهجرة نفسها. فالرسالة الرقمية قد تؤدي وظيفة كانت تؤديها في السابق شبكة المهربين: تحديد مكان التجمع؛ تحديد موعد التحرك؛ نشر معلومات عن وضع الحدود؛ تقديم تأويل قانوني معين؛ إقناع الأفراد بأن فرصة العبور أصبحت متاحة؛ وإعادة نشر مقاطع لأشخاص نجحوا في الوصول. وهذا ما يجعلنا أمام مفهوم يمكن تسميته: “الهجرة غير النظامية الشبكية الرقمية”.

ثانياً: من «المهرب» إلى «المُعبِّئ الرقمي»، ان أحد أهم التحولات التي تكشفها احداث سبتة هو تغير صورة الفاعل. في السابق كان المهرب فاعلاً واضحاً نسبياً: شخص أو شبكة تنظم النقل والعبور مقابل المال. أما اليوم فقد يظهر فاعل آخر وهو: “المُعبِّئ الرقمي”. فقد لا يرافق المهاجر في رحلته، وقد لا يحصل منه على المال، لكنه يستطيع أن يساهم في خلق الاعتقاد بأن الحدود أصبحت قابلة للاختراق. وقد كشفت تغطيات إعلامية لاحقة لأحداث سبتة عن انتشار شائعات ومقاطع فيديو ساعدت على خلق توقع جماعي بإمكانية العبور. وهذا يعني أن دراسة الهجرة في القرن الحادي والعشرين لم تعد قادرة على تجاهل: “الخوارزمية، والمنصة، والمؤثر، والفيديو القصير، والمجموعة الرقمية”.

ثالثاً: «المعلومة» باعتبارها عاملاً جديداً في الهجرة، 

في هذا السياق، ينبغي التمييز بين أمرين: المعلومة عن الهجرة والمعلومة التي تصنع الهجرة. ففي الحالة الأولى يحصل المهاجر على معلومات حول الطريق والمخاطر والقوانين. أما في الحالة الثانية فإن المعلومة نفسها تتحول إلى محفز للسلوك. فإذا انتشرت مثلاً رسالة تفيد بأن: الحدود مفتوحة، أو أن: الدخول إلى سبتة يضمن البقاء في إسبانيا، أو أن قراراً قضائياً جديداً يمنع الإعادة، فإن هذه المعلومة، إذا صدقها عدد كبير من الأشخاص، يمكن أن تنتقل من المجال الافتراضي إلى المجال الواقعي. وهنا نصل إلى قاعدة تفسيرية مهمة مفادها: ان المعلومة المضللة لا تخلق بالضرورة الرغبة في الهجرة، لكنها تستطيع تحويل الرغبة الكامنة إلى فعل جماعي. وهذا يفسر لماذا يجب ألا تختزل أزمة سبتة في «التضليل» وحده. فالتضليل يحتاج إلى بيئة اجتماعية قابلة للتأثر به.

رابعاً: لماذا يستجيب الشباب للمعلومة المضللة؟ هذا السؤال يحتل موقعاً مركزياً في هذه المحاولة، فالمعلومة الكاذبة لا تؤثر في الجميع بالطريقة نفسها. بل إنها قد تجد أرضاً خصبة عندما تتقاطع مع: البطالة؛ الإحباط الاجتماعي؛ الشعور بانسداد الأفق؛ المقارنة اليومية بين مستويات المعيشة؛ صور النجاح والهجرة على مواقع التواصل؛ وجود أفراد سبق لهم الوصول إلى أوروبا؛

ضعف الثقة في المصادر الرسمية؛ والاعتقاد بأن المخاطرة قد تكون أقل من كلفة البقاء.

ومن ثم فإن المعادلة الجديدة ليست: الفقر يدفع الى الهجرة. بل: ان الهشاشة الاجتماعية والتطلع إلى الهجرة، بالاضافة الى شبكة رقمية، معلومة محفزة، قابلية التعبئة تؤدي الى الهجرة. وهذه نقطة مهمة جداً بالنسبة للباحثين في العلوم الاجتماعية.

