مناهضة التمييز و إعادة ترميز الفارق: الاقتصاد العميق لامتصاص التحول

15 مايو 2026
مناهضة التمييز و إعادة ترميز الفارق: الاقتصاد العميق لامتصاص التحول

قراءات نقدية في قضايا المرأة والتحولات المجتمعية (5)

بقلم: د. إيمان غانمي 

باحثة مغربية في قضايا النوع الاجتماعي

إذا كان المقال السابق قد انتهى إلى أن مناهضة التمييز بين المرأة والرجل لا تؤدي، بالضرورة، إلى تفكيك جميع أشكال اللامساواة، فإن الخطوة التالية لا يمكن أن تظل عند حدود هذه الملاحظة، مهما بلغت أهميتها. ذلك أن القيمة الفكرية لهذه النتيجة لا تظهر في كونها تسجل مجرد تفاوت جديد بين النساء، بل في أنها تدفعنا إلى سؤال أكثر عمقا: كيف يمكن لمسار صيغ، في مستوى المبدأ، لتقليص الفارق بين المرأة والرجل، أن يؤدي إلى إعادة ترتيب النساء أنفسهن داخل منطق جديد للفارق؟

وهنا لا نكون أمام استدراك بسيط على هامش نقاش مألوف، بل أمام انتقال في موضع السؤال ذاته: من وصف اللامساواة إلى تفكيك الكيفية التي يُعاد بها إنتاجها من داخل خطاب الإنصاف. 

وبتعبير أدق، لا يصبح الأمر هنا متعلقًا بمساواة لم تكتمل فحسب، ولا بتعثر على مستوى التتفعيل، ولا بإصلاح لم يبلغ بعد جميع مراميه، بل إننا نواجه، في هذه اللحظة، واحدة من أكثر صور امتصاص التحول دلالةً وكثافة. 

وهنا وجب التذكير، أن امتصاص التحول، كما أطرحه في هذه السلسلة، لا ينبغي أن يُفهم بوصفه مجرد احتواء للتغيير أو إبطاء له أو تفريغ تدريجي لفعاليته. فهذا التعريف، هنا في تقديري، لا يلامس إلا المستوى الأدنى من الظاهرة. أما معناها الأوسع فهو أن النسق لا يواجه التحول من خارجه فقط، بل يستطيع أن يستدخل بعض منطقه، وأن يعيد تشغيله ضمن قاعدته العميقة، ليغدو مادةً يعاد بوساطتها تنظيم استمرار القواعد العميقة للنسق. وبناء عليه، فإن أخطر وجوه امتصاص التحول لا يكمن في تعطيل المساواة، بل في إدارتها بشكل ناعم.

ولعل ما يقتضي مزيدًا من التوضيح هنا هو أن امتصاص التحول هنا، لا يحيل فقط إلى احتواء التغيير أو الحد من أثره، بل إلى ما يمكن تسميته الاقتصاد العميق لامتصاص التحول. وليس المقصود بالاقتصاد هنا معناه الضيق، بل معناه البنيوي الأوسع: أي الكيفية التي يعيد بها النسق توزيع إمكانات التحول، وترتيب مسالكه، وتوزيع ثماره، وضبط انتقاله بين المجالات والمواقع والذوات، بحيث لا يصل التغيير إلى الجميع بالصورة نفسها، ولا يترجم الأثر ذاته في جميع المستويات. 

إن الاقتصاد العميق لامتصاص التحول هو، بهذا المعنى، النظام غير المعلن الذي يدبّر ما الذي يمكن أن يتغير، وبأي قدر، وفي أي اتجاه، ولصالح من، وبأية كلفة، ومن دون أن يفقد النسق قدرته على إعادة إنتاج قواعده العميقة.

