د. مناف حسن العلي
بعد انتظار طويل خرج علينا التحالف الشيعي بترشيح رئيس وزراء جديد لا نعرف عنه أي دور سياسي في منظومة الحكم ولم يُرشح في الإنتخابات السابقة ولم يُمارس عملاً قيادياً في إدارة الدولة، ولكن أختلاف التحالف الشيعي فيما بينه لاختيارمرشح أفرز لهم مرشح توافقي بالرغم من ملفات الفساد التي تحوم حوله والثروة الطائلة التي جناها تحت مظلة الحكومات الفاسدة المتعاقبة وربما يكون قد اشترى المنصب من ملياراته.
في ظل هذا الوضع المأساوي للعراق أعادتني الذاكرة الى أيام الشباب حينما كان الحماس يسيطرعلينا خاصةً في المناسبات الوطنية والقومية حيث كنا نحفظ القصائد الوطنية والحماسية لنلقيها في تلك المناسبات معتقدين آنذاك أننا بإمكاننا تغيير وضع البلد الى ما هو أفضل.
من بين تلك القصائد كانت قصيدة إيقاظ الرقود للشاعر معروف الرصافي.
تندرج هذه القصيدة ضمن شعره الوطني الذي يهدف الى النهضة وإيقاظ الهمم ومحاربة الكسل ويحث الناس على السعي والعمل واليقظة لتحقيق التقدم والنهضة.
القصيدة طويلة أخترت منها بضعة أبيات تنطبق على وضع العراق الحالي:
إليكِ إليكِ يا بغدادُ عنِّي فإني لستُ منكِ ولستِ منِّي
ولكنِّي وإن كَبُر التجني يعِزُّ عليَّ يا بغداد أني
أراك على شَفا هولٍ شديد
تتابعتِ الخطوبُ عليكِ تتْرى وبُدِّل منكِ حُلْو العيش مُرَّا
فهلَّا تُنجِبين فتًى أغرَّا؟ أراكِ عقمتِ لا تلدين حُرا
وكنتِ لمثله أزكى ولودِ
ترقَّى العالَمون وقد هبطنا وفي دَرَك الهوان قد انحططنا
وعن سَنَنِ الحضارة قد شَحَطْنا فقَطْنا يا بني بغداد قَطْنا
إلى كم نحنُ في عيش القُرودِ؟
القصيدة تمثل أسلوب الرصافي في التعبيرعن الواقع المتردي بجرأة وقسوة وفي نفس الوقت تعبر عن يأسه من إيقاظ الرقود.
نظم هذه القصيدة في حقبة زمنية كان يتصدر المشهد السياسي مجموعة من رجال السياسة مشهود لهم بالوطنية والنزاهة وكانوا يكافحون لإخراج العراق من الهيمنه البريطانية وينقلونه من دولة متخلفة الى دولة عصرية، ومع ذلك فهو ينتقد أولئك السياسيين ويصف بغداد بإنها عقمت من أن تلد حراً يقودها الى بر الأمان.
قلتُ لو قُدر لمعروف الرصافي أن يُبعث اليوم فماذا سيقول عن المتصدرين للمشهد السياسي في العراق؟ بعد أن استشرى الفساد فيه وأصبح الذي لا يسرق جباناً وأنَّ النزاهة أُلغيت من قاموس السياسة في عراق اليوم وأن الذي يسوس العراق مليشيات مسلحة، ليست مجرد ذراع تنفيذية في يد الأحزاب، بل هي في أحيان كثيرة العمود الفقري الذي تقوم عليه هذه الأحزاب اقتصادياً، وسياسياً، واجتماعياً، إذ تتشابك شبكات المقاولات، والمنافذ الحدودية، والموانئ الموازية، والعقود مع هذه المليشيات تشابكاً عضوياً لا يقبل الفصل أبداً، وأن أي مسعى جدي لتفكيك المليشيات سيعني حتماً تفكيك منظومة التمويل بأسرها، وهو ما يرقى إلى الانتحار السياسي لمن يقدم عليه. ناهيك عن ارتباطها المباشربالحرس الثوري الإيراني وأن تفكيكها ليس قراراً عراقياً محضاً، بل هو أمر يتعلق بالرؤية الإيرانية التي طالما نظرت إلى هذه المليشيات باعتبارها ركيزة لاستراتيجية الدفاع الأمامي لطهران، وبالتالي فلن تضحي إيران بهذه الورقة. والويل كل الويل لمن تسول له نفسه التطاول على هذه المليشيات أو نقدها لاسيما بعد أن أضافوا لها كلمة المقدس.
بعد هذا الإستعراض السريع، هل هناك أملاً بإصلاح العراق وهل فعلاًعقمت بغداد أن تلد حراً كما تنبأ شاعرها الرصافي؟ لك الله يا عراق!
