قصة قصيرة
نشوان عزيز عمانوئيل

ستوكهولم
2026
June 15
في صباح عيد ميلادي، لم يكن هناك شيء مختلف عن الأيام الأخرى… وهذا بالضبط ما كان يزعجني.
المدينة استيقظت كما لو أنها لا تعرف أنني وُلدت يومًا. السماء كانت رمادية بشكل مهذب، لا تمطر بما يكفي لتُعلن الحزن، ولا تصفو بما يكفي لتبدو كريمة. كأنها تتجنب اتخاذ موقف.
فتحت النافذة. الهواء دخل ببطء، مثل شخص يعرف أنه غير مرحّب به لكنه يطرق الباب على أي حال. نظرت إلى الشارع: رجل يسير نحو عمله، امرأة تسحب طفلًا لا يريد أن يمشي، وحافلة تبتلع الناس ثم تتقيأهم في مكان آخر من المدينة. كل شيء يعمل بدقة ميكانيكية لا تبالي بكوني أضيف عامًا آخر إلى الفراغ.
قلت لنفسي: “اليوم عيد ميلادك.”
ولم أشعر بشيء.
هذه الجملة وحدها كانت كافية لتبدأ داخلي تلك الحركة الباردة التي تشبه انزلاق حجر صغير داخل بئر عميق. لا صوت، لكنك تعرف أنه سقط.
في المطبخ، كان الكوب نفسه الذي أستخدمه دائمًا. نفس الشق الصغير في الحافة، نفس القهوة التي لا تقول شيئًا عن نفسها سوى أنها ساخنة. جلست، لا لأنني أردت الجلوس، بل لأن الوقوف كان يبدو غير ضروري أكثر من اللازم.
تساءلت: لماذا يحتفل الإنسان بيوم لم يكن له فيه أي قرار؟ لماذا نُصرّ على تسمية لحظة دخولنا إلى العالم كأنها إنجاز؟
كان الجواب، كعادته، صامتًا.
في الخارج، العالم لم يكن يحتفل بي. وهذا كان مريحًا بطريقة غريبة. كأن اللامبالاة العامة تمنحك نوعًا من الحرية: لا أحد يراقبك، لا أحد يتوقع منك شيئًا، حتى الوجود نفسه لا يلتفت.
لكن شيئًا ما في الداخل كان يتحرك. ليس حزنًا، ولا فرحًا، بل شيء ثالث لا اسم له. شيء يشبه إدراكًا باردًا بأن الحياة ليست ضدك ولا معك… إنها فقط تحدث.
في المساء خرجت.. ستوكهولم بدت أكبر من المعتاد، أو ربما أنا أصبحت أصغر. الأرصفة طويلة بشكل غير منطقي، والوجوه تمر كأنها تخرج من نفس القالب لكن بأعمار مختلفة من التعب.
في متجر صغير، رأيت بالونات معلقة عند الباب. ألوانها كانت مبالغًا فيها، كأنها تحاول إنكار فكرة الموت عبر الصراخ بالأحمر والأصفر. طفل كان يختار كعكة، يضغط على الزجاج بيده الصغيرة كأنه يريد أن يلمس فكرة “الفرح” قبل أن يشتريها.
وقفت للحظة أطول مما يجب. لم أكن أعرف ماذا أبحث عنه، لكنني كنت متأكدًا أنني لن أجده.
البائع قال: “هل لديك عيد ميلاد اليوم؟”
سؤال بسيط، لكنه سقط بداخلي كأنه حجر آخر في نفس البئر.
أجبته: “نعم.”
ابتسم ابتسامة تلقائية، وقدم لي عرضًا لا أريده، وكأن النظام الاجتماعي كله يتدخل فجأة ليقول: يجب أن تشعر بشيء الآن.
لكنني لم أشعر.
خرجت من المتجر ومعي لا شيء. وهذا، بشكل ما، كان أقرب إلى الحقيقة من أي كعكة.
