رحلة انهيار العقل العراقي

24 أغسطس 2026
رحلة انهيار العقل العراقي


كتب ممزقة ومدارس طينية… مطرقة الحصار وسندان الاحتلال 

بقلم : عدي حاتم

في خريف عام 1977، وقفت منصة منظمة اليونسكو في العاصمة الفرنسية باريس لتصفق بحرارة لافتة لوفد عراقي جاء يتسلم “جائزة محو الأمية” العالمية. في تلك الحقبة، لم يكن الأمر مجرد تكريم بروتوكولي، بل كان اعترافاً دولياً بندرة ما حققته بلاد الرافدين؛ حيث كان العراق يتربع على عرش الأنظمة التعليمية في الشرق الأوسط بإجماع دولي، بفضل بنية تحتية تضاهي دولاً أوروبية، وجامعات تنافس بصرامتها الأكاديمية أعرق المؤسسات الدولية، وجيل كامل نشأ في ظل مجانية التعليم الإلزامي الشامل، حتى كادت الأمية تختفي تماماً من خارطة البلاد.
لكن تلك المنارة التي أضاءت عقدي السبعينيات والثمانينيات، ودعمت أجيالاً من الأطباء والمهندسين والعلماء، انطفأت بغتة وتحولت إلى رماد. واليوم، يعيش قطاع التعليم في العراق مأساة “تجريف منظم” استمرت لأكثر من أربعة عقود متواصلة، تبدلت فيها الأدوار والمشاهد؛ فتحول التلميذ من مشروع عالم أو أديب إلى بائع متجول في تقاطعات الطرق اللاهبة، يبحث عن ثمن رغيف خبز يسد به رمق عائلته. إنها قصة صعود وهبوط تراجيدية، تكشف كيف تحولت بلاد “الحرف الأول” من تصدير النخب العلمية للعالم، إلى الغرق في مستنقع أمية طالت الملايين من أبنائها.
العصر الذهبي.. عندما كانت بغداد تكتب وتطبع وتقرأ
يستذكر الأكاديميون العراقيون المعاصرون عقود السبعينيات والثمانينيات بكثير من الشجن والحنين الذي يمتزج بالحسرة. في تلك الأيام، كانت المدارس والجامعات خطاً أحمر للدولة، تتدفق نحوها ميزانيات ضخمة من عائدات النفط الانفجارية. كان المعلم يحظى بهيبة اجتماعية ومكانة اقتصادية مرموقة تجعله في مقدمة الطبقة الوسطى، وكان راتبه الشهري يتيح له حياة رغيدة وسفراً وسكناً لائقاً، مما جعل مهنة التعليم مطمحاً لأصحاب الكفاءات العليا.
المناهج الدراسية في ذلك الوقت كانت تُحدث وتُنقح سنوياً بالتعاون مع دور نشر عالمية ومعاهد تربوية رصينة، أما المختبرات العلمية وقاعات التشريح ومرافق البحث في جامعات بغداد والموصل والبصرة، فقد كانت حواضن علمية متطورة تستقطب الطلاب والباحثين من شتى أرجاء الوطن العربي والمنطقة، وفي أحيان كثيرة من الدول المتقدمة.
ولم تكن المدرسة في الوجدان العراقي مجرد جدران خرسانية صماء، بل كانت بيئة اجتماعية وصحية متكاملة توفر برنامج “التغذية المدرسية” الذي يوزع الحليب والبسكويت المدعم والفاكهة على التلاميذ يومياً، إلى جانب القرطاسية والكتب المجانية الفاخرة، والطبابة الدورية التي تفحص عيون الأطفال وأسنانهم بانتظام. وفوق هذا كله، كانت الدولة تطبق قانون التعليم الإلزامي بصرامة حديدية؛ فمجرد غياب الطالب دون عذر كان يستدعي تحركاً قانونياً، وكان فرض غرامة مالية أو التهديد بالسجن كفيلاً بإجبار أي عائلة ريفية أو بدوية على إرسال بناتها وبنيها إلى مقاعد الدراسة، مما خلق مجتمعاً متعلماً وواعياً بحقوقه وواجباته.

