قراءات نقدية في قضايا المرأة والتحولات المجتمعية (4)
بقلم: د. إيمان غانمي

باحثة مغربية في قضايا النوع الاجتماعي
كلما تقدم النقاش حول قضايا النساء، بدا الأمر وكأننا نقترب أكثر من جوهر الٍاشكالية، بيد أن هذا الاقتراب، على أهميته، قد يخفي بدوره نوعا آخر من الالتباس.
فإذا كنا اليوم، نردد عن صواب، أن النساء يواجهن التمييز، وأن المجتمع لا يزال، في مستويات كثيرة، محكوما ببنيات لا تمنحهن الاعتراف الكامل، فإن هذه الخلاصة، على أحقيتها، لم تعد كافية وحدها؛ فهي تفتح الباب، لكنها لا تستنفد السؤال، لكون الإشكال لا يقف عند حدود القول إن النساء يعانين من التمييز، بل يمتد إلى سؤال أدق: عن أي نساء نتحدث؟ وبأي معنى نستعمل لفظ “المرأة”؟ وهل يكفي هذا المفرد الجامع لكي نحيط بتعدد التجارب، وتفاوت المواقع، واختلاف الكلفة التي تدفعها النساء داخل المجتمع؟
إن الحديث عن”المرأة” بصيغة المفرد يملك، دون شك، قوة رمزية وسياسية. فهو يسمح بتسمية قضية عامة، وبتجميع مطالب كثيرة حول الإنصاف والمساواة والكرامة. غير أن هذه القوة نفسها قد تتحول، متى لم تُفحص بما يكفي من الحذر، إلى مصدر حجب. فالمرأة التي تُستدعى في الخطاب العام كثيرا ما تتحول إلى صورة مجردة: امرأة واحدة، معاناة واحدة، تمييز واحد، ومطلب واحد. والحال أن الواقع لا يسير بهذه البساطة، فالنساء لا يعشن التمييز بالطريقة نفسها، ولا يواجهن البنية الاجتماعية من الموقع ذاته، ولا يمتلكن القدرة نفسها على الكلام، أو الاعتراض، أو المقاومة، أو حتى تسمية ما يتعرضن له في بعض الحالات.
وبناء عليه، فالتمييز نفسه لا يبقى واحدا حين ينتقل من تجربة نسائية إلى أخرى. إنه يغير شكله، ويبدل لغته، ويتخذ أدوات مختلفة بحسب موقع المرأة من المجال العام، ومن النفوذ، ومن العمل، ومن المعرفة، ومن القدرة على المساءلة وعلى التحليل… فقد تكون المرأة مهمشة لأنها لا تُرى، وقد تُحاصر لأنها صارت مرئية أكثر مما ينبغي. وقد تُقصى لأنها لا تتكلم، وقد يتم التعتيم عليها لأنها تكلمت بما يكفي ليصبح كلامها مزعجا للبعض، وقد يكون نجاحها في ذات الوقت سببا في تعرضها للتضييق…
من هنا، فإن تفكيك وهم “المرأة الواحدة” لا يعني إضعاف القضية النسائية، ولا تشتيت معناها، ولا ضرب إمكانات التضامن بين النساء. بل إن هذا التفكيك يبدو ضروريا لكي لا يتحول التضامن نفسه إلى عبارة فضفاضة، واسعة في ظاهرها، لكنها عاجزة عن رؤية الفوارق الدقيقة بين التجارب المختلفة. فالتضامن الذي لا يأخد بعين الاعتبار اختلاف مواقع النساء يظل تضامنا ناقصا، حتى إن بدا قويا على مستوى الخطاب. والإنصاف الذي يخاطب النساء كما لو كن في وضعية واحدة قد ينتهي، من حيث لا يريد، إلى إخفاء نساء كثيرات لا تشبه معاناتهن الصورة الأكثر شيوعا عن التمييز.
وهنا يتضح جليا أن اختزال المسألة في كون نساء استفدن من التحولات ونساء بقين خارجها، يبقى تحليلا سطحيا رغم كونه صحيحا في جانب منه، لكونه لا يكفي لمقاربة الإشكالية؛ ذلك أن التمييز نفسه يتعدد في صوره، فقد يكون ظاهرا وخشنا حين يتعلق الأمر بالهشاشة، أو الاستغلال، أو العنف المرئي، أو غياب الحماية، أو قابلية الاستبدال… وقد يكون أكثر نعومة حين يتعلق الأمر بالتعتيم، أوالتضييق، والتبخيس، أو التشكيك، أو نزع الشرعية، أو تحويل حضور المرأة إلى حضور بلا أثر. وقد يمنع التمييز المرأة من الوصول، كما قد يسمح لها بالوصول، لكنه يضع حول هذا الوصول شروطا غير معلنة، حتى لا يتحول إلى قدرة فعلية على التأثير.