د. مناف حسن العلي
السيادة العراقية في منظور السيد نوري المالكي
منذ تبني الإطار الشيعي ترشيح المالكي لدورة ثالثة لرئاسة الوزراء بعد أن وضع الرئيس الأمريكي الفيتوعلى ترشيحه، صدَّع هو ومناصريه في الإطار الشيعي رؤوسنا بقضية السيادة العراقية والإستحقاق الإنتخابي. فقد أصَّر المالكي وحزبه أنَّ الفيتو الأمريكي يتعارض مع السيادة العراقية وملأوا الفضائيات بتصريحاتهم النارية ضد الفيتو الأمريكي وأنه سوف لن يسحب ترشيحه.
أقول: بالنسبة للاستحقاق الإنتخابي فإن جميع رؤوساء الوزراء منذ 2003 الى الآن جاءوا بالتوافق بين إيران وأمريكا وليس بالإستحقاق الإنتخابي، ما عدا المرشح الأخيرالسيد علي الزيدي الذي جاء بالأوامرالأمريكية فقط من دون أن يكون لديه ولو نائب واحد في مجلس النواب.
أما فيما يتعلق بالسيادة أود أن أُذكرالمالكي في حالة نسيانه عن كيفية تسلمه منصب رئيس الوزراء لأول مرة في العام 2006، حينما رفض الرئيس الامريكي جورج بوش ترشيح الجعفري لدورة ثانية، فقد طلب من ممثله في العراق خليل زلماي زاد ترشيح بديل له.
يمكن تلخيص كيفية تنصيب المالكي في العام 2006، بناءً على مذكرات خليل زاد بما يلي: بعد تفاقم العنف الطائفي (خاصة بعد تفجير سامراء) وعرقلة ترشيح الجعفري، كلَّف خليل زاد فريقاً في السفارة الأمريكية بالبحث عن شخصية شيعية “مقبولة”، وكان خليل زاد يبحث عن شخصية شبيهة بـ “حامد كرزاي” في أفغانستان، أي شخصية يمكن التعامل معها. قدم مساعدو خليل زاد نوري المالكي (الذي كان معروفاً بـ “جواد المالكي”) كشخصية حزبية (من حزب الدعوة) ولكنها غير مستفزة بشدة للأطراف الأخرى مقارنة بغيره. دعا خليل زاد نوري المالكي إلى عشاء في السفارة الأمريكية، حيث تم الاتفاق على أن يكون المالكي هو رئيس الوزراء القادم، بعد أن وجد فيه خليل زاد شخصية يمكن “التحكم بها” أو “توجيهها” لتهدئة الأوضاع. عمل خليل زاد بشكل مباشر وكثيف للضغط على الائتلاف الشيعي داخل البرلمان العراقي للعدول عن ترشيح إبراهيم الجعفري، ونجح في إقناع أطراف سياسية بتبني ترشيح المالكي. رغم أن المالكي كان حينها شخصية غير معروفة للكثيرين، إلا أن خليل زاد أقنع البيت الأبيض وواشنطن بأن المالكي هو الخيار الأفضل لتهدئة السنّة والأمريكيين، والبدء في عملية مصالحة وطنية. وبحسب اعترافات خليل زاد في مذكراته فإنهم “اضطروا” لقبول المالكي لتهدئة الأوضاع المشتعلة، وقد تولى المالكي المنصب رسمياً في مايس 2006.
لم يعترض المالكي في حينها على التدخل الامريكي السافرفي اختياره لهذا المنصب الذي جعل زعيمه الجعفري يتجرع كأس السم بالتنازل عن الترشيح مما اضطره ليعتزل العمل السياسي ويأخذ ملايينه التي جناها من المنصب ويعود الى بلاد المنفى بريطانيا ليقضي بقية عمره متمتعاً بهذا الثراء بعد أن كان حملدار للحجاج.
ويتكرر المشهد اليوم مرة أخرى حيث رفض الرئيس الأمريكي ترشيح المالكي واختار السيد علي الزيدي ليجعل المالكي يتجرع كأس السم كما سبق وأن تجرعه الجعفري، وقالوا في الأمثال: كما تدين تُدان. نصيحتي له أن يحذو حذو الجعفري ويعتزل العمل السياسي الذي أعترف هو بأنه ورفاقه فشلوا جميعاً وعليهم أن يتنحوا من العملية السياسية، ويأخذ ملياراته التي جناها من هذه العملية بعد أن كان بائع سبح في السيدة زينب في سوريا ويرحل الى منفى يختاره ليقضي به بقية عمره.
بعد هذا العرض فهل هناك سيادة في العراق، وهل هناك معنى للإستحقاق الإنتخابي يا أبا إسراء؟
وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاءَ ۗ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ.




















































عذراً التعليقات مغلقة