كارثة التسعينيات.. الجوع الذي أذلّ المعلم
بدأ الفصل الأول من فصول الكارثة والانهيار السريع عقب مغامرة غزو الكويت عام 1990، وما تلاها من فرض للحصار الاقتصادي الشامل والخانق من قبل الأمم المتحدة. في غضون أشهر قليلة، انهار الهيكل التعليمي الذي استغرق بناؤه عقوداً إذ توقفت ميزانيات الصيانة الحكومية تماماً، وتحول الورق والأحبار إلى سلع نادرة ومحرمة بموجب العقوبات الدولية. هذا النقص الحاد دفع بوزارة التربية إلى طباعة المناهج على ورق صحف رديء ومعاد تدويره، وأصبح الكتاب الواحد مهترئاً يتقاسمه أربعة أو خمسة طلاب في الصف المزدحم الذي بات يفتقر للتدفئة شتاءً وللتبريد صيفاً.
لكن الضربة القاصمة التي أصابت جسد التعليم في مقتل كانت في إذلال الأستاذ والمعلم وتجويعه. تهاوت القيمة الشرائية لرواتب المعلمين والمدرسين بفعل التضخم الجامح لتبلغ مستويات كارثية تعادل ما بين دولارين إلى خمسة دولارات في الشهر الواحد. هنا، اهتزت الهيبة الاجتماعية للمعلم مجبرة، واضطر أساتذة الفيزياء والتاريخ والجغرافيا إلى بيع السجائر والحلويات على أرصفة الشوارع، أو العمل كسائقي سيارات أجرة وباعة متجولين بعد الظهر لتأمين قوت عائلاتهم.
وفي تلك السنوات العجاف، ولدت في المجتمع العراقي “موجة التسرب الكبرى الأولى”. وتحت وطأة العوز والفقر المدقع اضطرت آلاف العائلات إلى إخراج أطفالها من المدارس وزجهم في سوق العمل الشاق وعمالة الأطفال، ليتحول الصبية إلى ميكانيكيين وحمالين وباعة في الأسواق الشعبية لإنقاذ عوائلهم من شبح الجوع الحقيقي، لتسجل البلاد لأول مرة منذ نصف قرن قفزة مخيفة في نسب الأمية والجهل المركب.
الاحتلال وتبعاته: الفوضى واغتيال العقول
إذا كان حصار التسعينيات قد جفف منابع التعليم وأفقر مؤسساته، فإن الاحتلال الأمريكي للعراق عام 2003 والمرحلة السياسية والأمنية التي تلته أطلقا رصاصة الرحمة على ما تبقى من رمق في هذا القطاع. ومع تهاوي أركان الدولة المركزية، تهاوت معها بالكامل حرمة المؤسسة التعليمية وقيمتها السيادية.
شهدت البلاد في أسابيع الاحتلال الأولى عمليات تدمير وحرق واسعة النطاق طالت آلاف المدارس والمديريات والجامعات، ودُمرت المختبرات العلمية الحساسة التي كلفت مئات ملايين الدولارات لبنائها، وفقدت الدولة أرشيفها التربوي والتاريخي في غمضة عين.
والأخطر من خسارة الجدران والأثاث كان استهداف النُخب العلمية؛ إذ واجه الأكاديميون والأطباء والعلماء والباحثون حملة تصفيات جسدية واغتيالات غامضة ومنظمة نفذتها جماعات إرهابية ومخابرات إقليمية ودولية وجماعات مسلحة وعصابات الجريمة المنظمة، مما تسبب في نزيف العقول الأكبر في التاريخ الحديث. فرّ عشرات الآلاف من الأساتذة وأصحاب الكفاءات النادرة نحو المهاجر الأوروبية والأمريكية والدول العربية المجاورة، مخلفين وراءهم فراغاً علمياً وبيداغوجياً هائلاً لا يمكن تعويضه في المدى القريب.