خامساً: فالحدود لم تعد جغرافية فقط، بل ان أبرز ما تكشفه سبتة 2026 هو أن مفهوم الحدود نفسه يحتاج إلى إعادة تعريف. فالحدود الحديثة أصبحت تتكون من أربعة مستويات:

1. الحدود الجغرافية، المشكلة أساسا من السياج، البحر، المعابر، نقاط المراقبة.

2. الحدود القانونية، المشكلة من قوانين الهجرة واللجوء والإعادة والاتفاقيات الثنائية.

3. الحدود الأمنية، وتتكون من الشرطة، الحرس المدني، المراقبة، أجهزة الاستخبارات.

4. الحدود الرقمية، المكونة من المعلومات، المنصات، الخوارزميات، الحسابات، الفيديوهات، الإشاعات. 

وهكذا يمكن القول: “ان محاولة عبور الحدود قد تبدا قبل أن يصل المهاجر إلى الحدود”. فهي تبدأ أحياناً من شاشة الهاتف. وهذا يفسر عنواناً بالغ الدلالة نشرته إحدى الدراسات الحديثة لأحداث سبتة: «الحدود بدأت من شاشة الهاتف».

سادساً: سبتة بوصفها «حداً رقمياً»، ان سبتة تكتسب أهمية خاصة لأنها ليست مجرد نقطة حدودية بل إنها نقطة التقاء بين: المغرب، إسبانيا، الاتحاد الأوروبي، شنغن، الهجرة الإفريقية، الهجرة المغربية، الأمن الحدودي، شبكات التواصل… ولهذا فإن أي معلومة مرتبطة بسبتة يمكن أن تنتقل بسرعة من المستوى المحلي إلى المستوى الأوروبي. وقد سارعت إسبانيا بعد الأزمة إلى تعزيز مكافحة التضليل على الشبكات الاجتماعية، وقد أكد في هذا الصدد، وزير الخارجية الإسباني أن الوزارة تستخدم قنواتها الرسمية، بما فيها صناعة المحتوى العربي، للرد على الأخبار الكاذبة. وهنا تصبح الدبلوماسية الرقمية جزءاً من إدارة الحدود.

سابعاً: من أمن الحدود إلى «أمن المعلومات»، وهذه إحدى أهم النتائج النظرية لهذه المحاولة، فإذا كان أمن الحدود التقليدي يعني منع العبور غير القانوني، فإن أمن الحدود في البيئة الرقمية يعني أيضاً: منع المعلومات المضللة من إنتاج موجة عبور جماعية. ولهذا بدأت الاستجابة الأوروبية تتجه نحو المنصات الرقمية نفسها. فقد برز بعد أزمة سبتة اتفاق أو تفاهم أوروبي مع منصات كبرى مثل Meta وTikTok لتعزيز التحقق من المعلومات المتعلقة بالأزمة. وهذا تطور مهم جداً. لأنه يعني: أن إدارة الهجرة أصبحت تدخل تدريجياً في نطاق إدارة المعلومات.

ثامناً: هل تحولت الهجرة إلى أداة ضغط سياسي؟ ان هذا السؤال يحتاج إلى حذر منهجي. فلا ينبغي القفز مباشرة إلى القول إن كل موجة هجرة هي «مخطط سياسي». لكن من الخطأ أيضاً تجاهل أن الهجرة الجماعية يمكن أن تصبح ذات آثار سياسية وأمنية ودبلوماسية حتى عندما تكون دوافع الأفراد مختلفة فيها. فموجة كبيرة ومفاجئة يمكن أن: تضغط على السلطات المحلية؛ تخلق أزمة إنسانية؛ تفرض تدابير أمنية استثنائية؛ تثير خلافات داخل الدولة؛ تدفع الاتحاد الأوروبي إلى التدخل؛ تؤثر في العلاقات الثنائية؛ بل تصبح أيضا مادة للاستثمار السياسي والإعلامي. وهكذا، اصبح من الضروري التمييز بين: الهجرة كفعل فردي، والهجرة كظاهرة جماعية، والهجرة كأداة ضغط، والهجرة كموضوع للتوظيف السياسي.

