قراءة لإعادة سردية هندسة تغريبة السبي للحسين (ع) في تشيع برزخ جثمان الخامنئي؟مناورة طهران لكسر أنف واشنطن وتل أبيب لتثبيت الوصاية على العراق؟
صباح البغدادي
يستعد العراق خلال الأيام المقبلة لحدث استثنائي وسابقة تاريخية , وما يزال في كثير من جوانبه مجهول المؤشرات والهوية ، ومن حيث بأنه لم يشهد له مثيلاً منذ إعلان تأسيس الدولة؛ ففي تاريخ بلاد الرافدين، طالما تميزت جنائز كبار مراجع النجف بالبساطة والرمزية الروحية البعيدة عن التوظيف السياسي . لكننا اليوم نعيش زمن التحولات الكبرى وإعادة ترسيم خرائط النفوذ والجغرافيا السياسية للأمن القومي في الشرق الأوسط . إن هذا الحدث التاريخي والذي سوف يضرب في أساسيات ترسيخ جذوره بالعراق والمنطقة ككل لعقود قادمة كان بداياته حدثت قرابة الساعة التاسعة والنصف ومنذ صباح الأول من رمضان 1447 هـ والموافق 28 شباط 2026 ، هذه اللحظة المفصلية التي دخلت فيها إيران ومحيط إقليمها واحدة من أكثر المنعطفات حساسية في التاريخ الحديث، إثر مقتل المرشد الأعلى آية الله “خامنئي” في الضربة “الأمريكية-الإسرائيلية” الافتتاحية للحرب الشاملة . ولكن بعد مرور أكثر من أربعة أشهر من الغموض العسكري والترقب الذي ما يزال مسيطر على اجواء المنطقة ، فقد أعلنت “طهران” أخيراً عن انطلاق المراسيم الرسمية لتشييع بين يومي السبت 4 و الخميس 9 تموز 2026 والموافق 18 إلى 23 محرم 1448هـ، في رحلة جنائزية ” حسينية ” عابرة للحدود تمتد من طهران وقم ، لتخترق الجغرافيا العراقية عبر محافظتي كل من كربلاء والنجف ، وصولاً بعدها إلى مستقرها الأخير , حيث يُنقل الجثمان إلى محطته الأخيرة في مدينة مشهد، حيث يُوارى الثرى في “الحرم الرضوي” بالتزامن مع ليلة ذكرى “استشهاد الإمام السجاد” وفي إشارة إلى الامام علي زين العابدين، نجل الحسين (ع)ومن رحم هذا الحشد المليوني المنتظر والمصمم والذي سيكون لنا دون شك على نسق سردية “التغريبة الحسينية” ولذا سوف نحاول في هذا التحليل الاستباقي تفكيك صيغ الهيمنة، والمشاريع المرتقبة حول ما ستكون عليه الحرب الدينية المضادة الموجهة من طهران نحو واشنطن، وتل أبيب، والمنظومة الغربية، والعواصم الخليجية؛ لإثبات أن العراق بات جزءاً لا يتجزأ من الأمن القومي الإيراني في مرحلة ما بعد عام 2003، وهي الرسالة الصادمة التي تسعى طهران لترسيخها في العقل الجمعي العراقي كأمر واقع لا رجعة فيه ولا مفر منه.