ولهذا لا يكفي أن نسأل: هل تعاني النساء من التمييز؟ بل ينبغي أن نسأل أيضا: كيف يظهر هذا التمييز؟ وبأي أدوات يشتغل؟ هل يأتي في صورة إقصاء مباشر، أم في صورة احتواء هادئ؟ هل يمارس نفسه عبر إسكات المرأة، أم عبر جعل الكلام نفسه مكلفا؟ هل يستهدف المرأة لأنها بعيدة عن المجال العام، أم لأنها دخلت هذا المجال ورفضت أن يكون حضورها مجرد صورة؟

هذه الأسئلة ليست إضافة شكلية إلى النقاش، بل إنها تمس صلبه، باعتبار اختزال النساء في صورة واحدة يؤدي، بالضرورة، إلى اختزال التمييز في صورة واحدة. والحال أن التمييز لا يتحرك دائما بالمنطق نفسه. فهو قد يكون اقتصاديا أو اجتماعيا أو رمزيا أو مؤسسيا. بل وقد يظهر أحيانا داخل الفضاءات التي تعلن، من حيث المبدأ، انحيازها إلى المساواة. وهنا بالضبط يصبح التحليل أكثر صعوبة، لأن التمييز لا يقدم نفسه دائما بوجهه الخشن، بل قد يتخفى في بعض الأحيان داخل لغة حديثة، أو داخل تمثيلية نسائية لا تغير من القواعد إلا مظهرها.
وفي هذا السياق، يبدو مفهوم التقاطعية، أو «intersectionnalité»، في تقديري، بحاجة إلى توسيع. فقد استُعمل هذا المفهوم، في الغالب، لفهم تداخل النوع الاجتماعي مع عناصر أخرى، من قبيل الطبقة، والمجال الجغرافي، والهشاشة الاقتصادية، والمستوى التعليمي، والوضع الاجتماعي… وهذا استعمال ضروري، لأنه يمنعنا من التعامل مع النساء ككتلة واحدة؛ غير أن التجربة تكشف أن التقاطعية لا تقف عند حدود الهشاشات التقليدية، بل هناك تقاطعية أخرى، أقل تداولا في الخطاب العام، لكنها شديدة الدلالة: تقاطع كون المرأة امرأة مع كونها صاحبة صوت، أو صاحبة موقف، أو فاعلة في مجال عام، أو منخرطة في مسار نضالي لا يكتفي بالمطالبة الرمزية بالمساواة.
فالمرأة لا تتعرض أحيانا للتمييز لأنها فقيرة، أو عاملة، أو قروية، أو خارج شبكات الحماية فقط. بل قد تتعرض لضغط مخصوص لأنها مناضلة أيضا. لأنها لا تقبل أن تكون موضوعا للخطاب، بل تريد أ، تكون طرفا في إنتاجه، ولا تكتفي بكونها متفاعلة أومنفعلة مع مشهد أو مجال معين، بل تسعى لتصبح فاعلة؛ لأنها لا تكتفي بأن يُتكلم باسم النساء، بل تسأل: أي نساء؟ ومن يتكلم؟ وبأي شرعية؟ ولأي غاية؟ وهنا بالذات يتحول الوعي إلى كلفة، وتصبح القدرة على تسمية الاختلال في التعاطي مع تيمة المساواة سببا في مقاومة ناعمة، لا تعلن نفسها دائما كرفض، لكنها تظهر في صور متعددة: تقليل من القيمة، تشكيك في النوايا، تأويل للصرامة بوصفها خصومة، أو تحويل النقد إلى تهمة بدل قراءته باعتباره جزءا من مطلب الإنصاف.
وتظهر المفارقة بوضوح حين نرى أن المرأة الصامتة قد تُهمش لأنها لا تتكلم، بينما قد تُحاصر المرأة المتكلمة لأنها تكلمت. المرأة غير المرئية قد تُنسى، والمرأة المرئية قد يُعاد تأويل حضورها حتى يفقد قوته؛ المرأة التي لا تصل إلى المجال العام تواجه الإقصاء، والمرأة التي تصل إليه قد تواجه شكلا آخر من التضييق: محاولة طمس صوتها، وتقليص حضورها، ومحاصرة طموحها المشروع…
هكذا لا نكون دائما أمام خروج من التمييز، بل أمام انتقال من شكل إلى آخر. قد يتغير المشهد، دون أن تتغير القواعد العميقة. وقد يصبح حضور النساء مقبولا حين يكون هادئا، رمزيا، غير مزعج، لا يسائل توزيع السلطة ولا معنى التمثيل. لكنه يصبح أقل قبولا حين يتحول إلى سؤال، أو حين يربط المساواة بآثارها العملية، لا بصورتها الخطابية فقط.