ومن هنا فإن هذا الاقتصاد لا يشتغل عبر المنع المباشر فقط، بل عبر إعادة توزيع التحول نفسه. فقد يتيح النسق هامشاً من الحضور هنا، ثم يضيّق مجال الأثر هناك ؛ وقد يفسح المجال لصيغة معينة من التأثير، لكنه لا يفتح بالقدر نفسه ما يترتب عنها من سلطة أو استقلال أو نفاذ إلى القرار؛ وقد يقبل المرأة في مستوى بعينه، لكنه يعيد في مستوى آخر إنتاج الشروط التي تجعل هذا القبول محدود المفعول أو مجزأ الأثر. وبهذا المعنى فإن الاقتصاد العميق لامتصاص التحول ليس منطقًا منفصلًا عن المساواة، بل هو الكيفية التي تُعاد بها إدارة المساواة نفسها حين تدخل إلى بنية لا تتخلى عن حقها في ضبط التحول، بدل أن تتركه يستكمل أثره التحويلي.

وحين ننظر إلى الإشكالية من هذه الزاوية، يتضح أن انتقال مناهضة التمييز بين المرأة والرجل إلى تمييز جديد بين النساء ليس مجرد نتيجة من نتائج التفاوت الاجتماعي، بل أحد أكثر تمظهرات هذا الاقتصاد العميق وضوحًا. لأن النسق، حين يضطر إلى تقليص بعض المسافة القديمة بين المرأة والرجل، لا يترك أثر هذا التقليص ينفتح على مداه الممكن، بل يعيد توزيعه داخل المجال النسائي نفسه، بحيث تُمنح بعض النساء إمكانات عبور أوسع من غيرهن، وفق شروط لا تنفصل، في حالات كثيرة، عن القرب من نفوذ ذكوري ما يزال يحتفظ بقدرة حاسمة على التزكية والوساطة وإضفاء القابلية للاعتراف. وبهذا لا يكون النسق قد تخلى عن قواعده العميقة، بل يكون قد أعاد تشغيلها من داخل مسار الإنصاف نفسه.

من هذه الزاوية، لا تستقيم الإشكالية ضمن المقاربة الثنائية التي تختزل المشكل في تقابل مباشر بين المرأة والرجل. فقد مثّلت هذه الثنائية مدخلاً تفسيرياً مهماً في مرحلة كشف اللامساواة المباشرة وبنية الإقصاء الصريح، لكنها لا تستوعب، في صيغتها المجردة، ما يطرأ على آليات التمييز من تحوّل وترميز وإعادة توزيع داخل النسق نفسه. فهذا المنظور القائم على التقابل المباشر يثبت محدوديته حين نصل إلى مرحلة يكون فيها المجتمع قد صار قادرًا على إعلان المساواة، وإدخال النساء إلى النصوص، وتمثيل بعض حضورهن في المجال العام، من دون أن يكون قد فكك، في العمق، القواعد التي تنتج الشرعية والقيمة والاعتراف. عندئذ لا يظلالسؤال المطروح : هل ما يزال الرجل في مواجهة المرأة؟ بل يصبح: كيف يعيد النسق إنتاج الفارق بعد أن أصبح مضطرًا إلى تقليص بعض أشكاله القديمة؟ وبهذا المعنى تشبه هذه الثنائية، في شقها التفسيري، ثنائية الحداثة والتقليد حين تُفهم بصورة ساذجة: كلتاهما تلتقط التعارض الظاهر، ولا ترى كيف يعيد المجتمع إنتاج استمراره من داخل ما يبدو قطيعةً معه.

ولهذا لا بد من تمييز دقيق بين المساواة بوصفها مبدأ والمساواة بوصفها سيرورة اجتماعية. فالمساواة، في مستواها المبدئي، ليست قاعدةً إجرائية فحسب، بل هي مبدأ كلي وقيمة معيارية عامة، تنبني على أحقية أصلية لا تميّز بين النساء ولا تفاضل بينهن. أما على مستوى الاجتماع، فإن هذه القيمة الكلية لا تعبر إلى واقع محايد، بل تدخل إلى فضاء تنتظمه شبكات القوة، ومراتب الاعتراف، وآليات التكييف، ودوائر التزكية، وصيغ متفاوتة من القرب أو البعد عن المجال المهيمن. عند هذا الحد، لا يشتغل الحق بوصفه مضموناً خالصاً مكتفياً بإعلانه، بل بوصفه مضموناً معرضاً لإعادة الترتيب داخل شروط تحققه. فلا يعود السؤال: هل أُعلن الحق؟ بل: كيف يصير هذا الحق قابلاً للتحقق؟ ومن يملك شروط تحويله إلى موقع معتبر؟ ومن يستطيع أن يجعله يترجم إلى ترقٍّ، أو نفوذ، أو استقلال، أو حضور فاعل؟ ومن يبقى، رغم شموله بالمبدأ نفسه، أقل قدرة على تحويله إلى أثر اجتماعي مكافئ؟