ومع صعود نظام المحاصصة الحزبية والطائفية والعرقية لإدارة الدولة، تحولت وزارة التربية ووزارة التعليم العالي والجامعات الرسمية من صروح علمية مستقلة إلى مغانم سياسية ومناطق نفوذ للأحزاب الحاكمة. علاوة على ذلك، أُثقلت المناهج التعليمية بالتحولات الأيديولوجية والأجندات السياسية الضيقة، مما جاء على حساب جودة المعرفة العلمية والرزانة التربوية، وتم تعيين وتثبيت مئات الآلاف من المعلمين والمدرسين وحتى أساتذة الجامعات بناءً على الولاءات الحزبية والوساطات والمحسوبيات بدلاً من الكفاءة والأهلية الأكاديمية، مما أدى إلى هبوط حاد في مستوى التدريس والتقييم.
ولم تتوقف المأساة عند هذا الحد، بل بلغت ذروتها التدميرية عام 2014 مع سيطرة تنظيم “داعش” الإرهابي على ثلث مساحة البلاد؛ حيث هُدمت مئات المدارس وجُرفت مراكز البحوث، وتحولت جامعة الموصل العريقة إلى ثكنة عسكرية ومصنع لتطوير المتفجرات والأسلحة، ونشأ جيل كامل من الأطفال في تلك المدن المستباحة بلا تعليم لسنوات، أو بتعليم ملوث بالفكر المتطرف والدموي.
جيل ضائع ومدارس طينية
الآن، يستفيق العراق على إرث ثقيل ومخيف خلفته عقود من الحروب والحصار والفوضى السياسية والفساد المستشري؛ فلم تعد المدارس العراقية اليوم تلك المباني الأنيقة المحاطة بالحدائق والملاعب الفسيحة والمكتبات العامرة، بل بات المشهد السائد والأكثر إيلاماً هو انتشار المدارس الطينية البدائية في الأرياف وجنوب البلاد، والمدارس “الكرفانية” حديدية الصنع التي تلهب أجساد الأطفال صيفاً تحت شمس العراق الحارقة، وتغرقهم شتاءً بمياه الأمطار والسيول.
والمصيبة الكبرى هي أنه نتيجة للنقص الحاد في الأبنية المدرسية، لجأت معظم المدن والمحافظات إلى نظام الدوام الثنائي والثلاثي في المدرسة الواحدة. في هذا النظام البائس، يقتصر يوم الطالب الدراسي على ساعتين أو ثلاث ساعات فقط، يتلقى فيها القشور المعرفية على عجل، ثم يُطرد ليفسح المجال لوجبة أخرى من زملائه، مما أدى إلى تدمير القيمة الاستيعابية والتربوية للعملية التعليمية.
وتتحدث الأرقام الحالية الصادرة من أروقة العاصمة بغداد والمنظمات الدولية الشريكة عن مأساة إنسانية حقيقية؛ قرابة 7-8 ملايين طفل وشاب في سن الدراسة هم الآن خارج المنظومة التعليمية تماماً نتيجة الفقر المتزايد والاضطرار للعمل. أما نسبة الأمية العامة فقد استقرت عند نحو 15%، مع تركز مخيف وتصاعدي بين الشباب واليافعين، لاسيما الإناث في المناطق الريفية والجنوبية نتيجة غياب الأمان، والمسافات الطويلة بين القرى والمدارس، والتقاليد الاجتماعية الضاغطة كصعود ظاهرة الزواج المبكر.
