لماذا نريد إحراق كل الجسور مع الوطن؟

16 أغسطس 2026
لماذا نريد إحراق كل الجسور مع الوطن؟


أحداث سبتة المحتلة..هجرتنا وهجرة الروس والشينوا والأوربيين.. !!

د. عبدالرحيم أريري

كاتب وإعلامي من المغرب 

منذ سنوات والآلاف من شباب المغرب تحذوهم الرغبة الجامحة في الهجرة السرية وفي الحريك الفردي والجماعي، دون أن ينهض حكيم في الحكومة والبرلمان، أو في الأحزاب والنقابات، أو في المجالس العلمية المحلية والتلفزيون العمومي، أو في المدارس العليا والكليات، لينهض ويقوم بإدارة النقاش العمومي وترشيده حول أسباب شيوع هذا اليأس الجماعي لفئة واسعة من شباب المغرب ورغبتهم الشديدة في المغامرة لاجتياز السياج الحدودي مع سبتة ومليلية المحتلتين، أو ركوب قوارب الموت للعبور للضفة الشمالية للبحر المتوسط، ولو بدون ضمانات في العمل و السكن والمأكل والمشرب، بل وحتى لو عاشوا في ذل السؤال والتسول في مدن أوربا، وناموا بمهانة على أرصفة شوارعها !

العيب ليس في الهجرة، فهي ظاهرة كونية وإنسانية وتاريخية، والساذج من يؤمن بأنه يمكن الحد من رغبة الناس في أي مجتمع في الهجرة و”تبدال لمنازل”. ولكن العيب هو أن يكون مشروع الهجرة نحو بلد آخر مؤسسا على الشعور بالظلم و”الحكرة” وغياب الكرامة وغياب الأمل وغياب الثقة في المؤسسات (حكومية كانت أو برلمانية أو حزبية أو نقابية). إذ يصبح البلد المصدر للهجرة في هذه الحالة ذا صورة قاتمة، ويوسم بأنه بلد طارد لمواطنيه، وليس بلدا يرغب بعض سكانه في الهجرة طواعية إما للمغامرة أو للاستكشاف أو لتغيير “الحطة”، أو لانتهاز فرص أحسن للعيش وكسب المال.

لنأخذ بعض الحالات لدول متقدمة على المغرب( اقتصاديا وعسكريا وتكنولوجيا ونوويا ورياضيا وفنيا وعلميا ورفاهية)، سنجد أنها على رأس الدول المصدرة للمهاجرين، ولكن سكانها يهاجرون بالاختيار وليس بفعل الاضطرار، أو أن الهجرة من بلدهم تمت بسبب الإحساس “بالحكرة” وفقدان الأمل في ضمان مستقبل لائق.

هاهي روسيا، التي تعد من بين أقوى الدول في العالم، ومع ذلك لم يمنعها وضعها من أن يهاجر منها 10 ملايين روسي بحثا عن أفق آخر بمختلف دول العالم.

خذوا الصين ، التي تصنف اليوم كأكبر قوة اقتصادية عالميا وتنينا يرهب العالم، ومع ذلك هاجر من ترابها 9 مليون صيني بحثا عن الرزق والعيش أو المغامرة في بلد آخر.

هاهي بريطانيا، الإمبراطورية التي لم تكن الشمس تغيب عنها إلى عهد قريب، تتوفر على 4،5 مليون بريطاني مهاجر في مختلف دول العالم.

نفس الشيء يصدق على المارد الألماني، وهي دولة ذات اقتصاد قوي، ومع ذلك تحصي قنصليات ألمانيا بالعالم وجود 4 مليون مهاجر ألماني مقيمون بعدة دول فضلوا الهجرة اليها بدل العيش في ألمانيا.

هاهي فرنسا ذات الماضي الاستعماري، والتي لا نحتاج لإبراز مكانتها في النادي العالمي، ومع ذلك قامت “بتصدير” 2 مليون فرنسي مهاجر مقيم في مختلف دول المعمور، منهم المهندس العامل في شركة والخبير في البرمجيات وبائع الورود و”البارمان” في مطعم أو فندق ببلد المهجر .

يمكن أن نستمر في سرد الأمثلة عن عدد مهاجري الدول الغنية إلى ما لانهاية، ولكن اكتفينا بأمثلة دالة لإبراز أن الهجرة هي مد كوني ولا أحد بمستطاعه أن يوقفه، وأن بإمكانها أن تصبح نعمة وقيمة مضافة بدل أن تكون نقمة ونقطة سوداء في مثل الحالة المغربية. ذلك أن الهجرة عند هؤلاء تترجم قدرة البلد على إنتاج “نموذج” مواطن نشيط له قيمته، وله خبرته المهنية، وله أثر على اقتصاد بلده (العملة الصعبة) وعلى تحسين تسويق صورتها، وبوسعه أن يمثله خير تمثيل لدى دول الاستقبال. أما نحن، فنصدر إلى الآخر بعض المواطنين “المحكورين” الذين يريدون أن يقطعوا كل ارتباط مع الوطن الذي نكلوا به واغتصب كرامتهم دون رادع حسب زعمهم، والسؤال هو ماذا يمكن أن ننتظر من نموذج الانسان الذي صنع على هذه الشاكلة، ألن يكون لقمة سائغة لاستقطابه من كل تيار أجنبي هدام أو استقطابه من طرف العصابات الإجرامية؟

لكن بالمقابل يمكن للسياسيين الوطنيين والصادقين الذين “ليست في كرشهم العجينة” وليسوا من “أصحاب اللهطة على البزولة”، أن يوقفوا مسلسل الإهانة والحكرة والتوزيع غير العادل للثروة بين الفئات الاجتماعية وبين المجالات الترابية في المغرب، وأن يمنحوا الأمل للمواطن بأن المغرب وطن يأوي مواطنيه ويحميهم أينما كانوا وكيفما كان مستواهم الاجتماعي، وبأن المغرب وطن يؤمن الكرامة لكل مواطن.

وإذا تحقق هذا الشرط، لي اليقين أن المغرب سيبقى بلدا مصدرا للهجرة كما كان منذ الأزل، لكن مع فارق أن المهاجرين المغاربة في المستقبل لن يهجروا المغرب مضطرين وحاقدين بناء على عقيدة “الله يلعن دين مها بلاد”، بل سيغادرون بدون تشنج أو تمزق إيمانا بعقيدة: “لنجرب المغامرة في أرض الله الواسعة”.

وفي انتظار استرجاع سبتة ومليلية المحتلتين، لا نملك إلا أن نترحم على أجدادانا الذين قالوا: “حتى مش ماكيهرب من دار العرس !”

مقال  خاص لصحيفة قريش

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


الاخبار العاجلة
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com