سبحة تنفرط في الدهليز
الرواية التي أعادت الجدات إلى عالم الكتاب
بقلم: د. محمد غاني


رواية «قابلة وأرحام» لرجاء بن موسى، عن دار العلوي للنشر والتوزيع، تونس.
١. من الدهليز تبدأ الحكاية
ثمة روايات تفتتح بضجيج، وثمة روايات تفتتح بصوت واحد خافت: حبات سبحة تنزلق من يد عجوز فتتدحرج في عتمة دهليز. من هذه الجملة الصغيرة تنهض «قابلة وأرحام» للكاتبة والشاعرة التونسية رجاء بن موسى، وكأن الروائية تخبرنا منذ العتبة الأولى أن الذاكرة الحقيقية لا تصل إلينا مرتبة مصفوفة في دفاتر، بل تنفرط، وتلتقط حبة حبة، على ضوء شحيح.
والانفراط ههنا استعارة بنيوية تحكم النص كله. فالسبحة نظام محكم ما دام الخيط ممسوكا، فإذا انقطع صارت شتاتا من حبات لكل منها صوتها. وهكذا ذاكرة القابلة: خيط واحد هو المهنة، ينظم عشرات المصائر النسائية، فإذا نبشته رسالة مجهولة انفرط إلى حكايات متناثرة، ولم يبق للحفيدة عزونة، وللقارئ معها، إلا أن يجمعا الحبات من ظلمة الممر.

٢. عتبة العنوان والغلاف
يراهن العنوان على مفارقة صرفية دقيقة: مفرد يواجه جمعا، ويد واحدة تستقبل بطونا كثيرة تعطي. ثم إن اللفظتين محملتان بحقول دلالية لا تقاوم، فالقابلة من القبول، هي التي تقبل الوليد قبل أن يقبله العالم، وتقبل أسرار النساء قبل أن يقبلها العرف. والرحم في العربية ليست عضوا فحسب، إنها أصل الرحمة وأصل الأرحام بمعنى النسب. فإذا وضع ذلك في سياق رواية تدور على طفلة ضائعة ونسب مطموس، تبين أن العنوان يعقد في كلمتين عقدة النص: من يقبل؟ ومن يرحم؟ ومن يعرف إلى أي رحم ينتمي؟
ويكمل الغلاف ما بدأه العنوان: عجوز في سفساريها الناصع تدير ظهرها للقارئ، أمام باب فيروزي موصد، وفي يدها مفتاح لم يدخل القفل بعد. الظهر المدار يقول إن هذه المرأة لم تصور قط من الأمام في الكتابة، والباب الموصد يقول إن الحكاية ما تزال محبوسة، والمفتاح يقول إن حاملته تملك وحدها سلطة الفتح.