القنبلة الموقوتة.. أربعة عقود من الجهل والتبعية
إن القراءة المتأنية لهذه الأرقام تكشف أن العراق لا يواجه أزمة تعليمية عابرة، بل يقف أمام “قنبلة موقوتة” تهدد وجوده كدولة مستقلة خلال العقود الثلاثة القادمة. فمع بلوغ نسبة الأمية والتحصيل الدراسي المتدني مستويات حرجة (تطال أكثر من ثلث الجيل الشاب إذا ما أضيفت نسب أشباه الأميين الذين لا يتقنون سوى فك الحرف)، يتوقع خبراء الاجتماع السياسي والاقتصادي مشهداً قاتماً تترابط فيه الكوارث على ثلاثة محاور رئيسية:
1- النزيف الاقتصادي والمجاعة الهيكلية:
يعاني العراق بالفعل من بطالة مستشرية تتجاوز 27% عموماً، وترتفع بين الشباب إلى أكثر من 35%. وخلال الثلاثين سنة القادمة، ومع التحول العالمي نحو الاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي، فإن جيشاً من ملايين العراقيين الأميين وغير المؤهلين مهنياً سيجدون أنفسهم خارج سوق العمل تماماً. لن ينتج هذا المجتمع سوى عمالة هامشية غير منتجة، مما سيحول البلاد إلى بؤرة فقر مدقع ويفجر معدلات الجريمة المنظمة والسرقة والابتزاز، في ظل موازنة حكومية عاجزة عن رعاية ملايين العاطلين، مما يؤسس لانهيار السلم الأهلي مدفوعاً بالجوع والجهل.
2-الفراغ الأمني ومفقس التطرف:
يمثل الجهل والتركيبة المجتمعية الفاقدة للوعي والمحاصرة بالبطالة البيئة المثالية والمُفقس الأساسي للجماعات المتطرفة والميليشيات المسلحة. وفي ظل عجز الحكومات المتعاقبة المستمر عن ضبط الأمن الداخلي أو السيطرة الكاملة على الحدود، فإن هذه الملايين من الشباب غير المتعلم ستكون وقوداً سهلاً ومادة خاماً للتجنيد العقائدي المتطرف؛ فالإنسان الأمي لا يمتلك أدوات النقد أو التفكير التفكيكي، مما يجعله طيعاً لخطاب التطرف الديني، لتتحول مدن العراق إلى معسكرات مفتوحة للجماعات المسلحة التي تقتات على الجهل لشرعنة وجودها ونفوذها فوق سلطة القانون.
3-غسل العقول والتبعية الإقليمية (حرب الوكالة الطائفية):
المآل الأكثر خطورة لهذا التراجع التعليمي هو فقدان العراق لسيادته الفكرية والسياسية لصالح القوى الإقليمية والدول المجاورة. لطالما استغلت الدول المحيطة الانقسامات الطائفية في العراق لتصفية حساباتها، ومع تصاعد نسب الجهل والتعصب، سيتحول ملايين الشباب إلى أدوات وبيادق رخيصة في يد الاستخبارات الإقليمية والمشاريع الطائفية العابرة للحدود؛ فالجهل يلغي الانتماء الوطني ويستبدله بالولاء المذهبي الأعمى، مما يسهل على الدول المجاورة شراء الذمم وتوجيه الشارع العراقي وإشعال الحروب الأهلية بالوكالة كلما اقتضت مصالحها، ليصبح العراق ساحة صراع أبدي مستدام تُدار فيه عقول أبنائه بـ “ريموت كنترول” خارجي.
رؤية ختامية
إن وضع التعليم في العراق يؤكد أن الجرح العراقي أعمق بكثير من مجرد بناء جدران إسمنتية أو توزيع قرطاسية أو إطلاق وعود حكومية بائسة؛ إنها معركة وجودية ضد الجهل المركب والتبعية وحروب الوكالة. إن إنقاذ ما يمكن إنقاذه من مستقبل الأجيال القادمة يتطلب ثورة تعليمية وإرادة سياسية سيادية عابرة للمحاصصة الحزبية، تضع التعليم في مقدمة أولويات الأمن القومي للدولة، لانتشال هذا الوطن من قاع الجهل المُقيد، وإعادة المعلم العراقي ليكون خط الدفاع الأول عن حدود البلاد وعقول أبنائها قبل فوات الأوان.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


الاخبار العاجلة
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com