عبد الرزاق القاروني

جون لوفيفر من أبرز وجوه الكوميديا الفرنسية في القرن العشرين، عشق مراكش، فأسلم فيها الروح، تاركا وراءه فيلموغرافيا غنية ومتميزة تجسد قضايا الشرطة بروح مرحة وطريفة، بحيث كان نجم الفكاهة الشعبية، المتعدد الأبعاد، والذي يضحك، أحيانا، حتى الموت.
ومن الضحك ما قتل
رأى جون لوفيفر النور، يوم 03 أكتوبر 1919 بمدينة فالنسيان بشمال فرنسا، كان أبوه جورج مارسيل خريجا لمعهد الفنون والحرف، ويعمل صانع حدوات للخيل، وأمه زيليا لويز ماتيلد ماسكيليي، ربة بيت. منذ حداثة سنه، أصيب بشلل الأطفال. وبعد دراسة مضطربة، وجد نفسه في الخدمة العسكرية، مع اندلاع الحرب العالمية الثانية، لكنه سرعان ما وقع أسيرا في أيدي الألمان، ليتمكن، بعد ذلك، من الفرار إلى فرنسا سنة 1944. وبعد معانقته للحرية من جديد، عمل في ميادين مختلفة، قبل أن يكتشف شغفه، ويجد ضالته في المسرح، أب الفنون، ما جعله يلتحق بتكوين، في هذا المجال، مكنه من صقل موهبته الكوميدية، التي ستصبح بصمته في ميدان التمثيل، وستجعل منه مضحكا ومبسطا لأجيال من المتفرجين.

ونظرا لحسه الفكاهي الكبير، يعتبر ظاهرة ساخرة نادرة، إذ يصبح الموت من الضحك، بحضوره، شيئا واقعيا، ويكتسي هذا التعبير صدقيته. لقد تسبب هذا الفنان، عبر مساره الفني، في وفاة شخصين، جراء نوبات من الضحك العصية على السيطرة. الوفاة الأولى، كانت ضحيتها امرأة مصابة بالربو، قضت أثناء مشاهدة مسرحية “أريد أن أرى ميوسوف”، والموت الثاني أتى على رجل يعاني من مرض القلب، خلال مشاهدة فيلم “دعونا لا نغضب”.
لم يكن هذا الكوميدي نجما على الشاشة فقط، بل كان، أيضا، بطلا لسلسلة من المغامرات العاطفية، التي تصلح، هي الأخرى، لفيلم مشوق ومثير. فالرجل الذي أضحك ملايين المشاهدين في السينما الفرنسية والعالمية، عاش حياة خاصة حافلة بالزيجات والانفصالات، إذ تزوج أربع مرات، منها مرتين من نفس المرأة !
ومثل جل الممثلين المبتدئين، لقد بدأ مسيرته السينمائية، في خمسينيات القرن الماضي، بأداء أدوار ثانوية، ما لبثت أن لفتت الانتباه، بفضل خفة ظله، وعفويته في التمثيل. لقد كان حضوره على الشاشة محتشما، لكنه مؤثر، ما جعله دائم الحضور في أفلام عديدة.
ومع سلسلة أفلام “السرية السابعة”، سطع نجمه، من خلال تجسيد شخصية الجندي الساذج، التي أحبها الجمهور الفرنسي كثيرا، ما مكنه من أن يصبح أيقونة الكوميديا الشعبية الفرنسية، رفقة زميله الممثل لويس دوفنيس. وعلاوة على ذلك، لقد كان له، أيضا، باع طويل في المسرح، وعبر العديد من البرامج التلفزيونية.