ومن هنا تتضح فكرة الكونية الانتقائية للمساواة. فالمساواة تُعلن بوصفها مبدأً عاماً، لكنها لا تنتج الأثر الاجتماعي نفسه لدى جميع النساء. إنها تبقى كليةً في الخطاب، غير أن انتقالها إلى الواقع يمر عبر مسالك متفاوتة من حيث المجال،اللغة، والعلاقات، والتموقع، والمعرفة المؤسسية، والقرب من دوائر القرار. لذلك تستطيع بعض النساء أن يحوّلن هذا المبدأ إلى موقع، أو اعتراف، أو ترقٍّ اجتماعي، أو حضور فاعل، بينما تبقى أخريات أقل قدرة على ذلك، إما لغياب هذه الموارد، أو لارتفاع كلفتها، أو لامتلاك بعضها دون القدرة على تفعيلها كاملة. وهكذا لا نكون أمام تفاوت سابق على المساواة فحسب، بل أمام تفاوت يُعاد إنتاجه من داخل الطريقة التي تتحول بها المساواة من مبدأ معلن إلى أثر اجتماعي فعلي.

غير أن التحليل يظل ناقصاً ما لم ننتقل من سؤال الحق في ذاته إلى سؤال الاعتراف بمن يُمنح أهلية تمثيله اجتماعياً. فالقضية لا تقف عند حدود من تشملهن المساواة نظرياً، بل تمتد إلى من يُعترف لهن، داخل الواقع، بالقدرة على ترجمة معناها وتمثيل أثرها. هنا تبرز فكرة الشرعنة الانتقائية. فالمجتمع لا يكتفي، في كثير من الحالات، بإعلان إنصاف النساء، بل يعيد، من داخل هذا الإعلان نفسه، إنتاج صورة مخصوصة للمرأة التي يمكن أن تُقرأ بوصفها دليلاً مقبولاً على هذا الإنصاف. ليست المسألة، إذن، في مجرد وجود نساء داخل المجال، بل في نوعية الحضور النسائي الذي يصبح قابلاً لأن يُستقبل بوصفه علامة على التغيير. وبناء عليه، فإن المساواة لا تشتغل هنا كنبذ مباشر لكل صور الفارق، بل كمعيار جديد لإعادة ترتيب الاعتراف: من هي المرأة التي يمكن أن تُمنح صفة التمثيل المقبول؟ ومن هي المرأة التي يظل حضورها أقل قابلية لأن يتحول إلى علامة معترف بها على التحول؟

وعند هذه النقطة بالذات تبرز الآلية التي ينبغي أن تُثبت هنا بوضوح: إن هذا الانتقاء لا يجري، في كثير من الحالات، داخل فضاء محايد، بل يتم غالبًا عبر القرب من نفوذ ذكوري ما يزال يحتفظ، في العمق، بقدرة حاسمة على التزكية والوساطة وإضفاء القابلية للترقي والعبور. فالمشكلة ليست فقط أن بعض النساء أقدر من غيرهن على تحويل المساواة إلى موقع، بل إن هذه القدرة نفسها قد تتحدد، أحيانًا، بمقدار القرب من شبكات نفوذ لم تخرج بعد من منطقها الذكوري العميق. وهنا يكتسب التحليل قوته القصوى: لأن النسق، حين يضطر إلى تقليص بعض أشكال المسافة القديمة بين المرأة والرجل، لا يفقد بالضرورة القاعدة التي كانت تنتج تلك المسافة، بل يعيد بناءها في صورة أخرى. فإذا لم يعد ممكنًا الإبقاء على الفارق بالصورة القديمة الصريحة، فإنه قد يُعاد تنظيمه من خلال جعل العبور إلى بعض المواقع النسائية مشروطًا بدرجات متفاوتة من القرب من نفوذ ذكوري يظل، في العمق، مالكًا لسلطة الإقرار والتمكين والتزكية.

