— قراءة في كلمة أحمد التوفيق أمام الملك وردود الفعل الإسبانية
الاستعمار والايديولوجية الاستعمارية الإسبانية في المتوسط،من خلال حالة سبتة ومليلية،نحو رؤية جديدة
بقلم د. مصطفى الغاشي
كاتب مغربي في التاريخ والفكر السياسي والعلاقات الدولية
تقديم، عندما تعود سبتة من بوابة المولد. لم تكن الإشارة إلى سبتة في كلمة وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية أحمد التوفيق (وزارة السيادة)أمام جلالة الملك محمد السادس، مساء الاثنين 24 آب / أغسطس 2026 بالقصر الملكي بالرباط، مجرد استطراد تاريخي في عرض ديني بمناسبة ذكرى المولد النبوي الشريف. فقد أعادت الكلمة المدينة (سبتة) إلى قلب الخطاب الرسمي المغربي، ولكن هذه المرة من بوابة الذاكرة الدينية والعلمية، قبل أن تصل إلى المجال السياسي. والأهم أن الكلمة جاءت في لحظة شديدة الحساسية: اولا، بعد أزمة سبتة خلال شهري تموز / يوليوز وآب / أغسطس 2026، وثانيا، بعد ما جددت مدريد رسمياً رفضها للمطالب المشروعة للمغرب، مؤكدة في هذا السياق، أن سبتة ومليلية “جزء من التراب الإسباني”. لذلك، فإن السؤال الحقيقي ليس: لماذا ذكر التوفيق سبتة؟ بل لماذا اختيرت سبتة، ولماذا اختيرت هذه المناسبة الدينية، ولماذا أمام جلالة الملك تحديداً، والأهم، لماذا التقطت الصحافة والإعلام الإسباني الإشارة باعتبارها رسالة سياسية؟
أولاً: سبتة في كلمة الوزير، ليست جغرافيا فقط، لقد استند أحمد التوفيق إلى اثنين من أبرز علماء سبتة: القاضي عياض، صاحب “الشفا بتعريف حقوق المصطفى”، وأبو العباس العزفي، صاحب “الدر المنظم”. وقد قدمهما باعتبارهما جزءاً من السلسلة العلمية التي تجسد تعلق المغاربة بالنبي ﷺ. وهنا تكمن دلالة تاريخية ودينية شديدة الأهمية. فالخطاب لا يقول فقط إن سبتة كانت مدينة مغربية، وإنما يقول بصورة أعمق إن سبتة أنتجت جزءاً من الذاكرة الدينية والعلمية التي تشكلت داخل المجال الحضاري المغربي. وبالتالي انتقلت المدينة من: المجال الجغرافي إلى المجال التاريخي إلى المجال الحضاري ثم إلى المجال السياسي. وهذا التدرج مهم جداً في فهم الخطاب المغربي. فالقضية لا تُطرح هنا باعتبارها مجرد خلاف حدودي بين دولتين، وإنما باعتبارها سؤالاً يتعلق بالذاكرة والهوية والتاريخ والاستمرارية الحضارية.
ثانياً: من “سبتة المغربية” إلى “سبتة المحتلة”، تتقوى كلمة السيد الوزير من حيث الدلالة عند توقف الإعلام المغربي عند عبارتي “سبتة المحتلة” و”تحرير المدن والأراضي المحتلة”، وربطهما بتاريخ التعبئة المغربية من أجل استرجاع الأراضي المحتلة. وهذا تحول لغوي مهم، فالمفردات ليست محايدة كما يقال:فإسبانيا تتحدث عن Ceuta y Melilla como ciudades españolas. (سبتة ومليلية مدينتين إسبانيتين). والمغرب يتحدث عن سبتة ومليلية المحتلتين. وفي هذا السيق فان الإعلام الإسباني يستخدم في تغطيته تعابير مثل “reivindicación territorial (مطالب ترابية) ” و”liberación de las ciudades ocupadas”. (تحرير المدن المحتلة).