ففي هذا المشهد الجنائزي ، الذي ستتسابق لنقله شاشات التلفزة الإخبارية المحلية، والعربية، والعالمية على حد سواء، لا ننا سوف لن نقف فقط لنشاهد أمام مجرد تغطية لحدث تأبيني، بل أمام محاولة استراتيجية لتفكيك وفهم السردية الأيديولوجية التي تطبخها طهران بعناية بعيدا عن وسائل الإعلام ؛ وهي سردية تهدف عبرها إلى غرس مفاهيم ‘المظلومية والمقاومة الشاملة’ واستعادة التاريخ لما حدث للحسين (ع) وآل البيت واسقاطها على الحدث الجنائزي للخامنئي وترسيخه في الوعي والعقل الجمعي العاطفي العراقي لعقود قادمة . إن إيران لا تبحث في شوارع النجف وكربلاء عن دموع العزاء والبكاء المواطنيين، بل تبحث عن صناعة “مصدات بشرية وعقائدية مستدامة لعقود طويلة قادمة” وتضمن من خلالها أن يظل الجدار الدفاعي الأول لأمنها القومي متماسكاً وغير قابل للاختراق، حتى بعد غياب أعلى هرم في قيادتها وتحت هذا الوابل من الضخ الإعلامي الموجه، ومن هنا حيث تكتمل الزاوية الإعلامية , إذ لم تعد هذه القراءة محاولة لتفكيك سرديتها ومقتصرة على تفكيك الجانب الأمني والسياسي الفوري فحسب، بل سوف نحاول معها ان تمتد لتكشف آليات التلاعب بالوعي وصناعة السرديات العاطفية المستدامة والتي ستحاول معها قدر الإمكان ان تضمن طهران من خلالها ديمومة نفوذها الروحي والميداني على أرض الواقع ولان التشييع سيكون بلا شك منصة سياسية وإعلامية جبارة لطهران وحلفائها لإبراز نفوذهم المطلق وتوجيه رسائل تحدٍّ مباشرة للغرب . ومع ذلك، فإن “البيت الأبيض” قد يرى في هذا “الطوفان البشري” استعراضاً مؤقتاً تسيطر عليه الفصائل المسلحة، بدلاً من كونه إجماعاً عراقياً شاملاً، مما يعني أن الحسابات الأمريكية المستقبلية ستعتمد على كيفية ترجمة هذا الحشد إلى أفعال سياسية وعسكرية على الأرض في مرحلة ما بعد التشييع . لان استقبال حدث لا يمكن قراءته فقط ضمن الأطر الدينية التقليدية، بل كمنعطف جيوسياسي بالغ التعقيد يمر عبر بوابة الجغرافيا العقائدية العابرة للحدود . إن قرار طهران بنقل جثمان المرشد الأعلى الراحل “خامنئي” حتى ولو كان رمزيآ , لطوافه في النجف الأشرف وكربلاء، يحمل في طياته أبعاداً استباقية تتجاوز مظاهر العزاء، لتتحول إلى وثيقة سياسية حية مكتوبة بحشود مليونية، تهدف إلى إعادة رسم خطوط النفوذ في المنطقة وضرب الاستراتيجية الأمريكية الإسرائيلية في عمقهم الاقليمي؟ ولذلك ستكون ترسيخ سردية فلسفة التوظيف في العقل الجمعي الجماهيري , حيث تدرك طهران تماماً الفارق بين النفوذ السياسي العابر والنفوذ العقائدي الراسخ في الوجدان الجماهيري الشيعي . ومن هذا المنطلق، يأتي التشييع المنتظر كفرصة مثالية لترسيخ “حق الوصاية” في العقل الجمعي العاطفي العراقي. لان المشهد الجنائزي سيكون المصمم بعناية —والذي تحتشد فيه ملايين الحناجر بشعارات موحدة قد صاغتها الفصائل والأحزاب العقائدية الولائية— يهدف إلى إيصال رسالة حاسمة الى الخارج وحتى الداخل لا لبس فيها او تأويل مفادها بأن :” العراق ليس فقط مجرد حليف لجمهورية إيران الإسلامية، بل هو العمق الاستراتيجي الأهم الذي تذوب على أعتابه الحدود السياسية والمصالح القومية الضيقة، تلتحم فيه المسارات السياسية والاقتصادية والدينية في كتلة واحدة غير قابلة للتفكيك أو الزوال ” ولذا ومن منظور التحليل السياسي، فإن قراءتنا لسيناريو التشييع وباعتباره “رسالة وصاية” واستعراضاً للعمق الاستراتيجي الإيراني نعتقدها بأنها ستكون قراءة واقعية جداً وتستند إلى مؤشرات ملموسة في مشهد العلاقات الإيرانية العراقية.