في الطريق إلى الحديقة، بدأت أفكر في الأشخاص الذين كانوا يحتفلون بي في سنوات سابقة. وجوههم لم تكن واضحة، كأن الذاكرة نفسها فقدت اهتمامها بالتفاصيل. بقي فقط الإحساس بأن هناك وقتًا مضى كان فيه “اليوم” يعني شيئًا أكثر من مجرد عبور آخر في تقويم لا يشرح نفسه.
جلست على مقعد خشبي.
خشب قديم، بارد، لا يهتم بمن يجلس عليه. الأشجار أمامي كانت تتحرك ببطء، كأنها تمارس الحياة دون حماس، فقط لأن هذا ما تفعله الأشجار عادة.
وهناك، في ذلك الصمت الذي لا يُزعج أحدًا، جاءني الإدراك:
أنا لا أحتفل بعام إضافي… بل أُقاس بمسافة إضافية بيني وبين ما كنت أعتقد أن الحياة يجب أن تكونه.
لكن الغريب أن هذا لم يكن مأساويًا كما يبدو. كان فقط… واضحًا.
وضوح مؤلم، لكنه نظيف.
كأن العالم يقول لي دون كلمات: “أنت لست استثناءً. ولا حاجة لأن تكون.”
في تلك اللحظة، مرّ رجل عجوز أمامي، يحمل كيس خبز. نظر إليّ لثانية، ليس لأنه يعرفني، بل لأنه يشاركك الوجود نفسه لبضعة أمتار. ثم واصل طريقه.
فكرت: هذا هو كل شيء. هذا هو الاتفاق غير المكتوب. نحن نمر ببعضنا البعض، نترك آثارًا صغيرة، ثم نختفي دون أن نطلب تفسيرًا نهائيًا.
لكن شيئًا غريبًا حدث.
لم أشعر بالانكسار.
شعرت بنوع من الهدوء الذي لا يأتي من الفهم، بل من الاستسلام البسيط لفكرة أن الفهم ليس شرطًا.
عندها فقط، أدركت أن عيد الميلاد ليس احتفالًا بالحياة… بل تذكيرًا محايدًا بأن الزمن لا يتوقف ليعطيك معنى إضافيًا.
نهضت من المقعد.
لم أكن أكثر سعادة، ولا أكثر حزنًا.
كنت فقط… موجودًا بشكل يمكن تحمله.
وفي طريق العودة، لم أعد أبحث عن معنى مخفي في الأشياء. كنت أرى الأشياء كما هي: شجرة، نافذة، ضوء، خطواتي على الإسفلت.
وهذا، بطريقة ما، كان أقرب شيء إلى الاحتفال الذي لم يحدث.
في الليل، لم يأتِ أحد.
ليس لأنني كنت أنتظر أحدًا بالضرورة، بل لأن الفراغ أحيانًا يتخذ شكل الانتظار حتى دون إذن منك. كأن الوقت نفسه يجرّب أن يراك وأنت لا تفعل شيئًا تجاهه.
جلست في الغرفة التي لا تحاول أن تبدو أكثر مما هي عليه: أربعة جدران، ضوء مصباح لا يعرف الحماس، وظلّي على الحائط كأنه نسخة أكثر صراحة مني.
وضعت الهاتف على الطاولة. كان صامتًا بطريقة مبالغ فيها، كأنه يشارك العالم اتفاقه القديم بعدم الاهتمام بهذا اليوم تحديدًا.
ثم فكرت: هل يُفترض أن يظهر شيء ما في عيد الميلاد؟ رسالة؟ صوت؟ علامة صغيرة تقول إن وجودي ترك أثرًا ولو بسيطًا في شبكة العلاقات؟
لكن حتى هذا السؤال بدا متعبًا. كأنني أطلب من الكون أن يبرر نفسه لي، وهو لا يملك وقتًا لمثل هذه التبريرات.