تاسعاً: البعد الإنساني ينبغي ان يبقى حاضرا، لان أي مقاربة أمنية للهجرة يجب ألا تلغي الإنسان. فأحداث سبتة خلفت ضحايا ووضعاً إنسانياً شديد الحساسية، وعلى هذا المستوى، أعلنت الحكومة الإسبانية لاحقاً عن أكثر من 140 وفاة مرتبطة بالمأساة، مع استمرار الجدل الحقوقي حول ظروف الأحداث والتعامل مع المهاجرين. وهذا يفرض سؤالاً أساسياً: هل يتحول الإنسان في إدارة الحدود الحديثة من «مهاجر» إلى «خطر أمني»؟ فإذا حدث ذلك، فإننا نكون أمام خطر اختزال ظاهرة إنسانية واجتماعية مركبة في مقاربة أمنية صرفة. ولهذا يجب أن يقوم النموذج الجديد على أربعة أبعاد متوازنة:

الأمن، حقوق الإنسان، التنمية، مكافحة التضليل.

عاشراً: نحو نظرية «الهجرة المُرقمنة»، تقترح هذه المحاولة التحليلية تطوير مفهوم نظري يمكن تسميته:

«الهجرة المُرقمنة»، وهي ليست مجرد هجرة يستخدم أصحابها الإنترنت. بل هي: الهجرة التي يصبح فيها الفضاء الرقمي جزءاً من إنتاج القرار، وتنظيم الحركة، وتحديد المسار، وتشكيل التوقعات، وتعبئة الجماعات، وإدارة صورة الحدث، والتأثير في استجابة الدول.

ومن هذا المنظور تصبح الهجرة ظاهرة ذات خمسة مستويات من حيث الوظيفة:

– الاجتماعي الذي يؤدي الى إنتاج الرغبة في الهجرة.

– الاقتصادي الذي يؤدي الى إنتاج دوافع المغادرة.

– الشبكي المرتبط بتوفير العلاقات والمعلومات.

– الرقمي وإنتاج التعبئة والتوقع.

– الأمني المرتبط بإدارة الحدود والاستجابة.

وبذلك ننتقل من معالجة: «لماذا يهاجر الفرد؟» إلى «كيف تتحول الرغبة الفردية في الهجرة إلى حركة جماعية في عصر الشبكات الرقمية؟»

حادي عشر: سبتة 2026، كنموذج لمرحلة جديدة، يمكن بناء النموذج التفسيري التالي اعتمادا على: الهشاشة الاجتماعية، الرغبة في الهجرة، الفضاء الرقمي، المعلومة/الشائعة، تشكيل التوقع الجماعي، التعبئة، الحركة الجماعية، الحدود، الاستجابة الأمنية، التغطية الإعلامية،

إعادة إنتاج المعلومات، محاولة جديدة. 

والعنصر الجديد في هذه الدائرة هو أن النهاية تعود إلى البداية. فالصور التي تنتجها محاولة العبور تصبح مادة رقمية جديدة، وهذه المادة قد تساعد في إنتاج محاولة أخرى. وهنا تصبح الهجرة دورة معلوماتية متكررة وليست مجرد رحلة في اتجاه واحد.