ومنها إحراج الدولة لان هذا الحدث يضع الحكومة العراقية في موقف معقد جداً؛ فهي مطالبة بتأمين التشييع وحفظ الأمن، وفي نفس الوقت تحاول الحفاظ على علاقاتها الدبلوماسية والاقتصادية مع الغرب وتجنب تصنيف العراق كـ”ولاية تابعة تماً لطهران” وبما ان خصوصية النجف وعلى الجانب الديني، وسوف يمثل لنا هذا الحدث اختباراً دقيقاً لـ”حوزة النجف” التي طالما حرصت على تميزها واستقلاليتها عن نظرية “ولاية الفقيه” في قم؛ ولذا فإن طريقة التفاعل الرسمي والشعبي في النجف ستحمل تفاصيل هامة لا يمكن اهمالها لان التحدي الداخلي سيكون قائما ومن خلال موقف كل من الدولة العراقية والمرجعية المحلية لان التعبئة الفصائلية الولائية ستكون مقابل الرأي العام ؟ وهنا يجب أن نقف قليلا ومن خلال سياق ما تطرقنا اليه فان خيار صدمة “الطوفان البشري” في حسابات “البيت الأبيض” لان هذا الحشد المرتقب سيكون تحدياً مباشراً وصريحاً للتوجهات الأمريكية الرامية إلى “تحرير” القرار العراقي. فبينما يضغط البيت الأبيض على الحكومة في بغداد لإنهاء التبعية، وفك الارتباط الاقتصادي بالطاقة الإيرانية، وحصر السلاح بيد الدولة، يأتي هذا “الطوفان البشري” ليعيد صياغة الواقع على الأرض. طهران بدورها تريد إفهام واشنطن بأن أي خطط أمريكية لعزل العراق أو تقليص النفوذ الإيراني فيه هي خطط معزولة عن الواقع الشعبي والميداني وإن الشعارات المعادية لأمريكا والغرب التي ستملأ شوارع بغداد وسامراء وبالأخص النجف وكربلاء ستجبر صناع القرار في “واشنطن” على إعادة حساباتهم، حيث سيصطدم الطموح السياسي الأمريكي بواقع بشري وفصائلي صلب ومعادٍ علناً لوجودهم .
وهنا تدرك واشنطن جيدا بأن الفصائل والأحزاب “الولائية” تمتلك قدرة تنظيمية ولوجستية هائلة على حشد وتوجيه الجماهير في مثل هذه المناسبات الدينية . ولكنها في المقابل قد تقارن هذا الحشد بوجود تيارات عراقية أخرى (سياسية وشعبية) ترفض التدخل الخارجي وتطالب بحصر السلاح بيد الدولة، وهو ما يجعل “واشنطن” ترى الشارع العراقي مجزءاً وليس على قلب رجل واحد. وتبقى الحسابات العسكرية والسياسية حاضرة في واشنطن فقد لا تغير استراتيجياتها الكبرى بناءً على “المظاهرات والشعارات” فقط، بل بناءً على التهديدات العسكرية المباشرة ومصالحها الحيوية. والتشييع الجنائزي المنتظر قد يدفع البيت الأبيض لتوخي الحذر الأمني، ولكنه قد يدفع أيضاً نحو تشديد العقوبات وتعميق العزلة على الأطراف الموالية لطهران في بغداد. وعلى الرغم من قوة المشهد البشري والشعارات، فإن مراكز صنع القرار في واشنطن غالباً ما تحلل هذه الأحداث من زاويتين : ” كيف سينظر التحالف الغربي لهذا “الطوفان البشري”؟ وكذلك تجاوز الحدود السياسية لان طواف جثمان المرشد الأعلى في النجف وكربلاء هو إعلان عملي من طهران بأن فكرة “الحدود السياسية” تذوب أمام الروابط العقائدية ” وهن تبرز لنا قوة استعراض القوة الناعمة والخشنة لان المشاركة الجماهيرية المليونية المتوقعة والشعارات التي سوف يتم إطلاقها عند مراسم التشيع المناهضة للولايات المتحدة وإسرائيل والغرب ستُستغل لتقديم دليل مرئي لواشنطن بأن العراق يمثل “العمق الاستراتيجي” الأهم لطهران أمنياً، وسياسياً، واقتصادياً، ودينياً. واجتماعيا وورقة تفاوضية بدموع طوفان الحشود الجماهيرية , مما يعني لنا بأن طهران تريد القول :” بإن أي ترتيبات مستقبلية لأمن المنطقة لا يمكن أن تتجاوز نفوذها، وأن الشارع العراقي جاهز للتحرك ككتلة بشرية واحدة ضد أي مشروع أمريكي والرسائل الإيرانية هي تأكيد “البيئة الصديقة” والعمق الاستراتيجي”.