قمت وصنعت شايًا، ليس لأنني أردت الشاي، بل لأن الحركة كانت أسهل من الجلوس داخل الرأس.
ضحكت قليلًا. ضحكة قصيرة، بلا جمهور.
في الخارج، كانت المدينة قد ارتدت ليلها الكامل. النوافذ المضيئة بدت كعيون لا ترى شيئًا، فقط تراقب نفسها من الداخل.
فجأة، جاءني شعور غير متوقع: رغبة في الخروج مرة أخرى.
ليس بحثًا عن شيء، بل كأن جسدي يريد أن يتأكد أن العالم ما زال موجودًا عندما لا أنظر إليه من النافذة.
ارتديت المعطف وخرجت.
الهواء الليلي كان أكثر صدقًا من النهار. لا يحاول أن يكون لطيفًا، ولا قاسيًا. فقط هواء يؤدي وظيفته دون تعليق.
الممرات شبه فارغة. بعض الأصوات البعيدة تشبه حياة لا تخصني، لكنها لا تمانع أن أسمعها.
وفي زاوية شارع، رأيت شخصًا يحمل كعكة صغيرة مضاءة بشمعة واحدة. كان يمشي بسرعة، كأنه يحاول الهروب من الرمزية نفسها. الضوء الصغير يهتز مع خطواته، كأنه يعرف أنه مؤقت.
توقفت.
شيء بسيط جدًا حدث في داخلي، شيء لا علاقة له بالحزن ولا بالفرح.
فكرت: ربما هذا ما يفعله الناس في هذا اليوم. لا يحتفلون بالحياة، بل يحاولون منعها من أن تبدو عادية أكثر من اللازم.
لكن الحياة لم تكن تهتم أصلًا بمحاولاتنا.
واصلت المشي.
الشارع بدا أطول من المعتاد، ليس لأنه تغيّر، بل لأن الزمن بدا وكأنه فقد اتفاقه معي. لم يعد يمر بسرعة ثابتة، بل يتمدد وينكمش حسب مزاج لا أفهمه.
جلست عند محطة فارغة. لا حافلات، لا انتظار حقيقي، فقط مكان صُمم ليُقال فيه “انتظر” حتى لو لم يكن هناك شيء قادم.
وضعت يدي في جيبي. وجدت ورقة صغيرة قديمة، لا أتذكر متى وضعتها هناك. كانت بلا كتابة واضحة، مجرد أثر لشيء ما كان يمكن أن يُقال ثم لم يُقل.
فكرت في حياتي ككل، ليس كقصة، بل كحركة. حركة تشبه هذا الليل: مستمرة، غير مبررة، لكنها تحدث.
وفي تلك اللحظة، لم أشعر أنني بحاجة إلى إجابة.
بل لأول مرة، شعرت أن السؤال نفسه بدأ يفقد سلطته.
ليس لأنني وجدت معنى، بل لأنني توقفت عن انتظار احد.
ستوكهولم كانت لا تزال حولي، باردة، حقيقية، غير مبالية. لكنها لم تعد تبدو كعدو أو حليف. فقط كمساحة أتحرك فيها مثل أي جسم آخر.
ثم، دون أي إعلان داخلي، جاء شيء يشبه السلام… لكنه ليس سلامًا جميلًا أو مريحًا.
كان سلامًا محايدًا.
كأن العالم قال لي بصمت: “أنت هنا. وهذا كل ما هناك.”
في النهاية، لم يبقَ من ذلك اليوم إلا أثر خفيف، كخطّ مرسوم على الماء ثم قرّر أن يتصرّف كأنه لم يكن.
حاولتُ أن أستعيده، لكنّه كان قد غادرني مبكرًا، كضيفٍ نسي أن يترك عنوانه.
وضعتُ الكرسي في مكانه، أعدتُ ترتيب الصمت، ثم خرجتُ دون أن ألتفت..!!



















