ثاني عشر: سبتة 2026، وإعادة صياغة العلاقة المغربية ـ الإسبانية، لقد أكدت الازمة من جديد أن التعاون الأمني بين المغرب وإسبانيا أصبح أكثر أهمية. فوزارة الداخلية الإسبانية أكدت استمرار التعاون مع المغرب، وشكرت السلطات المغربية على جهودها في منع آلاف محاولات العبور، كما اتفق الطرفان على تعزيز التنسيق وتسريع إعادة من دخلوا بصورة غير نظامية. لكن الأزمة تكشف أيضاً أن التعاون الأمني وحده غير كافي، لأن الظاهرة الجديدة تتطلب تعاوناً في: الأمن؛ المعلومات؛ مكافحة الاتجار بالبشر؛ مراقبة المنصات؛ التحقق من الأخبار؛

حماية القاصرين؛ التنمية في المناطق الحدودية؛

والتواصل العمومي. بمعنى أننا نحتاج إلى الانتقال من:

التعاون الأمني المغربي ـ الإسباني إلى الشراكة المغربية ـ الإسبانية في إدارة الحدود والهجرة والمعلومات.

ثالث عشر: سبتة 2026، ليست نهاية الظاهرة بل ربما بدايتها، ان المؤشر الأخطر أن محاولة إعادة إنتاج التحرك ظهرت لاحقاً من خلال دعوات رقمية جديدة، (15 غشت 2026) وهو ما دفع السلطات إلى رفع مستوى الاستعداد، بينما تحدثت تقارير إسبانية عن وجود حملة إلكترونية لديها قدرة محتملة على التعبئة.

وهذا يعني أن السؤال لم يعد: كيف نمنع موجة الهجرة؟بل، كيف نمنع تشكل الموجة أصلاً؟ وهنا يصبح الاستثمار في المعلومة الصحيحة، والتواصل العمومي، والتعليم الرقمي، ومكافحة شبكات الاتجار، وتحسين فرص الشباب، والتعاون الحدودي جزءاً من سياسة الهجرة نفسها.

في الختام: هل تغير مفهوم الهجرة غير النظامية؟ نعم، لكن المسألة تحتاج الى تدقيق. ان الهجرة غير النظامية لم تختفِ بصورتها القديمة؛ بل أضيفت إليها طبقة جديدة. فالمهاجر ما زال موجوداً، والفقر والبطالة والفوارق الاجتماعية ما زالت موجودة، وشبكات الاتجار بالبشر ما زالت فاعلاً أساسياً. لكن الذي تغير هو: سرعة التعبئة، وطبيعة الشبكات، ودور المعلومة، ووظيفة الهاتف، وطبيعة الحدود، وحجم التأثير السياسي والإعلامي. لذلك يمكن القول إن سبتة 2026 تمثل انتقالاً من هجرة غير نظامية تقليدية إلى هجرة غير نظامية شبكية ورقمية وهجينة.

وإذا كانت الهجرة في القرن العشرين تُدار بالقوارب والسياج والشرطة، فإن الهجرة في القرن الحادي والعشرين ستدار أيضاً بواسطة: الخوارزمية، والهاتف، والمعلومة، والتحقق من الأخبار، والذكاء الاصطناعي، وحرب السرديات. وهنا تكمن القيمة العلمية الحقيقية لأحداث سبتة: إنها لا تقدم لنا مجرد حالة جديدة من الهجرة غير النظامية، بل تكشف عن تحول في طبيعة الهجرة نفسها، وعن انتقال الحدود من مكان جغرافي إلى منظومة متعددة المستويات تبدأ أحياناً من شاشة الهاتف قبل أن تنتهي عند السياج الحدودي. وبذلك يصبح السؤال الأكاديمي الأكثر أهمية ليس لماذا يهاجر الناس؟

بل كيف تُصنع الهجرة الجماعية في عصر المنصات الرقمية، ومن يملك القدرة على تحويل المعلومة إلى حركة بشرية؟ وهذا السؤال يجعل سبتة 2026 مختبراً استثنائياً لدراسة الهجرة، والأمن، والمعلومات، والشباب، والعلاقات المغربية ـ الإسبانية، والسياسات الأوروبية للحدود في القرن الحادي والعشرين.

مقال خاص لصحيفة قريش – لندن

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


الاخبار العاجلة
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com