وتبدو المرأة المناضلة، في هذا المستوى، حالة كاشفة. فهي لا تكشف التمييز لأنها تتعرض له فحسب، بل لأنها تضع آلياته موضع سؤال. وهذا ما يجعل موقعها أكثر تعقيدا. فالتمييز لا يضيق بالمرأة فقط حين تكون ضعيفة أو معزولة أو صامتة، بل قد يضيق بها أيضا حين تصبح واعية، وحين تمتلك لغة تسمية الظلم، وحين ترفض أن يتحول الإنصاف إلى عبارة جميلة لا تغير شيئا في الواقع.
فالمرأة التي تناضل من أجل المساواة لا تطالب لنفسها وحدها، إنها تفتح سؤالا أوسع حول معنى العدالة، وحول صدقية الخطاب الذي يعلن المساواة دون أن يذهب دائما إلى تفعيلها. ومع ذلك، كثيرا ما تجد نفسها أمام كلفة مضاعفة: كلفة التمييز من جهة، وكلفة تسميته من جهة أخرى. وكأن تسمية الاختلال، في بعض السياقات، تصبح أكثر إزعاجا من الاختلال نفسه.
غير أن الصورة لا تكتمل إذا تصورنا أن التمييز ضد النساء يمر دائما عبر علاقة مباشرة بين رجل مهيمن وامرأة مقصاة؛ فالبنيات الاجتماعية لا تحتاج في كل مرة إلى وجه ذكوري مباشر لكي تستمر. أحيانا تعيد هذه البنيات إنتاج نفسها عبر وسائط أخرى، ومنها وسائط نسائية، تجعل استمرارها أقل ظهورا وأكثر قابلية للقبول. وهنا ينبغي أن يكون التحليل دقيقا وحذرا، حتى لا يسقط في خطاب يضع النساء في مواجهة النساء. فالمقصود ليس محاكمة النساء أخلاقيا، ولا توزيع الاتهامات، بل فهم الطريقة التي يستطيع بها النسق في بعض الحالات، أن يستوعب بعض النساء، وأن يمنحهن موقعا أو حضورا، ما دام هذا الحضور لا يهدد قواعده العميقة.
فقد تستفيد بعض النساء من مساحات فتحتها نضالات نساء أخريات، وتنتفع من لغة صيغت عبر سنوات، ومن شرعية انتُزعت بصعوبة، ومن حقوق لم تأت من فراغ. غير أن الاستفادة من نتائج النضال لا تعني دائما حمل روحه. فقد تصل امرأة إلى موقع ما لأنها أكثر قابلية للقبول داخل توازنات قائمة، لا لأنها تحمل بالضرورة امتدادا لمسار نضالي . وقد تُفضل لأنها أقل إزعاجا، أو لأنها لا تستدعي الأسئلة التي طرحتها نساء أخريات قبلها، أو لأنها تمنح صورة حداثية دون أن تفرض على البنية أن تغير شيئا في منطقها.
وهنا تظهر مفارقة دقيقة؛ فالقضية التي رُفعت في الأصل من أجل إنصاف النساء قد تُستعمل أحيانا لإنتاج فرز جديد بين النساء أنفسهن: ليست كل امرأة حاضرة في الواجهة امتدادا للنضال النسائي، وليست كل امرأة مناضلة تجد بالضرورة مكانها في تلك الواجهة. فقد يصبح القرب من النفوذ أقصر طريق إلى الاعتراف، بينما يصبح النضال، بما يحمله من ذاكرة وأسئلة وكلفة، طريقا أكثر وعورة. وقد تُقبل المرأة التي لا تزعج، في حين تُحاصر المرأة التي تجعل من حضورها سؤالا لا مجرد صورة.
ولا يعني ذلك، بطبيعة الحال، أن كل حضور نسائي داخل المؤسسات أو بالقرب من المجال العام حضور ملتبس أو قابل للتشكيك؛ فمثل هذا الحكم سيكون تبسيطيا وغير منصف. فهناك نساء كثيرات يحملن، من داخل المواقع والمؤسسات، أسئلة حقيقية، ويجعلن من حضورهن فرصة لتوسيع معنى المساواة. غير أن المطلوب هو التمييز بين حضور يضيف إلى العدالة، وحضور يكتفي بتزيين اللامساواة. بين امرأة تجعل الموقع امتدادا لسؤال التغيير، وامرأة يجعلها الموقع جزءا من قواعد لم تتغير. بين حضور يفتح الطريق لغيره، وحضور يغلق السؤال بمجرد أنه تحقق في الصورة.
