كيف يعيد التفاهم الأمريكي الإيراني رسم الخريطة اليمنية ؟

19 يونيو 2026
كيف يعيد التفاهم الأمريكي الإيراني رسم الخريطة اليمنية ؟

عبدالواسع الفاتكي

كاتب من اليمن

لا يمكن قراءة تأثير أي تفاهم أو اتفاق أمريكي إيراني على اليمن بمعزل عن طبيعة العلاقة بين مليشيات الحوثيين والنظام الإيراني ، والتي تتجاوز مجرد التحالف العابر إلى الشراكة المحورية والوظيفية ضمن محور ما يسمى بمحور المقاومة ، ويستند ذلك إلى التكامل الجيوسياسي بين إيران وأذرعها ؛ فقد برزت مليشيات الحوثيين كورقة استراتيجية لا غنى  لطهران عنها  ، خاصة في التحكم  بمضيق باب المندب كأحد أهم ممرات التجارة العالمية ، وهو ما انعكس في التناغم الواضح بين تصريحات قيادات مليشيات الحوثيين والمسؤولين في طهران بشأن جهوزية إغلاق المضيق أو تهديد الملاحة الدولية كأداة ضغط إقليمية.

بات من المؤكد الارتباط العسكري والسياسي أو الديناميكية الطردية بين إيران ومليشيات الحوثيين ؛  حيث لوحظ بوضوح أن الخطاب والسلوك العسكري لمليشيات الحوثيين يتصاعد نبرة وتأثيرا طرديا مع كل تصعيد إيراني في المنطقة ، سواء ضد دول الخليج أو في سياق المواجهة أمريكا ، فبالنظر إلى الأحداث الأخيرة ، بما فيها اتفاق وقف إطلاق النار بين واشنطن ومليشيات الحوثيين بوساطة عمانية في مايو 2025م ،  والذي كرس مليشيات الحوثيين كلاعب إقليمي لا يمكن تجاهله ؛ لذلك فإن أي اتفاق أو مذكرة تفاهم بين واشنطن وطهران ؛ ستنعكس على المشهد اليمني عبر مسارات مختلفة ، تشمل قراءة مليشيات الحوثيين النفسية والسياسية  للاتفاق ،  التي ستؤدي إلى تعزيز تعنتها وصلابتها من خلال سردية الانتصار الإلهي ؛ إذ ستقوم طهران بتسويق أي اتفاق مع واشنطن على أنه انتصار تاريخي للمحور ، وهو ما ستتلقفه مليشيات الحوثيين في اليمن بذات القراءة ، وسينعكس هذا الشعور بالانتصار على سلوكهم السياسي الداخلي والإقليمي ، ويقود إلى التصلب في أي مفاوضات قادمة ، ويجعل مليشيات الحوثيين أكثر تشبثا بمواقفها وأقل مرونة في التعاطي مع مبادرات السلام التي تقودها الأمم المتحدة ، وحتى في حال انخراطها في مفاوضات فستدخلها من موقع الطرف المنتصر والمملي للشروط ،  مستندة إلى فشل الضغوط الدولية في كسر إرادتها ، كما سينعكس الاتفاق على التموضع الإقليمي والدولي عبر تثبيت صفة الفاعل الإقليمي ؛  نظرا للدور الذي حاولت مليشيات الحوثيين أن تلعبه في إسناد جبهات المحو ؛ عبر إطلاق الصواريخ والمسيرات باتجاه إسرائيل والتهديد باستهداف السفن الأمر الذي كرسها  كرقم صعب في معادلة الصراع الشرق أوسطي الراهن .

لن تفرط إيران بورقة اليمن ، فالردود العسكرية الإيرانية المباشرة لحماية حلفائها ، مثل ردها على الضربات الإسرائيلية ضد حزب الله ، عززت ثقة المليشيات الحوثية المطلقة بالنظام الإيراني كحليف موثوق ، مما يعمق الارتباط البنيوي بينهما في أي تسوية قادمة، سواء على مستوى مسار التسوية الإقليمية أو المحلية .

إذا دفع الاتفاق الأمريكي الإيراني نحو تقارب أعمق بين الرياض وطهران بخصوص الملف اليمني ، فقد يؤدي ذلك إلى صياغة تسوية سياسية برعاية إقليمية دولية ، ستصطدم هذه التسوية بعقبة رئيسية تتمثل في اتساع الفجوة البنيوية بين مليشيات الحوثيين والسلطة الشرعية اليمنية ؛ فهناك هوة شاسعة وغير قابلة للجسر بسهولة بين رؤية مليشيات الحوثيين للسلطة كحق إلهي ،  وموقفها من دول الجوار وبالذات المملكة العربية السعودية ، فضلاً عن كونها جزءا أصيلا من أجندة إيران ، وبين السلطة الشرعية اليمنية ومن خلفها ملايين اليمنيين ومرجعياتهم الوطنية وثوابتهم الجمهورية والعربية ، التي تتناقض مع مشروع مليشيات الحوثيين.

هذا التباين الحاد في موازين القوى والتصورات سيجعل أي تسوية سياسية هشّة ومفصّلة على مقاس موازين القوى ، وبناء على هذه المعطيات ؛  فإن الرأي القائل بأن الاتفاق الأمريكي الإيراني سيعزز موقف المليشيات الحوثية قد يكون أقرب للواقعية السياسية ؛  فيما لو استفادت إيران من الاتفاق مع أمريكا ، وحافظت على أوراق القوة لديها وتحسنت أوضاعها الاقتصادية والعسكرية.

إن الاتفاق المرتقب بين إيران وأمريكا قد يعطي مليشيات الحوثيين حافزا سياسيا ومعنويا كبيراً للتمسك بمكاسبهم ،  وسيترجم لديهم كصك اعتراف دولي بنفوذ محورهم ، والأيام والأحداث القادمة ستثبت مدى قدرة المجتمع الدولي على لجم هذا النفوذ ، أو ما إذا كانت التفاهمات القادمة ستسير في مسار شرعنة وتأطير مليشيات الحوثيين كلاعب رئيسي لحماية مصالح طهران في جنوب شبه الجزيرة العربية وممراتها المائية .

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


الاخبار العاجلة
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com