فاروق الدباغ
في الدول التي تحترم مؤسساتها، تُقاس قوة الدبلوماسية بعدد الاتفاقيات التي أبرمت، والاستثمارات التي جذبت، والأزمات التي منعتها، والمكانة التي صنعتها للدولة. أما في البيئات التي يغلب عليها الاستعراض الإعلامي، فإن النقاش السياسي كثيراً ما ينحدر إلى لغة الإثارة والمقارنات الشعبوية، حتى يصبح الحديث عن سيارة فارهة أو “بلوكر” أكثر حضوراً من الحديث عن الاستراتيجية الوطنية.
الدعوة إلى إنشاء لوبي عراقي في واشنطن ليست فكرة جديدة، بل إن معظم الدول المؤثرة تمتلك شركات ضغط وعلاقات عامة تعمل بصورة قانونية للدفاع عن مصالحها داخل الولايات المتحدة. هذه قضية يمكن مناقشتها بعقلانية من حيث الجدوى، والكلفة، وآليات الرقابة والشفافية.
لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول الفكرة إلى خطاب يقوم على السخرية والمبالغات من قبيل: “ثمن عشر سيارات جي كلاس يكفي للتأثير في القرار الأمريكي”. فالعلاقات الدولية لا تُشترى بهذا التبسيط، ولا تُدار بلغة المقارنات الشعبوية، بل تُبنى عبر مؤسسات قوية، وسياسات مستقرة، واقتصاد فاعل، ودبلوماسية محترفة.
والأكثر إثارة للاستغراب هو الانتقال من انتقاد الأداء الدبلوماسي العراقي إلى تقديم وزير الخارجية بوصفه شرط نجاح أي زيارة رسمية إلى واشنطن، وكأن الدولة العراقية اختُزلت في شخص واحد.
إذا كان وزير الخارجية هو مفتاح النجاح الحقيقي، فمن المشروع أن يُطرح سؤال بسيط:
ماذا حققت الدبلوماسية العراقية خلال السنوات الماضية؟
أين النجاحات التي جعلت العراق لاعباً إقليمياً مؤثراً؟ أين المبادرات التي أعادت بغداد إلى مركز صناعة القرار؟ وأين الاتفاقيات الاقتصادية الكبرى التي غيّرت موقع العراق في العالم؟
فالعراق، رغم إمكاناته الهائلة، ما يزال في كثير من الملفات متلقياً للأحداث أكثر من كونه صانعاً لها. وهذا لا تتحمله وزارة واحدة، لكنه أيضاً لا يسمح بتحويل أي مسؤول إلى نموذج استثنائي بعيداً عن التقييم الموضوعي.
إن قوة وزير الخارجية لا تُقاس بإجادته اللغة الإنجليزية فقط، بل بقدرته على تحويلها إلى نتائج سياسية واقتصادية وأمنية ملموسة. فاللغة أداة، أما الإنجاز فهو المعيار الحقيقي.
لقد آن الأوان لأن يغادر الخطاب السياسي العراقي مرحلة “الترند” و”البلوكر” و”الجي كلاس”، وأن يعود إلى لغة الأرقام والمؤشرات والنتائج. فالشعوب التي تواجه أزمات مالية، وتراجعاً في الخدمات، وملفات فساد معقدة، لا تحتاج إلى خطابات تستدعي مفردات الاستعراض، بل تحتاج إلى رؤية واضحة تعيد للدولة هيبتها ولمؤسساتها احترامها.
السياسة ليست مسابقة في إطلاق العبارات الجاذبة، ولا مهرجاناً إعلامياً يبحث عن أكثر المقاطع تداولاً. إنها مسؤولية تاريخية. وعندما يصبح الخطاب السياسي أسيراً للفراغ الإعلامي، فإن أخطر ما نخسره ليس صورة المسؤول، بل صورة الدولة نفسها.



















































