في إشكالية القطيعة والتفاهم – حالة المغرب المعاصر- 

15 مايو 2026
في إشكالية القطيعة والتفاهم – حالة المغرب المعاصر- 


التاريخ من منظور سياسي:

بقلم: د. مصطفى الغاشي

كاتب مغربي في التاريخ والفكر السياسي والعلاقات الدولية

مقدمة

يشكل التاريخ، في أحد أبعاده الجوهرية، حقلًا لإعادة إنتاج المعنى السياسي، حيث تتداخل فيه الوقائع مع التأويلات، والذاكرة مع السلطة. ومن ثم، فإن دراسة التاريخ لا يمكن أن تنفصل عن تحليل البنيات السياسية التي تؤطره، سواء من حيث إنتاجه أو توظيفه.

في هذا السياق، تبرز إشكالية “القطيعة والتفاهم” باعتبارها ثنائية تفسيرية تساعد على فهم كيفية انتقال المجتمعات من وضع إلى آخر، وكيفية تدبيرها للحظات التحول الحاسمة في تاريخها الجماعي. 

أولًا: التاريخ كحقل للصراع السياسي. 

لا شك أن هناك عدة تصورات للتاريخ. 

ففي التصور الماركسي، التاريخ هو تاريخ صراع الطبقات، وهو تصور يُبرز الطابع النزاعي للتاريخ، حيث تتحدد التحولات الكبرى وفق موازين القوة بين الفاعلين الاجتماعيين.

من جهة أخرى، يؤكد فوكو أن التاريخ ليس مجرد تراكم للمعرفة، بل هو نتاج علاقات السلطة التي تحدد ما يُقال وما يُقصى. فالتاريخ، وفق هذا التصور، هو خطاب مشروط بإرادة الهيمنة، وليس مرآةً محايدةً للواقع.

ثانيًا: القطيعة كآلية للتغيير الجذري.

على هذا المستوى، تشير القطيعة إلى لحظة انفصال نوعي مع الماضي، تتخذ غالبًا شكل ثورات أو انهيارات كبرى. وتُعد الثورة الفرنسية نموذجًا كلاسيكيًا للقطيعة، حيث تم الانتقال من نظام ملكي إقطاعي إلى نظام جمهوري حديث.

كما يمثل سقوط جدار برلين لحظة قطيعة مع النظام الثنائي القطبية، وبداية إعادة تشكيل النظام الدولي.

غير أن القطيعة، رغم بعدها التحرري، تظل محفوفة بالمخاطر، إذ قد تؤدي إلى فراغ مؤسساتي أو إعادة إنتاج أنماط جديدة من السيطرة، خاصة في غياب بدائل سياسية واضحة.

ثالثًا: التفاهم كآلية للتدبير السياسي.

في مقابل القطيعة، يقوم التفاهم على منطق التفاوض والتسوية، حيث يتم تدبير التحولات السياسية عبر آليات سلمية وتوافقية. ويشكل نموذج لجنة الحقيقة والمصالحة في جنوب أفريقيا مثالًا بارزًا، حيث تم تجاوز إرث الفصل العنصري عبر آلية المصالحة بدل الانتقام. كما تمثل اتفاقية الجمعة العظيمة نموذجًا ناجحًا لإدارة الصراع عبر التفاهم السياسي.( اتفاق الجمعة العظيمة أو اتفاق بلفاست 1998 بين بريطانيا وجمهورية إيرلندا واحزاب ايرلندا الشمالية، ويهدف الى وضع حد للنزاع في صورة نهائية، وتحقيق التعايش السلمي بين طوائف إيرلندا الشمالية، وبينها وبين جمهورية إيرلندا.) 

يُبرز هذا المنظور أن الاستقرار السياسي لا يتحقق فقط عبر الحسم، بل أيضًا عبر بناء توافقات تضمن استمرارية النظام.

رابعًا: جدلية القطيعة والتفاهم في الفكر السياسي.

لا يمكن اختزال العلاقة بين القطيعة والتفاهم في ثنائية تناقضية، بل هي علاقة جدلية. فكل قطيعة تحتاج إلى حد أدنى من التفاهم لضمان استقرارها، وكل تفاهم يتضمن شكلًا من أشكال القطيعة مع الماضي.