وفي مجال التمثيل، خلف لنا هذا الكوميدي الشهير فيلموغرافيا غنية ومتنوعة، تضم ما يزيد عن مائة فيلم، من أبرزها: “الشيطانات” (1955)، و”الرجل النبيل من إبسوم” (1962)، و”الأعمام المسلحون” (1963)، و”دركي سان تروبيه” (1964)، و”عندما تمر طيور التدرج” (1965)، و”دعونا لا نغضب” (1966)، و”أحمق في باريس” (1967)، و”الرائع” (1973)، إضافة إلى الثلاثية الفيلمية الشيقة حول السرية السابعة (ما بين سنوات 1973 و1977).
ومن الجوانب المميزة لشخصيته، هناك، أيضا، التأليف والغناء، حيث ترك لنا هذا الفنان كتابين سير ذاتيين هما: “لماذا يحدث هذا لي أنا فقط؟” (1984) و”ما الذي يجدونه في؟” (1991)، وكذا مجموعة من الأغاني ذات النبرة الساخرة، من أبرزها: الأغنية الموسومة بـ “شيطان منتصف العمر” (1990).
سان تروبيه المغرب
بعيدا عن أنوار وضوضاء باريس، استقر لوفيفر بمراكش سنة 2002، حيث وجد شيئا يشبهه: العفوية والفكاهة والدفء الإنساني، إضافة إلى بهجة الحياة. لم تكن هذه المدينة، بالنسبة إليه، مكانا للراحة والاستجمام، بل كانت فضاء لمواصلة مشاريعه في الحياة، وملجأ للروح، حيث يخلع قناع الممثل، وجبة النجومية، التي فيها كثير من التكلف والإكراهات، ليصبح إنسانا عاديا، يعيش حياته، بعيدا عن الأضواء.
وقد تعلق بمراكش، لأنه كان يعتبرها مدينة ذات جمال لا يقاوم، تجعل الزائر يغرم بها من أول وهلة، حيث يقول، في هذا الشأن: “مدينة مراكش التي أعرفها، منذ سنوات الخمسينيات، حينما كنت أقوم بجولات في مختلف بقاع العالم، هي مدينة ساحرة، سان تروبيه المغرب”، مضيفا أنه يحب المغرب، منذ مدة، وأن الناس في هذا البلد طيبون، ويقومون بالمستحيل لخدمة الآخر بدون مقابل، ومبرزا أنه، عندما أراد فتح مطعمه بالساحة، قام الجميع بمساعدته، من سلطات محلية ومنتخبين، ومؤكدا أن الاحترام يسود في المجتمع، والابتسامة تعلو محيا الناس، ما جعله يشعر بالطمأنينة والاندماج.
وفي سياق متصل، أعرب عن نيته في قضاء بقية عمره بمراكش، لأن هذه المدينة تمكن الناس من العيش ببساطة، وتجعل المراكشي يشعر بالحبور والسعادة، كلما رأى الأجنبي فرحا. وعلى بعد بضع كيلومترات من ساحة جامع الفنا، كان يتوفر على مسكن فسيح وأنيق بواحة النخيل، حيث عاش بهدوء وطمأنينة، محاطا بزوجته بريجيت لوربور وكلابه وببغائه، إضافة إلى طيور أخرى للزينة.
لقد كانت المدينة الحمراء محطة مغايرة في رحلة حياته. هناك وجد السكينة، بعيدا عن صخب الشهرة الباريسية، وقضى سنواته الأخيرة، مرابضا على مقربة من ساحتها الشهيرة، ومتجولا بين أزقتها الضيقة والمتعرجة، وأسواقها ذات الروائح العبقة، والألوان المزركشة الجميلة.
مطعم البوهيمية
على مشارف ساحة جامع الفنا، قلب مراكش النابض والساحر، كان يمتلك هذا الممثل مطعما مغربيا فرنسيا، افتتحه سنة 2003، يزاوج بين تقديم الترفيه والتغذية الرفيعة، عبر وجبات من المطبخ المغربي الفرنسي، مع لمسات شهية من الذواقة الإيطالية.
وقد أطلق على هذا المطبخ، اسم “البوهيمية”، تكريما لصديقه الحميم المغني الفرنسي شارل أزنفور. الذي أدى أغنية عاطفية تحمل ذات الاسم، واستذكارا لحياة الكدح والمعاناة، التي عاشها في بداية مشواره الفني.
وصمم المكان ليكون مزيجا بين روح باريس العصري، وسحر مراكش الأصيل، ما جعله نقطة جذب للعديد من الفنانين والسياح الأجانب. ويتوفر هذا المطعم على سطح يطل، بشكل بانورامي، على الساحة الشهيرة، حيث يمكن من خلاله مشاهدة الحكواتيين، والمهرجين، وكناوة، وأحواش، والحوزي، ومروضي الثعابين، ونقاشات الحناء، وقارئات الطالع، إضافة إلى العربات المتنقلة لبائعي العصير والأكلات الخفيفة.
وفي هذا الفضاء الاستثنائي، استقبل هذا الفنان المتميز نجوم وشخصيات كبيرة من عالم الفن والإبداع، نذكر من بينهم: جوني هاليداي وزوجته ليتيسيا، وكلود براسور وجون-بيير كاسيل، علاوة على باتريك أدلير وفضيل.

إن هذا المطعم ليس مجرد عنوان للذواقة والطبخ الرفيع، بل يعتبر ذاكرة فنية، وشاهدا على قصة عشق بين المدينة الحمراء وفنان فرنسي من طينة خاصة، إضافة كونه يعد تجسيدا لانصهار وامتزاج الثقافة الأروبية بالروح المغربية.
وبعد رحيل لوفيفر، يوم 09 يوليوز 2004 بإقامة مطعمه بمراكش، إثر نوبة قلبية مفاجئة، فإن هذا الفنان لم يترك وراءه أفلاما فقط، بل خلف، أيضا، أسلوبا في الضحك والحياة. ونحن، اليوم، حين نذكر اسم هذا الفنان، فإننا نستحضر ذكراه التي تعتبر جزءا من الذاكرة الثقافية والفنية للمدينة الحمراء، التي احتضنته، وعاش فيها فصلا ممتعا من حياته، كله دفء وحيوية وانشراح.
عبد الرزاق القاروني– كاتب إعلامي

















