أما بالنسبة لما يمكن أن تكون عليه السيناريوهات المتوقعة لردود الفعل التركية والخليجية , حيث تنظر العواصم الإقليمية المحيطة بالعراق إلى هذا الاستعراض البشري والعقائدي بكثير من التوجس والقلق ، حيث سيتأثر سلوكها السياسي والأمني بشكل مباشر ومن خلال ما سوف تنتج عنه مستقبل الاتفاقية الأمنية والوجود العسكري الأمريكي في العراق , ففي الجانب التركي سيكون اهم ما يشغلها هو إدامة تأمين الحدود الشمالية لان أنقرة ستعتبر هيمنة الخط الموالي لطهران على الدولة العراقية بمثابة ضوء أحمر؛ مما يدفعها لتكثيف عملياتها العسكرية المستقلة في إقليم كردستان وشمال نينوى لمنع الفصائل من التمدد نحو حدودها بالمستقبل لان “طريق التنمية” سيكون حاضرا ضمن أولوياتها الاستراتيجية , حيث تخشى تركيا أن يؤدي هذا الانزلاق الكامل للعراق نحو المحور الإيراني إلى وأد مشروع “طريق التنمية” الاستراتيجي (الذي يربط الخليج بأوروبا عبر العراق) أو تحويله لخدمة مصالح طهران الاقتصادية فقط وبالمقابل سوف تستخدم انقرة بدورها ملف المياه والطاقة وملفات حصص المياه العابرة للحدود كورقة ضغط تقييدية على الحكومة في بغداد لضمان عدم تحول العراق إلى قاعدة انطلاق لتهديد المصالح التركية واستغلال ما تبقى من حركات انفصالية كردية ما يزال تواجدها في بعض المناطق الجغرافية الجبلية , واما فيما يخص الجانب الخليجي ( الرياض وأبوظبي تحديداً) ستكون سياسية الانكفاء والدبلوماسية الحذرة لانها سترى عواصم الخليج في هذا الطوفان البشري دليلاً على فشل سياسة “احتواء بغداد” وإعادتها للحضن العربي عبر الدبلوماسية الهادئة، مما قد يدفعها إلى تقليص تمثيلها أو تجميد الانفتاح السياسي مؤقتاً. او من خلال اتباع سياسة التحوط الاقتصادي والمالي وبالتالي سيتراجع الحماس الخليجي للاستثمار في الداخل العراقي، خوفاً من تعرض هذه الاستثمارات للمصادرة أو الابتزاز من قبل الفصائل العقائدية العابرة للحدود، بالإضافة إلى الخشية من شمول الاقتصاد العراقي بعقوبات غربية صارمة. وبالتالي التحول الى التنسيق الأمني المباشر مع واشنطن وستدفع هذه التطورات دول الخليج إلى تعزيز منظومتها الدفاعية المشتركة مع الولايات المتحدة، تحسباً لأي تمدد لموجة “محور المقاومة والممانعة” خارج الحدود العراقية بعد مرحلة إعادة ترتيب الأوراق الإيرانية. وسيمثل هذا التشييع المليوني ذروة الضغط السياسي والميداني للمطالبة صراحة لإنهاء أي أثر للوجود العسكري الأمريكي، حيث قد تتحرك الأحداث في مسارين متوازيين ومن خلال :
(*) تجميد التنسيق المشترك: ستقوم الفصائل والأحزاب العقائدية بالضغط على الحكومة العراقية لتعليق كامل بنود “اتفاقية الإطار الاستراتيجي” مع واشنطن، واعتبار أي تواصل أمني بمثابة خيانة لدموع الحشود.
