وداعاً معلمتي..

5 مايو 2026
وداعاً معلمتي..

ربيع الحافظ

كان اللقاء الأول في الصف الرابع، الشعبة (أ)، في مدرسة الفتوة النموذجية الابتدائية عام 1969، حينما وصلت سيدة يافعة دمثة السلوك ورفيعة الأناقة، هي الست نور الهدى الخالدي. لم تكن أناقتها مظهراً فحسب، بل كانت مدرسة تربوية بحد ذاتها؛ فقد أتقنت الإشادة بأناقة تلاميذها والثناء على جهد عوائلهم، ما لفت انتباه التلاميذ إلى فضل الوالدين وزرع الثقة في نفوسهم وكان الصف بحق ورشة تربوية نابضة.

سنّها، التي لم تتجاوز حينها الثالثة والعشرين تقريباً، جعلتها معلمة وصديقة في آن واحد. ومزاحها معنا بلهجتها التي امتزج فيها المصلاوي بالبغدادي كسر الجمود التقليدي في البيئة المدرسية، وفتحا باب الحوار بين الكبير والصغير، وأشعل فينا الشجاعة الأدبية، ولم يعد التنافس مقتصراً على تحصيل المعرفة بل امتد إلى التنظيم والأناقة والحوار، حتى غدت المدرسة امتداداً للمنزل. كانت تردد: المجتمع كله كان منزلا لكم “ولا عشتو” على اجيال اليوم.

دارت الأيام، وتخرج التلميذ من الفتوة النموذجية، واغترب بجسده عن الموصل لعقود طويلة إلى يوم شاهد فيه معلمته في لقاء اجتماعي تلفزيوني ولم يتردد في الاتصال بالقناة ليُستعاد التواصل بعد نصف قرن ويزيد.

كانت زيارة تلميذها لها في منزلها في تركيا بعد أكثر من خمسين عاماً لقاءً استثنائياً؛ لم يعد بين طفل وسيدة يافعة، بل بين رجل غزاه الشيب وسيدة يكسوها وقار السنين. ومع ذلك، استمرت خفة ظل الصف الرابع وبقي الحديث عن المدرسة، والذوق، وربيع في الموصل، ودجلة الذي تتأمله من شرفة الطابق الثاني ونسيمه الذي لا تفتأ تذكر عذوبة هبوبه على فناء المدرسة، وعن الجسر العتيق الذي تلاقينا عليه يوماً وضحكنا عنده كثيراً. 

كان لقاء يفوق الوصف، فأن يلتقي الإنسان، بعد نصف قرن، بمن علّمه مسك القلم، وأبجديات الذوق العام، لهو من أسمى مراتب الأنس في الحياة وضماد للروح. 

سأفتقد رسائلك الصباحية التي كانت تحمل إليّ، في غربتي، عبق الموصل في زمنها الجميل، وحنان المربية الرؤوم. وسأحتفظ يا غاليتي بأجمل هدايا العمر التي منحني إياها إنسان: سجلاتي المدرسية التي فاجأتني بها، بعد بحث مضنٍ في أرشيف المدرسة إدراكاً منك لمدى تعلقي بها وكم كانت سعادتي غامرة بها، جعلك الله من سعداء الآخرة.

كانت الست نور الهدى رحمها الله قطعة من فسيفساء بديعة اسمها مجتمع الموصل، فسيفساء هشّمها من لم يُحب هذه المدينة. ومن أراد النظر إلى تلك الفسيفساء فلينظر إلى ذلك الجيل من التربويات.

 عزاؤنا هو في محبة أهل الموصل لفقيدتنا المرحومة بإذن الله فمحبة أهل الأرض لعبدٍ دلالة على مكانته في السماء بإذن الله.

وداعاً ست نور الهدى، طِبتِ وطاب مثواك

وداعاً أبلة نور

اللهم أكرم نزلها، ووسع مدخلها، واغسلها بالماء والثلج والبرد، ونقّها من الذنوب والخطايا كما يُنقّى الثوب الأبيض من الدنس، اللهم يمن كتابها ويسر حسابها وثقل بالحسنات ميزانها.

إنا لله وإنا إليه راجعون.

التعليقات تعليق واحد

عذراً التعليقات مغلقة

  • دعاء النقيب 7 مايو 2026 - 7:35

    الله يجزيك خير الجزاء واحسنه وربي يرحم امي جنتي ايقونتي حبيبتي غاليتي ويسكنها فسيح جناته ويجعلها في منزلة الصديقين والشهداء ويغسلها بالماء والبرد والثلج ويجعل قبرها روضة من رياض الجنه

الاخبار العاجلة
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com