العرب بين مطرقة الحرب وسندان الاتفاقات الدولية

19 يونيو 2026
العرب بين مطرقة الحرب وسندان الاتفاقات الدولية


العرب بين مطرقة الحرب وسندان الاتفاقات الدولية:

من يدفع الثمن؟

بقلم: د. مصطفى الغاشي 

كاتب مغربي في التاريخ والفكر السياسي والعلاقات الدولية

تقديم؛

في كل مرة تقترب فيها الولايات المتحدة وإيران من التوصل إلى تفاهم أو اتفاق، ترتفع موجة من التحليلات والتكهنات في العالم العربي، وتنشغل النخب السياسية والإعلامية بقراءة بنود الاتفاق المحتمل، وتحديد الرابح والخاسر، واستشراف انعكاساته على موازين القوى الإقليمية. غير أن السؤال الذي غالباً ما يغيب وسط هذا الضجيج هو: ماذا جنت الدول العربية من عقود الصراع التي دارت على أراضيها أو حولها؟

لقد تحولت المنطقة العربية خلال العقود الأخيرة إلى ساحة مفتوحة للتنافس الدولي والإقليمي. فمنذ الثورة الإيرانية سنة 1979، أصبح الشرق الأوسط مختبراً دائماً للصراعات الجيوسياسية، ومسرحاً لتقاطع المصالح الأمريكية والإيرانية والإسرائيلية والروسية وغيرها. وبين هذا وذاك، ظلت الشعوب العربية تدفع الفاتورة الأكبر.

واليوم، بينما تتجه واشنطن وطهران مرة أخرى نحو البحث عن تسويات تحمي مصالحهما الاستراتيجية، يجد العرب أنفسهم أمام مشهد مألوف: القوى الكبرى تتفاوض، والقوى الإقليمية تراجع حساباتها، أما المواطن العربي فيراقب المشهد من موقع المتفرج، منتظراً نتائج قرارات لم يشارك في صنعها.

الحقيقة التي يصعب إنكارها هي أن المنطقة العربية كانت الخاسر الأكبر من منطق الصراعات الدائمة. فقد أُنفقت مئات المليارات على سباقات التسلح، بينما بقيت قطاعات التعليم والبحث العلمي والصحة والتنمية في حاجة ماسة إلى الاستثمار والإصلاح. وبدل أن تتحول الثروة النفطية والموارد الطبيعية إلى رافعة للتنمية الشاملة، استُنزف جزء كبير منها في إدارة الأزمات ومواجهة التهديدات الأمنية.

وفي الوقت الذي كانت فيه دول شرق آسيا تبني اقتصاد المعرفة وتستثمر في التكنولوجيا والابتكار، كانت أجزاء واسعة من العالم العربي غارقة في أزمات سياسية وأمنية متلاحقة. فالفجوة بين المنطقتين لم تتسع بسبب نقص الموارد، بل بسبب اختلاف الأولويات والرؤى الاستراتيجية.

إن أخطر ما كشفته التجربة العربية الحديثة هو أن الحروب لا تخلق التنمية، وأن الاستقطاب الحاد لا ينتج الاستقرار. فكل جولة جديدة من التوتر كانت تؤدي إلى تأجيل مشاريع الإصلاح، وإلى هروب الاستثمارات، وإلى استنزاف الطاقات البشرية، خصوصاً فئة الشباب التي يفترض أن تكون وقود المستقبل.

ولذلك، فإن السؤال المطروح اليوم لا يتعلق فقط بما إذا كان الاتفاق الإيراني–الأمريكي سينجح أو سيفشل، بل يتعلق أساساً بمدى قدرة الدول العربية على التحرر من عقلية الانتظار والتفاعل، والانتقال إلى مرحلة المبادرة وصناعة المستقبل.

لقد أثبت التاريخ أن الأمم التي تبني الجامعات أقوى من الأمم التي تكتفي ببناء المتاريس، وأن الدول التي تستثمر في العقول أكثر قدرة على حماية مصالحها من الدول التي تعتمد فقط على موازين القوة التقليدية. فالتحديات الحقيقية للقرن الحادي والعشرين ليست عسكرية فقط، بل هي معرفية وتكنولوجية واقتصادية بالدرجة الأولى.

ومن هنا فإن الرهان العربي الأكبر لا ينبغي أن يكون على نتائج المفاوضات بين واشنطن وطهران، بل على بناء مشروع تنموي جديد يجعل الإنسان العربي محور السياسات العمومية. مشروع يقوم على التعليم الجيد، والبحث العلمي، والاقتصاد الرقمي، والحكامة الرشيدة، وتكافؤ الفرص.

إن الاتفاقات الدولية تتغير، والتحالفات تتبدل، وموازين القوى لا تبقى ثابتة. أما التنمية فهي الاستثمار الوحيد الذي يظل قادراً على إنتاج القوة والاستقرار معاً.

لقد دفعت المنطقة العربية ثمناً باهظاً للحروب والصراعات. وربما آن الأوان لطرح سؤال مختلف: كم مدرسة، وكم جامعة، وكم مركزاً للبحث العلمي كان يمكن أن يُبنى بالأموال التي أُنفقت على النزاعات خلال العقود الماضية؟

ذلك هو السؤال الذي ينبغي أن يشغل العرب اليوم، لأنه سؤال المستقبل لا سؤال الماضي، وسؤال البناء لا سؤال الهدم، وسؤال النهضة لا سؤال الصراع.

مقال خاص لصحيفة قريش – لندن 

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


الاخبار العاجلة
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com