وبهذا المعنى، فإن مناهضة التمييز بين المرأة والرجل قد لا تنتج فقط تمييزا جديدًا بين النساء، بل قد تعيد، من خلال هذا التمييز نفسه، ما فقدته البنية من مسافة بين المرأة والرجل. غير أن هذه الاستعادة لا تتم في صيغة خشنة ومباشرة، بل في صيغة أكثر حداثة وأشد مراوغة: تُفتح بعض المواقع للنساء، لكن يظل المرور إليها، في جزء منه، محكومًا بالقرب من مراكز تزكية ذات طابع ذكوري عميق. وهكذا لا تختفي القاعدة القديمة، بل يعاد تشغيلها في مستوى آخر؛ وبتعبير آخر، لم تعد المسألة تُختزل في امرأة موضوعة على مسافة واحدة من رجل يحتكر الامتياز، بل غدا المجال النسائي نفسه مجالاً لإعادة الفرز والترتيب، تبعاً لما تتيحه درجات القرب من دوائر النفوذ التي ما تزال تستند، في جزء مهم من قوتها، إلى بنية لم تفك ارتباطها كاملاً بالمركزية الذكورية.

وتأسيسا على ما سبق، يتضح أن التمييز الجديد بين النساء ليس مجرد تفصيل لاحق، ولا مجرد عرض جانبي لمناهضة التمييز، بل هو، في بعض صوره، أحد أشد تمظهرات امتصاص التحول دلالةً. لأنه يكشف أن النسق لم يتخلَّ عن قاعدته العميقة في إنتاج الفارق، بل غير فقط موضع اشتغالها. وهنا تتضح قيمة الفكرة التي يشتغل عليها المقال: لا يتعلق الأمر بكون بعض النساء استطعن تحويل المساواة إلى موقع واعتراف دون غيرهن فحسب، بل بكون “معايير” هذا التحويل قد تظل، في أحيان كثيرة، محكومة بمركز ذكوري يحتفظ بسلطة توزيع المشروعية وتنظيم العبور. وهكذا لا يختفي منطق الهيمنة مع التغيير الظاهر في العلاقة بين المرأة والرجل، بل يعاد إدخال بعض أثره في ترتيب العلاقة بين النساء أنفسهن.

غير أن هذا التحليل لا يبيح الانزلاق إلى الحكم الكلي أو الارتياب المعمّم. فليست كل امرأة بلغت موقعاً بارزاً مدينة، بالضرورة، لهذا المنطق، وليس كل حضور نسائي مظهراً من مظاهر الامتصاص، ولا كل اعتراف بمكانة امرأة بعينها مجرد آلية لتجميل صورة البنية. فذلك تبسيط لا يقل فقراً عن التبسيط الاحتفائي المقابل. إذ توجد نساء بلغن مواقعهن بجدارة علمية أو نضالية أو مهنية حقيقية، كما أن بعض أشكال حضورهن أحدثت، بالفعل، إزاحة في شروط الاعتراف، وفتحت إمكانات أرحب أمام غيرهن. ومن هنا، فإن الرهان التحليلي لا يتمثل في الحكم على النساء أو اختزال مساراتهن، بل في التمييز بين أنماط الحضور وآثارها البنيوية: هل يوسّع هذا الحضور شروط الإنصاف أمام نساء أخريات؟ هل يخفّف من كلفة العبور؟ هل يجعل المجال أقل ارتهاناً لصورة واحدة عن المرأة المقبولة؟ أم يظل، مهما بدا لامعاً، قابلاً للاحتفاء لأنه لا يربك القاعدة العميقة التي تنتج الشرعية وتوزّعها؟