فنحن إذن أمام صراع روايات بقدر ما نحن أمام صراع حول الأرض. وفي هذا السياق، فان اللغة تصبح جزءاً من الجغرافيا السياسية.
ثالثاً: لماذا أمام الملك؟ (ولربما هذه أهم نقطة في قراءة الحدث)..فلو صدرت الإشارة نفسها في تصريح صحفي لوزير، لأمكن التعامل معها باعتبارها موقفاً سياسياً أو قراءة تاريخية من مسؤول حكومي. لكنها صدرت في عرض رسمي أمام جلالة الملك محمد السادس، وخلال مناسبة دينية يترأسها الملك بصفته أمير المؤمنين.وهو ما يمنحها وزناً رمزياً قويا. ومع ذلك، ينبغي الحذر، فلا يمكن اعتبار كلمة الوزير وحدها إعلاناً عن تغيير في السياسة الرسمية تجاه سبتة ومليلية أو إعلاناً عن خطوة دبلوماسية جديدة. لكنها في نفس الوقت تؤكد استمرار حضور الملف داخل الذاكرة والخطاب الرسمي المغربي. والأكثر دلالة في هذا المقام أن الإعلام الإسباني نفسه قرأها بهذه الطريقة.
فقد وصفت (RTVE) الكلمة بأنها حديث عن “تحرير سبتة ومليلية”، وربطت ذلك بظهور جلالة الملك علناً بعد أزمة سبتة الأخيرة. أما (20 Minutos) فقد قدمت الكلمة باعتبارها تجديداً للمطالبة المغربية بالسيادة على المدينتين. وهو ما يعني أن المتلقي الإسباني لم يسمع في الكلمة درساً في التاريخ الديني فقط؛ بل تلقى رسالة سياسية.
رابعاً: التوقيت ليس تفصيلاً، انه من الصعب فصل كلمة التوفيق عن سياق الأسابيع الأخيرة. ففي 22 آب / أغسطس ، كان الموقف الإسباني الرسمي قد أكد رفضه القاطع للمطالب المغربية بشأن سبتة ومليلية، واعتبرهما جزءاً من السيادة الإسبانية. وفي 24 آب /أغسطس ، تأتي كلمة الوزير (التوفيق) لتعيد سبتة إلى خطاب رسمي مغربي رفيع المستوى. وفي 25 آب / أغسطس ، سارعت وسائل الإعلام الإسبانية إلى التقاط الرسالة، فيما أكدت الحكومة الإسبانية مجدداً أن سبتة ومليلية إسبانيتان.
ثم جاء رد آخر (اكثر تصعيدا) من وزيرة الدفاع الإسبانية مارغاريتا روبليس، التي وصفت المدينتين بأنهما إسبانيتان و”غير قابلتين للمساس”، مؤكدة أن إسبانيا سترد على أي “محاولة للمساس بالسيادة”.
فالملاحظ إذن ان هناك تتابع سريع للرسائل بين الرباط ومدريد: فبالنسبة للرباط، سبتة حاضرة في التاريخ والذاكرة الرسمية للمغرب، بالاضافة الى المطالب بالتحرير. اما بالنسبة لمدريد، فسبتة جزء من إسبانيا، و”السيادة الإسبانية غير قابلة للنقاش”.
خامساً: لماذا أثار الإعلام الإسباني كلمة الوزير بهذه الحدة؟ في هذا السياق، تكشف عناوين الصحافة الإسبانية عن درجة عالية من الحساسية. فصحيفة (RTVE) اختارت عنواناً مباشراً يربط بين كلمة الوزير و”تحرير سبتة ومليلية”. أما (La Razón) فذهبت إلى قراءة أكثر صدامية، معتبرة أن الوزير “يضغط” على إسبانيا من خلال قضية التحرير. اما (El Español) فقد ركز على استحضار عالمين ولدا في سبتة وعلى توظيف التاريخ الديني في المطالبة المغربية. بينما تعاملت (The Objective) مع الخطاب باعتباره عودة إلى المطالبة المغربية بالمدينتين. وهو ما يكشف عن أن القلق الإسباني لم يكن من ذكر اسم سبتة بحد ذاته، وإنما من الجمع بين ثلاثة عناصر: الملك، الخطاب الديني، مصطلح التحرير. وهو ما اضفى قيمة السياسية على الخطاب.