وفي هذا الإطار، يقدم غرامشي مفهوم “الهيمنة” كأداة تحليلية، حيث يؤكد أن السلطة لا تقوم فقط على الإكراه، بل على بناء قبول اجتماعي واسع، ما يجعل التفاهم عنصرًا أساسيًا في استدامة التغيير.

خامسًا: تطبيقات في السياق المغربي-المغرب المعاصر- 

لقد اتسم المسار التاريخي للمغرب، منذ الاستقلال سنة 1956، بتداخل جدلي بين منطقين متوازيين: منطق القطيعة الذي تجسد في لحظات التحول وإعادة البناء، ومنطق التفاهم الذي ظهر في محطات التوافق الوطني وإعادة ترتيب العلاقة بين الدولة والقوى السياسية والاجتماعية. ولم يكن هذان المنطقان متعارضين على نحو مطلق، بل شكلا معاً دينامية خاصة أسهمت في صياغة النموذج السياسي المغربي، القائم على التدرج والإصلاح المتواصل بدل الانفجار أو الانقطاع الجذري. كيف ذلك؟ 

اولا : المغرب المعاصر بين الاستمرارية والتحول،

1. مرحلة بناء الدولة الوطنية (1956-1961)،

مثلت مرحلة الاستقلال لحظة قطيعة تاريخية مع النظام الاستعماري، لكنها في الوقت نفسه حافظت على استمرارية المؤسسة الملكية باعتبارها مركز الشرعية السياسية والتاريخية. وهكذا، جمع المغرب بين القطيعة مع الاستعمار والتفاهم حول أسس بناء الدولة الوطنية الحديثة.

2. مرحلة ترسيخ الدولة المركزية (1961-1999)،

عرفت هذه المرحلة توترات سياسية كبرى بين الدولة والحركة الوطنية، خاصة خلال ما عُرف بسنوات الرصاص. غير أن هذا الصراع لم يمنع استمرار قنوات التفاوض والحوار، التي أفضت تدريجياً إلى بناء أرضية مشتركة للتفاهم السياسي.

3. مرحلة التناوب التوافقي (1998)،

خيث شكلت حكومة التناوب التوافقي بقيادة “عبد الرحمن اليوسفي” محطة مفصلية في التاريخ السياسي المغربي. فقد جسدت انتقالاً من منطق المواجهة إلى منطق الشراكة، ومن القطيعة بين الدولة والمعارضة إلى التفاهم حول تدبير المرحلة.

ثانياً: العهد الجديد وإعادة صياغة التوازنات،

1. ما بعد وفاة الحسن الثاني وانتقال العرش سنة 1999،

مثّل اعتلاء الملك “محمد السادس”, العرش لحظة تجديد سياسي ومؤسساتي، اتسمت بإطلاق إصلاحات واسعة شملت مجالات حقوق الإنسان، والتنمية الاجتماعية، والحكامة.

2. دستور 2011: قطيعة إصلاحية في إطار الاستمرارية،

جاء دستور 2011 استجابة لسياق داخلي وإقليمي خاص، وشكل قطيعة نوعية مع بعض أنماط التدبير السابقة، من خلال تعزيز مكانة الحكومة والبرلمان وتوسيع مجال الحقوق والحريات. لكنه في الآن نفسه حافظ على الثوابت الكبرى للنظام السياسي المغربي.

ثالثًاً: آليات التفاهم في النموذج المغربي،

1. الملكية كفاعل تحكيمي،

حيث  تضطلع المؤسسة الملكية بدور محوري في ضمان استمرارية الدولة وتدبير التوازنات بين الفاعلين السياسيين، مما يجعلها مركزاً لإنتاج التوافق الوطني.

2. التوافق كآلية للإصلاح،

حيث اعتمد المغرب، في مختلف محطاته الإصلاحية، على منطق التدرج والتوافق، سواء في مجال الإصلاح الدستوري أو في تدبير القضايا الوطنية الكبرى.

3. الوساطة المؤسساتية،

حيث أسهمت المؤسسات الدستورية والأحزاب السياسية والنقابات وهيئات الحكامة في تعزيز ثقافة الحوار والتفاوض، بما يحد من احتمالات القطيعة الصدامية.

رابعا: حدود القطيعة وإكراهات التفاهم؟ 

من الملاحظ انه رغم نجاح النموذج المغربي في تحقيق قدر معتبر من الاستقرار، فإنه يواجه تحديات متعددة، من أبرزها:

– بطء وتيرة الإصلاح في بعض المجالات.