وهنا بالضبط ننتقل إلى نقطة أخرى أكثر دقة: إن النسق لا يمنح المرأة الاعتراف في صورة كلية متماسكة، بل قد يعمد إلى تجزئة الإنصاف نفسه وإعادة توزيعه توزيعًا وظيفيًا. وهذه، في تقديري، من أكثر آليات البنية أهمية و دلالة. فقد تحضر المرأة إعلامياً على نطاق واسع حين ينسجم حضورها مع صورة التحديث التي يريد المجال إبرازها عن نفسه، من دون أن يترجم ذلك، بالقدر نفسه، إلى ترقٍّ مهني، أو نفاذ إلى القرار، أو استقلال اجتماعي. وقد يتحقق لها ارتقاء داخل فضاء مهني معين، من دون أن يقترن ذلك بحضور عمومي مؤثر أو بقدرة على توجيه المعنى العام. وقد تملك مورداً لا يتحول إلى استقلال، أو صوتاً لا يسنده نفوذ، أو تمثيلاً لا يوازيه أثر فعلي. وهكذا لا يكون الإنصاف غائباً بالكامل، بل يغدو موزعاً على نحو انتقائي ووظيفي: يفتح بعض دوائر الاعتراف حين يطمئن إلى صورة المجال عن نفسه، ويضبط دوائر أخرى حين يقترب الحضور النسائي من المناطق الأشد ارتباطا، حسب الظروف والسياقات، بإعادة توزيع السلطة.

على هذا الأساس، لا يكفي أن نقيس “التقدم” في وضع النساء بمجرد تواجدهنفي مجال بعينه. فلا يكفي أن تتقدم المرأة مهنيا ما لم يمنحها ذلك التقدم حضورا أكبر واعترافًا أوسع وقدرة على التأثير و على فتح مسارات أعدل أمام نساء أخريات، بل يبقيها داخل صورة نجاح صامت لا يغيّر المعايير؛ كما لا يكفي الحضور الإعلامي حين لا يوازيه إنصاف مهني مستحق، ولا ترقٍّ اجتماعي، ولا نفاذ إلى القرار، ولا استقلال في الأثر، ولا قدرة على فتح إمكانات مماثلة أمام نساء أخريات.

ذلك أن المعيار الأدق لا يكون كميًا ولا قطاعيًا، بل ترابطيًا يجيب على السؤال المحوري : ما درجة الاتصال بين دوائر الاعتراف المختلفة؟ بين الظهور، والترقّي، والسلطة، والموارد، والشرعية، والاستقلال، والقدرة على التأثير؟. فإذا كان النسق يمنح المرأة بعض هذه الأبعاد ويضبط أبعادًا أخرى، فإنه لا يكون قد أنصفها إنصافًا متكاملًا، بل يكون قد أعاد توزيع الاعتراف ذاته على نحو يخدم استمرارقواعده العميقة. 

ومن هنا تتضح الفكرة المركزية للمقال كله: لسنا فقط أمام مساواة ناقصة، بل أمام مساواة تُدار بمنطق النسق. والحق لا يمر إلى الواقع بوصفه مضمونًا خالصًا، بل بوصفه موضوعًا لإعادة التكييف. لا ينتقل من مستوى المبدأ إلى مستوى الأثر انتقالًا مباشرًا، بل يُعاد تشفيره وفق قواعد المجتمع وقنوات عمله. ومن ثم، فإن إنتاج تفاوت جديد بين النساء لا يكشف فقط عن استمرار بعض صور اللامساواة، بل عن أن النسق يعيد تشفير المساواة وفق قواعده الخاصة. فالقانون يعيد صياغتها في صورة القابلية للاستعمال، والسياسة في صورة القابلية للتزكية، والعمل في صورة القابلية للتقييم والترقّي، والدين في صورة القابلية للتزكية الرمزية، والجامعة في صورة القابلية للاعتراف المعرفي، والإعلام في صورة القابلية للظهور، والمجتمع المدني في صورة القابلية للوساطة… ومن خلال هذه التشفيرات المختلفة القنوات، تتحول المساواة من مبدأ كلي إلى أشكال متفاوتة من القابلية للعبور والاعتراف والتمثيل.