سادساً: الدين بوصفه ذاكرة سياسية، خصوصية الحالة المغربية. ان الحديث عن سبتة من خلال القاضي عياض والعزفي لا يعني بالضرورة “تديين” النزاع الترابي، بل يمكن فهمه بوصفه إعادة بناء للذاكرة الوطنية من خلال الدين والثقافة، فالقاضي عياض ليس شخصية سياسية بالمعنى الحرفي للكلمة، والعزفي ليس رجل دولة. لكنهما يمثلان الرأسمال الرمزي لمدينة سبتة داخل التاريخ الإسلامي المغربي. ومن هنا يطرح السؤال: هل يمكن فصل الأرض عن الذاكرة التي أنتجتها؟ فبالنسبة للخطاب المغربي: يبدو أن الجواب هو لا. أما بالنسبة للخطاب الإسباني، فالمسألة تُفهم باعتبارها مطالبة بالسيادة على مدينتين إسبانيتين. وهنا جوهر الصراع: فالمغرب يدافع عن استمرارية الذاكرة؛ وإسبانيا تدافع عن “استمرارية السيادة”.
سابعاً: من الخطاب السياسي إلى “حرب الذاكرة”، ان التطور الأهم في قضية سبتة ومليلية هو تحولها الى حرب الروايات. فلم يعد الصراع يدور فقط حول: الحدود؛ السيادة؛ الاتفاقيات؛ الأمن؛ والهجرة. بل أصبح يدور أيضاً حول: من يملك ذاكرة المدينة؟ من يملك تاريخها؟ كيف يتم تدريس تاريخها؟ ما اسمها؟ كيف توصف؟ من ينتج صورتها في الإعلام؟ ومن يحدد معنى وجودها داخل الذاكرة الوطنية؟ وهذه نقطة بالغة الأهمية والحساسية بالنسبة للمغرب. فإذا كان المغرب يريد تطوير حضوره في قضية سبتة ومليلية، فإن الوثيقة التاريخية والأرشيف والبحث الأكاديمي والإعلام تصبح أدوات لا تقل أهمية عن الدبلوماسية التقليدية.
ثامناً: هل نحن أمام تحول في استراتيجية المغرب؟ ان المعطيات الحالية تكفي للحديث عن تحول استراتيجي كامل.. بل ويمكن الحديث ايضا عن تراكم جديد في خطاب سبتة ومليلية. فخلال المرحلة الأخيرة ظهر الملف في: الخطاب السياسي، النقاش الأمني، أزمة الهجرة، حرب المعلومات، الخطاب التاريخي، الذاكرة الدينية. وهذا التعدد في مستويات الخطاب بالغ الاهمية. فهو يجعل القضية أكثر حضوراً في المجال العمومي المغربي، ويجعل تجاهلها أصعب في المجال الإسباني.الا انه ينبغي الانتباه إلى أن الإفراط في الخطاب التصعيدي قد تكون له كلفة دبلوماسية كبيرة، خصوصاً إذا جرى تفسير المفردات التاريخية باعتبارها تهديداً أمنياً مباشراً.
ولهذا فإن قوة الخطاب المغربي ستكون أكبر عندما يظل:
تاريخياً، قانونياً، حضارياً، ودبلوماسياً، لا عسكرياً.
تاسعاً: المفارقة الإسبانية، فإسبانيا تعتبر سبتة ومليلية جزءاً من أراضيها، وترفض وصفهما بالمناطق المحتلة.