(*) تشريع نيابي حاسم: سيعمل الإطار التنسيقي وحلفاؤه داخل البرلمان على تحويل الزخم الشعبي للتشييع إلى تفويض تشريعي ملزم يفرض جدولاً زمنياً فورياً وغير قابل للتفاوض لانسحاب كافة المستشارين وقوات التحالف الدولي.
ويتبقى لنا كيفية ان تحتفظ مرجعية النجف الأشرف، والمتمثلة في آية الله العظمى “السيستاني”، بمسافة واضحة وثابتة تفصلها عن نظرية “ولاية الفقيه المطلقة” المتبناة في طهران. وفي حال حدوث حدث استثنائي كطواف جثمان المرشد الأعلى الإيراني الراحل في النجف، فإن المرجعية ستتعامل بحذر شديد لرسم حدود صارمة تمنع التوظيف السياسي الإيراني للحدث، وذلك عبر مسارات محددة وقد تعمل مرجعية النجف في امتصاص الزخم السياسي للحدث عبر “الدبلوماسية الصامتة” حيث ستمنح الجثمان التكريم الديني اللازم لقطع الطريق على أي اتهامات بالعداء، ولكنها في الوقت ذاته تتحصن خلف استقلاليتها التاريخية لمنع طهران والفصائل من تحويل النجف إلى منصة لإعلان الوصاية السياسية الإيرانية على العراق. ومن خلال العمل على بروتوكول ديني صارم ومن حيث خضوع إدارة العتبات المكدسة في كل من النجف وكربلاء لإشراف المرجعية في النجف. وبما ستفرض هذه الإدارات إجراءات صارمة داخل الصحن الشريف، تمنع رفع الشعارات الحزبية، أو الصور السياسية، أو الهتافات العابرة للحدود داخل الحرم، والتركيز فقط على المراسيم العبادية والزيارة المعتادة للجنائز ومن حيث ما سوف يمثله التشييع تحدياً لخصوصية النجف؛ ولذا قد تحرص الحوزة العلمية على إظهار هويتها المستقلة الرافضة لدمج الدين بالدولة على الطريقة الإيرانية. ومع التشدد على حفظ هيبة الدولة العراقية وطالما أكدت مرجعية النجف على ضرورة حصر السلاح بيد الدولة واحترام السيادة العراقية؛ وبالتالي، فإن أي سلوك للفصائل يتجاوز مؤسسات الدولة الرسمية خلال التشييع سيعزز من موقف المرجعية التقليدي الداعي لضبط السلاح وحماية السلم الأهلي ومع الأهم بتأكيد سيادة النجف واستقلاليتها التاريخية ومن خلال بيان تعزية بروتوكولي حيث تكتفي المرجعية عادة في مثل هذه الظروف بإصدار بيان تعزية قصير ومقتضب، يركز على الجوانب الروحية والدينية، ويتجنب استخدام المصطلحات السياسية الحماسية أو شعارات “محور المقاومة والممانعة” بحيث لا تفسر من خلالها التعبئة فلن تصدر المرجعية النجفية أي دعوات أو فتاوى تحث المواطنين العراقيين على المشاركة الإلزامية في التشييع، تاركة الأمر كخيار شخصي للمواطنين، ومما يفرغ الحشد الفصائل الولائية من غطائه الشرعي العراقي الرسمي وعلى العكس مما سوف تقوم عليه هذه الفصائل الولائية ومن خلال حث الناس والمواطنين بضرورة الالتزام التام بالحضور الشخصي لمراسم التشيع مع اصطحاب حتى الأطفال اسوة بما حدث بتابين الحسين واستغلال المناسبات الدينية بل سوف تصدر فتاوي بان واجب الحضور لمراسم التشييع كواجب حضوره مناسبات الدينية لمراسم تشييع الحسين (ع) في عاشوراء ؟