– محدودية فعالية الوساطة الحزبية.

– تنامي مطالب المشاركة السياسية والعدالة الاجتماعية.

– الحاجة إلى تجديد النخب وتعزيز الثقة في المؤسسات.

خامسا:  خصوصية النموذج المغربي، 

تتجلى خصوصية المغرب في قدرته على الجمع بين الإصلاح والاستمرارية، وبين التغيير والمحافظة، وبين القطيعة الجزئية والتفاهم الاستراتيجي. وهو ما جعله يقدم “نموذجاً متميزاً في الانتقال السياسي داخل الفضاء العربي والإفريقي”.

ونهلص في ختام هذا المقال إلى أن التاريخ، في بعده السياسي، هو نتاج تفاعل مستمر بين القطيعة والتفاهم، حيث لا يمكن لأي تحول أن يتحقق أو يستمر دون توازن بين هذين البعدين. فالقطيعة توفر إمكانية التغيير، بينما يضمن التفاهم استدامته. ومن ثم، فإن فهم هذه الجدلية يشكل مدخلًا أساسيًا لتحليل التحولات السياسية، سواء في السياقات العالمية أو المحلية.

إن قراءة التاريخ المغربي من منظور سياسي تكشف أن مساره لم يكن قائماً على منطق القطيعة المطلقة أو التفاهم المطلق، بل على تفاعل مستمر بينهما. فقد شكلت القطيعة أداة للتجديد وإعادة البناء، بينما وفر التفاهم إطاراً لضمان الاستقرار والاستمرارية. ومن ثم، فإن فهم النموذج المغربي يقتضي استيعاب هذه الجدلية التي صنعت خصوصيته التاريخية والسياسية.

وفي هذا السياق، يظل المغرب مثالاً على قدرة الأنظمة السياسية على تحويل التوترات إلى فرص للإصلاح، وعلى بناء نموذج سياسي يقوم على التوازن بين متطلبات التغيير ومقتضيات الاستقرار..

لائحة مراجع مختارة للاستئناس 

أولاً: المراجع العربية

– كارل ماكس،  رأس المال، دار التقدم العربي، بيروت، 2017 .

أركيولوجيا المعرفة، ميشيل فوكو. المركز الثقافي العربي،  الدار البيضاء ، 2015 . 

– أنطونيو غرامشي، دفاتر السجن، . منشورات الجمل ، ألمانيا،  2023. 

– فرانسيس فوكوياما، نهاية التاريخ والإنسان الأخير، . دار العلوم العربية للطباعة والنشر،  القاهرة 1993.  

– صموئيل هنتنغتون، صدام الحضارات، دار النشر الجماهيرية للنشر والتوزيع والإعلان، مصراتة، 1999. 

– عبد الله العروي، مجمل تاريخ المغرب، الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي، 1996.

– عبد الله العروي، مفهوم الدولة، الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي، 1981.

– محمد عابد الجابري، الخطاب العربي المعاصر: دراسة تحليلية نقدية، بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 1982.

– محمد عابد الجابري، العقل السياسي العربي: محدداته وتجلياته، بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 1990.

– إبراهيم بوطالب، تاريخ المغرب الحديث والمعاصر، الرباط: دار توبقال للنشر، 1993.

– محمد ضريف، الفاعل السياسي في المغرب، الدار البيضاء: أفريقيا الشرق، 1992.

– حسن طارق، الانتقال السياسي في المغرب: أسئلة الإصلاح والسلطة، الرباط: منشورات الزمن، 2012.

– محمد شقير، تطور النظام السياسي المغربي، الدار البيضاء: أفريقيا الشرق، 2005.

ثانياً: المراجع الأجنبية.

– Rémy Leveau, Le Fellah marocain, défenseur du trône, Paris: Presses de la Fondation Nationale des Sciences Politiques, 1985.

– Mohamed Tozy, Monarchie et Islam politique au Maroc, Paris: Presses de Sciences Po, 1999.

– Daniel Rivet, Histoire du Maroc: De Moulay Idrîs à Mohammed VI, Paris: Fayard, 2012.

مقال خاص لصحيفة قريش _لتدن 

التعليقات

عذراً التعليقات مغلقة

    الاخبار العاجلة
    WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com