الا انه بمجرد ما ذكر وزير مغربي سبتة أمام الملك، حتى في سياق ديني وتاريخي، تتحول المسألة في جزء من الإعلام الإسباني إلى قضية أمن قومي وسيادة وطنية.
وهو ما يكشف أن القضية لم تُحسم على مستوى الوعي السياسي الإسباني، حتى ولو كانت مدريد تعتبر الوضع القانوني والسيادي محسومًا من وجهة نظرها. فالملف ما زال حياً. وكلما أعاد المغرب إنتاج ذاكرة سبتة، اضطرت إسبانيا إلى إعادة إنتاج رواية إسبانيتها. وهكذا تستمر معركة الرواية.
عاشراً: ما الذي ينبغي أن يفعله البحث الأكاديمي المغربي؟ انه إذا كانت سبتة ومليلية ستعودان إلى مركز النقاش الوطني، فلا ينبغي أن يظل التعامل معهما أسير الشعارات. فالاولوية اليوم لبناء معرفة علمية مغربية حول المدينتين. وهو ما يتطلب: جمع الوثائق المغربية والإسبانية والبرتغالية المتعلقة بسبتة ومليلية. إعادة دراسة تاريخ المدينة قبل الاحتلال الإسباني. دراسة الشبكات العلمية والدينية التي ربطت سبتة بالمغرب والأندلس. إنشاء قاعدة بيانات للعلماء والأسر والوثائق المرتبطة بالمدينة. تحليل الخطاب الإسباني حول سبتة ومليلية… تطوير إعلام مغربي متخصص في الملف. وإدخال القضية في برامج البحث الجامعي بعيداً عن التوظيف السياسي الضيق، لان القضية التي لا تنتج معرفة حول نفسها تترك للآخرين مهمة إنتاج روايتها.
في الختام، سبتة بين الذاكرة والسيادة، ان كلمة أحمد التوفيق أمام الملك محمد السادس لا ينبغي أن تقرأ باعتبارها مجرد فقرة عابرة في مناسبة دينية.
بل إنها حلقة جديدة في إعادة إدخال سبتة إلى الذاكرة الرسمية المغربية من بوابة التاريخ الديني والعلمي.
وقد جاء اختيار القاضي عياض والعزفي في هذا السياق ذي دلالة خاصة، لأنهما يقدمان سبتة ليس باعتبارها موقعاً جغرافياً فقط، وإنما باعتبارها جزءاً من المجال الثقافي والعلمي الذي تشكلت داخله الذاكرة الدينية المغربية. أما رد الفعل الإسباني، فقد أكد أن الرسالة وصلت الى مدريد، وفي هذا السياق، جددت الحكومة الإسبانية تمسكها بسيادتها على سبتة ومليلية، كما تعامل الإعلام الإسباني مع كلمة التوفيق باعتبارها تطوراً في الخطاب المغربي حول المدينتين. لذلك يمكن تلخيص المشهد في معادلة واحدة: فالمغرب يعيد بناء قضية سبتة من الذاكرة إلى التاريخ، ومن التاريخ إلى الهوية، ومن الهوية إلى المطالبة؛ وإسبانيا تعيد بناء دفاعها من السيادة إلى الأمن، ومن الأمن إلى الوجود الإسباني. وهنا بالضبط تبدأ المعركة الحقيقية: معركة الرواية قبل معركة السياسة.
وما من شك ان الأيام المقبلة ستكون مهمة لمعرفة ما إذا كانت إشارة التوفيق ستظل رسالة رمزية مرتبطة بالمولد النبوي، أم ستندرج ضمن مسار أوسع لإعادة صياغة الخطاب المغربي حول سبتة ومليلية، خصوصاً أن الأزمة الأخيرة جعلت الملف أكثر حضوراً في العلاقات المغربية الإسبانية.
مقال خاص لصحيفة قريش – لندن



















