ولذا سوف تحاول قدر الإمكان ان تتعامل المرجعية مع الحدث من منظور فقهي بحت وكونه تشييعاً لعالم دين شيعي بارز، وهو ما يتطلب إبداء الاحترام المعتاد دون إعطاء صبغة سياسية. وبالتالي فان لنا قراءة اخرى نجدها قد تكون حاضرة حول غياب المشاركة السياسية المباشرة ومن المستبعد جداً أن يشارك السيد السيستاني أو كبار مراجع النجف شخصياً في المسيرات الجماهيرية التي تنظمها الفصائل الولائية العقائدية المسلحة، وذلك لقطع الطريق أمام أي محاولة لتصوير الحشد كـ”مبايعة شعبية لخط طهران السياسي” ويبقى ان يكون هناك ترسيخ الفصل بين “المواساة الدينية” و”المبايعة السياسية” لان ما نحاول ان نلقي الضوء عليه قدر الإمكان ومن خلال هذه القراءة الاستباقية فإننا نعتقد بان “طهران” اليوم ليست بحاجة ان تختبئ خلف الكواليس الدبلوماسية ؛ فالحدث سوف يمثل استعراضاً لـ”الوصاية الشاملة” وفرضاً للأمر الواقع على العقل الجمعي العراقي. والرسالة الإيرانية المكتوبة بالحشود المليونية التي تحركها الماكينة اللوجستية للفصائل والأحزاب “الولائية” المسلحة عابرة الحدود واضحة وصريحة لان العراق سيكون في محاولة ترسيخ المفاهيم بأنه ليس حليفاً ولا جاراً، بل هو “العمق الاستراتيجي التابع” والمطلق لإيران. من خلال هذا الطوفان البشري، تعلن طهران ذوبان السيادة العراقية وضياعها بالكامل، لتلتحم مقدرات بغداد السياسية والاقتصادية والدينية في سلة التابعية الإيرانية دون قيد أو شرط. فلن تتوقف مراسيم الحشد الجنائزي ورسائله التي ستكون علنية او مبطنة ومن خلال قراءتنا الى الاستشراف الجيوسياسي لما بعد التشييع , ففي المحصلة، لن يكون تشييع المرشد الأعلى في العراق مجرد مناسبة لتأبين قائد رحل، بل هو مناورة جيوسياسية حية تستخدم فيها طهران القوة الناعمة العقائدية لتثبيت أقدامها كوصي شرعي على مقدرات العراق. وبينما تسعى إيران لإحداث صدمة بصرية وسياسية تجبر البيت الأبيض على التراجع، يبقى الرهان الدبلوماسي مستقبلاً على مدى قدرة مؤسسات الدولة العراقية ومرجعية النجف التقليدية على استيعاب هذا الطوفان وإعادة رسم الحدود الفاصلة بين الاحترام الديني والتبعية السياسية المطلقة. لان مستقبل الوجود الأمريكي وبما يكون عليه من الزخم الشعبي للتشييع إلى قوة ضغط سياسية وتشريعية هائلة داخل البرلمان العراقي يتبناها قادة الإطار التنسيقي، والأحزاب والفصائل الولائية العقائدية العابرة للحدود بهدف التعجيل بإنهاء “اتفاقية الإطار الاستراتيجي” وطرد المستشارين الأمريكيين، مع فرض طوق أمني وفصائلي مشدد حول قواعد مثل “عين الأسد” كترجمة ميدانية لرسائل الثأر والردع الإقليمي الحذر ودون شك ستنظر العواصم المحيطة، لا سيما الرياض وأبوظبي وأنقرة، إلى هذا الاستعراض بكثير من التوجس. قد تدفع هذه الصورة دول الخليج إلى إبطاء وتيرة اندماجها الاقتصادي مع بغداد تشكيكاً في استقلالية القرار العراقي، وبينما قد تندفع تركيا لتعزيز حضورها العسكري شمالاً لحماية حدودها من تمدد الفصائل العابرة للحدود. ومعادلة الحكم الداخلي مما سيضع هذا الحدث الحكومة العراقية في أضعف مواقفها، حيث ستجد نفسها مجبرة على التماهي مع هذا التشييع المليوني وتأمينه، مما يحرجها أمام المجتمع الدولي ويقوض مساعيها الرامية لبناء علاقات متوازنة مع الغرب مبنية على السيادة الكاملة. وإن النتائج المترتبة والتي تسعى طهران لترسيخها من خلال هذا الحدث الاستثنائي ستترك أثراً عميقاً على ثلاثة مسارات رئيسية:
وفي خاتمة قراءتنا لحقيقية جغرافية النفوذ ومسار التغريبة الجنائزية العقائدية لان في المحصلة النهائية ، لا تمثل رحلة الجثمان الممتدة من مركز القرار السياسي في طهران إلى حوزة قم، مرورا بمدن الرمزية والاستشهاد الشيعي للحسين (ع ) في كربلاء والنجف، وصولاً إلى مستقرها الأخير في مشهد، مجرد مراسم تشييع عابرة؛ بل هي إعادة تفعيل وإحياء “لتغريبة السبي التاريخية” ومسيرة آل البيت بعد واقعة الطف بكربلاء في الوعي والوجدان الشيعي الجمعي . إن طهران، من خلال هندسة هذا المسار الجغرافي، لا تؤبن قائداً راحلاً فحسب، بل ترسم بالخط العريض خارطة نفوذها الجيوسياسي العابر للحدود. إنها رحلة تختزل ديناميكية المحور بالانتقال المدروس من مركز السلطة والقرار السياسي، مروراً بـمنبع الشرعية الفقهية والدينية ، وصولاً إلى أيقونات التضحية والاستشهاد، لتنتهي عند مستقر الثقل الروحي وإن طهران، التي اهتز هرم قيادتها في ضربة فبراير 2026 الصادمة، تستخدم هذا الخط الجغرافي كـوثيقة إعلان حية لـ”الوصاية الشاملة” العابرة للحدود السياسية. إنها رحلة تختزل ديناميكية المحور عبر الانتقال المدروس من مركز السلطة والقرار السياسي ومما يحول الجنازة إلى رسالة حاسمة وموجهة إلى البيت الأبيض وحلفائه في المنطقة، ومفادها: أن الخطوط الأمامية للأمن القومي الإيراني قد ثبتت ركائزها نهائياً في عمق بغداد، وأن تفكيك هذا الترابط بات أبعد من حدود الإمكانات العسكرية والسياسية الغربية.
ويتبقى لنا ان ننوه فقط , انها ومن حقها الشرعي والقانوني الذي لا جدال فيه بان تعلن السلطات الإيرانية 3 أيام عطلة رسمية في طهران بمناسبة مراسم تشييع المرشد الأعلى الراحل ولكن ان تنعكس لنا هذه المفارقة السريالية والمواطن العراقي يموّل رمزية النفوذ الإيراني من قوته اليومي فهذا ما لا نستطيع ان نتركه يمر مرور الكرام وبينما يشتعل صيف تموز اللاهب في العراق، تتهيأ محافظتا النجف الأشرف وكربلاء لتعطيل تام في دوائرهم الرسمية —باستثناء الكوادر الطبية والدفاع المدني— لا لاستيعاب موجة الحر الحارقة أو لتوفير الكهرباء حسب ما يظن للوهلة الأولى القارئ ، بل لاستقبال مشهد جنائزي عابر للحدود. وهنا يجب ان نتوقف مجبرين إزاء هذا المشهد الجنائزي السريالي لأنها سوف تبرز المفارقة المالية الأكثر مرارة؛ ففي الوقت الذي تعاني فيه الخزينة العراقية من عجز خانق وتكافح لتوفير رواتب موظفيها وتأمين لقمة عيش مواطنيها، تجد بغداد نفسها مرغمة على تحمل العبء المالي الطائل لتأمين وإطعام حشود التشييع. إن الملايين التي ستُصرف على الخدمات اللوجستية والأمنية، والمواد الغذائية، والمشروبات، لن تخرج من خزائن طهران، بل ستُستقطع مباشرة من أموال الشعب العراقي الذي هو في أمسّ الحاجة لكل دينار. إن تحول الحكومة العراقية إلى جهة تمويلية لحدث سياسي وعقائدي يخدم الأمن القومي الإيراني، يعكس خللاً فادحاً في ترتيب أولويات الدولة؛ حيث يُدفع بالمواطن العراقي البسيط لتمويل مظاهر الوصاية الإيرانية على بلاده من قوت يومه ومستحقات عياله.

















