وعند هذه العتبة يفرض التحليل تمييزًا حاسمًا بين وساطة تُوسّع إمكان المساواة ووساطة تعيد تشكيلها على نحو انتقائي. فليس كل ما يتوسط بين الحق وواقعه مجرد قناة تنقله. فبعض الوساطات يوسع إمكان الحق، ويخفف من ارتهانه بالأرصدة الاجتماعية والمؤسسية السابقة، ويخفض الكلفة للعبور، ويفتح تعددًا في صور الحضور النسائي الفعلي. وبعضها الآخر يُبقي على الحق في مستوى الخطاب، لكنه يعيد ترتيب شروط المرور إليه في الممارسة، بحيث يصبح العبور عند بعض النساء أسهل، وأكثر أمانًا، وأقل كلفة، فيما يغدو عند أخريات أشد هشاشةً، أو أبطأ، أو أقل اكتمالًا في نتائجه. ومن هنا لا يعود السؤال: هل توجد وساطة؟ فهذا أمر لا مهرب منه اجتماعيًا. بل: ماذا تفعل الوساطة بالمساواة؟ هل توسعها؟ أم تعيد ضبطها؟ أم تحولها، من حيث لا يُعلن، إلى أداة جديدة لإعادة الانتقاء؟

وبذلك نصل إلى الخلاصة التي تجعل التحليل مكتملًا في بنيته وخيطه الناظم: إن مناهضة التمييز بين المرأة والرجل، حين تُدار داخل نسق لم يفكك أسسه العميقةفي إنتاج الشرعية والقيمة، لا تنتج فقط تقليصًا لفارق قديم، بل قد تنتج، من داخل هذا التقليص ذاته، معيارًا جديدًا للتمييز. وهنا تحديدا يتحول السؤال من: من هي المرأة التي لم تشملها المساواة؟ إلى: من هي المرأة التي يُسمح لها بأن تجسد المساواة؟ من هي المرأة التي يُمنح حضورها معنىً تقدميًا؟ ومن هي المرأة التي يُعاد توزيع حضورها أو تجزئة إنصافها أو الحد من تمام الاعتراف بها، حتى وهي مشمولة بالمبدأ نفسه؟ هنا لا تعود المساواة فقط أداة لتقليص الحيف، بل تصبح، إذا أُديرت بمنطق النسق، أحد أهم تمظهرات امتصاص التحول كما يُفهم هنا: أي إعادة تشغيل التغيير من داخل القواعد العميقة نفسها التي كان يُفترض به أن يخلخلها.

ومن هنا يبرز السؤال الذي ينبغي أن يقود المقال المقبل، لا بوصفه امتداداً عادياً داخل السلسلة، بل بوصفه منعطفاً تحليلياً جديداً: ما المعيار السوسيولوجي-الإبستمولوجي الذي يسمح لنا بالتمييز بين حضور نسائي يوسّع شروط الاعتراف أمام نساء أخريات، وحضور آخر يظل، من حيث لا يعلن، قابلاً للاشتغال داخل آلة إعادة الانتقاء؟

عند هذا الحد فقط يبدأ فصل جديد فعلاً؛ إذ ننتقل من تفكيك البنية العامة للإشكالية إلى بناء اختبار صارم يميّز بين التحول الحقيقي وبين التغذية البنيوية للامتصاص: أي تلك الآلية التي لا ترفض التحول في ظاهره، بل تعيد إدخاله في دورة النسق، عبر قنوات الاعتراف المختلفة، بما يجعل بعض مظاهر التحول مادةً لتجديد شرعيته واستمرار منطقه العميق.(يتبع)

مقال خاص لصحيفة قريش – لندن 

التعليقات

عذراً التعليقات مغلقة

    الاخبار العاجلة
    WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com