سعيد الحنصالي ..بين اللغة والدماغ: اضطرابات التعلم

8 مايو 2026
سعيد الحنصالي ..بين اللغة والدماغ: اضطرابات التعلم

الرباط – قريش 

احتضن  رواق مؤسسة محمد السادس للأشخاص في وضعية إعاقة الأربعاء،  بالمعرض الدولي للكتاب والنشر في دورته الواحدة والثلاثون، لقاء علميا خُصِّص لتقديم كتاب بين اللغة والدماغ: مسارات الإدراك في طيف التوحد ومتلازمة داون واضطرابات التعلم، لصاحبه الباحث والأكاديمي المغربي ذ. سعيد الحنصالي والذي صدر نهاية عام 2025 عن دار بيبليو لوكيد للنشر والتوزيع.

 و عرف هذا اللقاء  نقاشًا واسعا حول خلفيته النظرية ومقاصده العلمية، انطلاقًا من فرضيته الأساسية التي تربط اللغة بالدماغ من منظور معرفي عصبي ذريعي؛ فاللغة، في التصور الذي يقترحه الكتاب، ليست مجرد أداة للتواصل أو وعاءٍ للمعجم والنحو، بل هي نظام إدراكي يعكس ديناميات المعالجة العصبية-المعرفية ويكشف، من خلال عالم الاضطرابات النمائية العصبية، عن بنيات أعمق في تنظيم الانتباه والذاكرة وبناء التمثلات. 

وقد توقف المشاركون عند خيار المؤلِّف المنهجي الذي رفض الاقتصار على نموذج تفسيري واحد، مفضّلًا مقاربة تكاملية تجمع بين علوم الأعصاب وعلم النفس المعرفي واللسانيات الإكلينيكية، مع حضور واضح للبعد الذريعي/التداولي بوصفه مفتاحًا لفهم المعنى داخل التفاعل. وفي هذا السياق، طُرحت أسئلة عديدة حول أهمية تفادي الاختزال البيولوجي مع الحفاظ على دقة التحليل العصبي، فكان الجواب في اتجاه تأكيد أهمية القراءة متعددة المستويات، فالآليات العصبية تضيء القيود والوظائف، والتحليل اللساني يوضح صور التعثر في الفهم والتعبير، بينما يضع المنظور التربوي-الحقوقي هذه المعطيات في أفق الإنصاف والدمج، وليس في أفق الوصم أو ردّ الظواهر إلى نقصٍ مطلق. 

أما المحور الأكثر كثافة في اللقاء فكان مخصصًا للتوحد، حيث استعاد النقاش النظريات الرئيسة التي عادة ما تُستدعى في هذا المجال، من نظرية الذهن والوظائف التنفيذية إلى ضعف التماسك المركزي وإشكالات الخصوصيات الحسية، لكن المنعطف الذي وحّد المداخلات تمثل في إعادة صياغة السؤال: هل التوحد خلل في التواصل أم اختلاف في طريقة بناء المعنى؟ وقد بدا أن الكتاب ينحاز إلى الفرضية الثانية، إذ يركز على أن التحدي الأكبر لا يكمن في امتلاك البنية اللغوية فقط، بل في شروط الاستدلال على النية، ووزن السياق، وفهم الإحالات الضمنية والمعاني غير الحرفية.

 وامتد النقاش إلى الإدراك الحسي بوصفه بنية تأسيسية قد تسبق الرمزي وتؤثر في إمكانية تثبيت الانتباه وبناء سياق مشترك يسمح للمعنى أن يتداول، كما انتقل إلى الذاكرة العاملة والحِمل المعرفي والترميز التنبؤي ومعرفية المعرفة باعتبارهما مفاتيح لفهم صعوبات التعلم، مع إبراز القوة التطبيقية التي يفتحها هذا التحليل، أي إعادة تصميم التعلم وفق قدرات المتعلم بدل إلزام المتعلم بمعايير تعليمية صلبة. وفي مقارنة مسارات اللغة بين التوحد ومتلازمة داون، طُرحت أسئلة حول الفروق بين الفهم والإنتاج اللغوي لدى الأطفال ذوي الصبغية الزائدة، وحول ما إذا كانت الصعوبات اللغوية أقرب إلى قيود معرفية عامة أو إلى محددات عصبية بنيوية، قبل أن يتوسع اللقاء إلى اضطرابات التعلم المحددة، وخاصة عسر القراءة، وعلاقتها بالبنية العصبية للغة والانتباه والتحصيل.

واختُتمت الجلسة بأسئلة تتجاوز الوصف إلى الفعل، أي كيف يمكن ترجمة هذه المعطيات إلى ممارسات صفية وجامعية دامجة تستوحي مفهوم التصميم الشمل؟ وكيف يمكن الانتقال من خطاب العجز إلى الاستثمار في نقاط القوة الإدراكية؟ ثم بسؤال ختامي ذي طابع فلسفي-علمي حول إعادة تعريف الإنسان نفسه، بل والوعي الإنساني بوصفه تنوعًا في مسارات الإدراك وبناء المعنى، وليس نسخة واحدة معيارية من الذكاء والتواصل.

التعليقات

عذراً التعليقات مغلقة

    الاخبار العاجلة
    WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com