«في أرحام النساء تنمو الحياة، وفي صدورهن تنام أسرار البلاد»، من عتبات الرواية.
٣. الرسالة ومعمارية الزمن
تنطلق الحكاية من مفارقة لطيفة: القابلة التي أمضت عمرها تستقبل، تجد نفسها في موقع المستقبل المذعور. رسالة مجهولة يحملها ساعي البريد إلى بيت في المدينة العتيقة فتنبش ما ظنته الجدة مدفونا. والرسالة نفسها تعمل عمل الرحم، فهي ظرف مغلق يحمل في جوفه نصا سيولد.
وتشتغل الرواية على ثلاث طبقات زمنية: دفتر الذكريات في سنتي ١٩٤١ و١٩٤٢، ورسالة باريس سنة ١٩٥٦، وزمن الحفيدة الحاضر. وليس هذا التوزيع ترفا تقنيا، فسنة ١٩٥٦ هي سنة مجلة الأحوال الشخصية التي صارت فيها المرأة التونسية كائنا قانونيا له اسم وحق، وسنة ١٩٤٢ زمن لا سلطان فيه إلا للعرف والخوف. فحين ترسل الرسالة من هنا لتنبش وقائع هناك، فإنها تسافر عكس اتجاه الزمن، من لحظة التحرر القانوني إلى لحظة الأسر العرفي.
أما الدفتر داخل الرواية فينتج نصا في جوف نص، تماما كرحم في جوف رحم. وتصير الحفيدة قارئة داخل الكتاب توازي القارئ خارجه، فيتحول التشويق من حيلة ترفيهية إلى بنية معرفية، لأن الذاكرة نفسها لا تعطي دفعة واحدة.
٤. القابلة: من وظيفة إلى كائن سردي
أخطر ما فعلته رجاء بن موسى أنها لم تتخذ القابلة موضوعا فولكلوريا، بل جعلتها أداة سردية من طراز رفيع. فالقابلة كائن عتبة بامتياز، تقف بين الحياة والموت، وبين المستور والمفضوح، وهي في مجتمع مغلق طبقيا المرأة الوحيدة التي تعبر الطبقات جميعا بلا جواز سفر: تدخل دار تاجر القماش في المساء، وكوخ الخماس في الفجر، وتستدعى إلى القصر كما تستدعى إلى التكية. وحين يبحث الروائي عن راو يرى كل شيء من غير أن يكون إلها، لا يجد أفضل من المهن العابرة للأسوار، غير أن القابلة تتفوق عليها جميعا لأنها لا ترى الوقائع فحسب، بل تمسك بأخطر ما في المجتمع وهو النسب.
ومن هنا تكتسب الجغرافيا وظيفة لا زينة. فلائحة الأمكنة، من باب البنات وباب سويقة وسوق الكبدة إلى دار جواد ودار تكية ومصانع التبغ ومزارع باجة وجبال قفصة، ليست خلفية بل تشريح طبقي مقنع، ونصفها مؤنث الاسم أو الدلالة، حتى لكأن خريطة المدينة كتبت بصيغة المؤنث.
٥. الجسد أرشيفا، والقابلة التي تخطئ
صاغت الكاتبة أطروحتها في جملة من أجمل ما وضع على عتبات الكتب: «في أرحام النساء تنمو الحياة، وفي صدورهن تنام أسرار البلاد». وتأمل دقة التوزيع، فالرحم للمستقبل والصدر للماضي، والمرأة في هذه المعادلة معمل وأرشيف في آن، تنجب الحياة وتحفظ سرها، ولا يعترف لها بواحدة من الوظيفتين.
وأذكى قرار في بناء الشخصية أن الكاتبة لم تقدسها. فالقابلة حافظة لشرف الحي، لكنها تسقط أحيانا في الرياء وتقبل الرشوة وتساوم على الصمت. وهذا التصدع الصغير هو ما ينقل النص من خطاب التمجيد إلى خطاب الفحص، ومن الأيقونة إلى الشخصية، فالمظلوم حين يرسم ملاكا يفقد إنسانيته مرتين: مرة حين ظلم، ومرة حين صنم.
٦. ملاحظات تقيس ولا تنقص
النقد الذي لا يسائل مجاملة مؤجلة. وأول ما يتربص بالنص خطر معرض النماذج، فالطيف الاجتماعي الذي تعبره القابلة ثروة سردية هائلة، لكن المسافة قصيرة بين الشخصية والنموذج، ولا ينقذ النص إلا التفصيل الفارق. ويليه إغراء المعجم، حين تكون الروائية باحثة في التراث فتتحول الأشياء من عناصر فاعلة إلى مفردات معروضة، والمعيار بسيط: هل السفساري لباس يوصف أم وسيلة تخف تغير مجرى مشهد؟ ثم فخ التعرف، فالأم التي تبحث عن ابنتها بعد عشرين سنة حيلة عريقة لا يعيبها قدمها بل يعيبها سوء تمهيدها.
أما دعوى الأولوية في العالم العربي فلا أرى النقد معنيا بالفصل فيها، لأن الأدب لا يقاس بترتيب الوصول، ويكفي هذا النص أنه وضع في متن الرواية العربية شخصية ظلت قرونا تسكن الهامش ولا تدخل الكتاب إلا خادمة في مشهد عابر.
٧. خاتمة: الرواية بوصفها مفتاحا
تنتسب «قابلة وأرحام» إلى الخط التونسي الذي جعل من المدينة العتيقة ومن ذاكرة النساء مادة روائية، لكنها تدخل عليه إضافة نوعية، فهي تروي المدينة لا من ساحتها بل من غرفة الولادة، أي من أشد أمكنتها إقصاء من التدوين. وهي في السياق المغاربي تستدعي أخوات لها في الذاكرة المغربية: القابلة والحجامة والماشطة والنكافة، ذلك الطاقم النسائي الذي شكل لقرون عيادة شعبية وأرشيفا شفويا معا.
ولنعد إلى الغلاف في الختام. المفتاح في يد العجوز لم يدخل القفل بعد، وهذا أصدق ما في الصورة، فالروايات الكبرى لا تفتح الأبواب نيابة عن قارئها، بل تضع المفتاح في يده وتتركه واقفا أمام الباب. وثمة مفارقة أخيرة: لم تورث الجدة حفيدتها أدوات المهنة بل ورثتها الحكاية، فانتقلت القبالة من الجسد إلى النص، ومن استقبال الأطفال إلى استقبال الذاكرة. عزونة لم ترث مهنة التوليد، بل ورثت مهنة الشهادة.
رواية تستحق أن تقرأ مرتين: مرة لتعرف كيف انتهت الحكاية، ومرة لتعرف كم من الحكايات لم يرو بعد.
«قابلة وأرحام»، رواية لرجاء بن موسى، عن دار العلوي للنشر والتوزيع، تونس. رجاء بن موسى كاتبة وشاعرة تونسية، وباحثة في التراث اللامادي، وفنانة تشكيلية، وعضوة بمهرجان مغرب الحكايات، قدمت الحكاية التراثية التونسية في الإمارات والسعودية وسلطنة عمان والمغرب.


















































