زعل وهمي على الحكام الشيعة في العراق

30 مايو 2026
زعل وهمي على الحكام الشيعة في العراق

عامر ابو تراب

البصرة


جدل واسع أثاره التصريح الأخير للسيد مقتدى الصدر، الذي عبّر فيه عن غضبه وزعله مما ذكره سفير بريطانيا في العراق خلال مقابلة تلفزيونية، بعدما استغرب السفير زعم بعض السياسيين الشيعة في العراق أن الغرب يعاديهم، متسائلًا: كيف يمكن أن «نعادي من جئنا بهم إلى السلطة في العراق»؟

وقد أشعل “زعل” مقتدى الصدر جدلًا واسعًا على وسائل التواصل الاجتماعي، حيث أكد العديد من المعلقين أن السفير البريطاني لم يأتِ بجديد، فالطبقة السياسية في العراق، بحسب رأيهم، صناعة غربية لم تتغير منذ عام 2003. وقد أثارت مفردة «زعل» التي استخدمها مقتدى الصدر في تصريحه تعليقات ساخرة من العديد من المواطنين على وسائل التواصل الاجتماعي، وراح كثير من المعلقين يرددون مقاطع من أغنية «ولو تزعل» للمطرب العراقي الراحل ياس خضر، في حين عرض معلّق آخر تسجيلًا قديمًا تحت عنوان «ولو تزعل سيدنا»، تضمّن تصريحًا سابقًا لمقتدى الصدر نفسه يقول فيه: «لكن أن تُقام حكومة شيعية في وجود المحتل، فهو العار».

وقال أحدهم: من يستطيع أن ينسى مشهد رئيس وزراء العراق إبراهيم الجعفري وهو يهدي سيف الإمام علي (ع) إلى وزير الدفاع الأمريكي دونالد رامسفيلد آنذاك، أو أن ينكر أن رئيس الوزراء نوري المالكي، الذي جاء بعده، كان يزور مقبرة الجنود الأمريكيين الذين سقطوا في العراق إحياءً لذكراهم؟

ويعيد هذا السجال إلى الأذهان حكاية قديمة يتذكرها المهتمون بالسياسة الدولية. ففي عام 1996، ترشّح الراحل بطرس بطرس غالي لولاية ثانية أمينًا عامًا للأمم المتحدة، وسط معارضة أمريكية انتهت بحرمانه من تجديد ولايته، وتعيين كوفي عنان خلفًا له. وكانت لدى الولايات المتحدة تحفظات متعددة على مواقف بطرس غالي من أزمات سياسية حادة في شرق أوروبا وإفريقيا، وكذلك من الجرائم الإسرائيلية في لبنان، إذ لم يستجب خلالها للضغوط والطلبات الأمريكية.

وعلى هذه الخلفية، شنّت بعض الصحف، ولا سيما البريطانية، حملة إعلامية ضد بطرس بطرس غالي. ولمّا لم يكن في تاريخه الشخصي ما يُعيبه، عمدت تلك الصحف إلى التذكير بدور جدّه، بطرس باشا غالي، المقرّب من بريطانيا، الذي عُيّن رئيسًا لوزراء مصر عام 1908. وقد ارتبط اسم بطرس باشا، في الذاكرة الوطنية المصرية، بتشريعات وسياسات منحازة للاحتلال البريطاني، من بينها محاولة تمديد امتياز قناة السويس لبريطانيا مدة أربعين عامًا، إضافة إلى دوره في حادثة دنشواي الشهيرة وما تبعها من أحكام إعدام بحق الفلاحين المصريين.

تعيد هذه الحادثة التذكير بطريقة تفكير المستعمِر؛ فقد عادت بريطانيا إلى أحداث مضى عليها قرن كامل، ساعيةً إلى نبش تاريخ أحد رجالات الحقبة الاستعمارية لتشويه صورة حفيده بطرس بطرس غالي، رغم أن الأخير كان يُنظر إليه بوصفه شخصية مستقلة، ولم يُعرف عنه الارتهان لأي جهة أجنبية.

والدرس المستفاد هنا أن قوى الاستعمار التي تأتي بالحكّام إلى السلطة تظل تنظر إليهم بوصفهم مدينين لها، وتطالبهم، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، بالبقاء ضمن حدود الطاعة السياسية. كما أن آثار تلك العلاقة لا تتوقف عند جيل واحد، بل إن عارها وتبعاتها قد يمتدان ليلاحقا الأبناء والأحفاد في الذاكرة الوطنية والشعبية.

التعليقات

عذراً التعليقات مغلقة

    الاخبار العاجلة
    WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com