وهنا تتأكد الحاجة إلى فهم أوسع للتقاطعية. فهي ليست فقط اجتماع هشاشات داخل تجربة امرأة واحدة، بل هي أيضا تداخل بين النوع الاجتماعي وموقع المرأة من الصوت، ومن النفوذ، ومن النضال، ومن قابلية الاستيعاب داخل البنية؛ فالمرأة لا تتحدد فقط بما تعانيه، بل أيضا بما تفعله إزاء ما تعانيه. وحين تنتقل من موقع المتضررة الصامتة إلى موقع الفاعلة التي تسمي الضرر وتكشف منطقه، فإن علاقتها بالبنية تتغير. قد تُسمع، وقد تُؤجل، وقد تُستنزف، وقد يُفضل عليها صوت آخر أقل كلفة وأقل مساءلة.
بهذا المعنى، لا يمكن النظر إلى المرأة المناضلة باعتبارها تفصيلا هامشيا في النقاش حول قضايا النساء. فهي تكشف وجها من وجوه التمييز لا يظهر دائما في الخطاب العام. إنها تكشف أن المشكلة ليست فقط في غياب النساء عن المجال العام، بل أيضا في شروط حضورهن داخله، وتكلفة هذا الحضور، وطبيعة هذا الحضور؛ كما تكشف أن المساواة لا تقاس بالعدد وحده، بل بالمعنى الذي يحمله هذا العدد. فحضور النساء لا يصبح تقدما لمجرد أنه حضور نسائي، بل بما يفتحه من إمكان لتغيير الشروط التي جعلت غياب النساء أو تبخيسهن ممكنا في الأصل.
من هنا، يحتاج الدفاع عن المساواة إلى وعي مزدوج: وعي بالتمييز الذي يمس النساء في علاقتهن بالبنيات الاجتماعية والثقافية والمؤسساتية، ووعي آخر بالطريقة التي قد يعاد بها إنتاج آثار هذا التمييز داخل المجال النسائي نفسه. فليس كل ما يُرفع باسم النساء يخدم بالضرورة القضايا العادلة للنساء، وليس كل تمثيل نسائي دليلا على تحول حقيقي، وليس كل حضور في الواجهة علامة على انتقال في العمق. بل قد تكون بعض الواجهات شكلا من أشكال امتصاص التحول، لا تعبيرا عن تعميقه.
إن تفكيك وهم “المرأة الواحدة” كما أبسطه في هذا المقال، لا يراد به التفرقة بين النساء، بل بالأحرى تحرير التضامن بينهن من التبسيط. فالتضامن الحقيقي لا يقوم على إنكار الفوارق بين التجارب، بل على الاعتراف بها وأخذها بعين الاعتبار. فهو لا يقوم على مساواة شكلية بين كل المواقع، بل على فهم الكلف المختلفة التي تدفعها النساء. هناك نساء يدفعن كلفة فتح الطريق، ونساء يعبرن الطريق بعد أن يصبح أقل خطرا؛ هناك نساء يحملن ذاكرة النضال، ونساء يستفدن من نتائجه دون أن يتحملن بالضرورة كلفته؛ وهناك حضور نسائي يوسع أفق العدالة، وحضور آخر يمنح القواعد القديمة مظهرا جديدا.
ولذلك، يصبح السؤال أكثر دقة: كيف يعيد التمييز تشكيل نفسه حين يتغير موقع المرأة؟ كيف يعمل حين تكون المرأة صامتة، وكيف يعمل حين تصبح صاحبة صوت؟ كيف يظهر حين تكون بعيدة عن النفوذ، وكيف يتغير حين تستفيد امرأة أخرى من القرب منه؟ وكيف يمكن لمكاسب فتحتها نضالات طويلة أن تتحول، في بعض الحالات، إلى رصيد رمزي لمن لم يتحملن عبء تلك النضالات؟ ثم كيف تصبح المرأة التي سمت الاختلال ودافعت عن المساواة أقل قابلية للاستيعاب من امرأة أخرى تندمج في القواعد القائمة دون أن تسائلها؟
إن وهم “المرأة الواحدة” يختزل النساء، لكنه بذلك يختزل التمييز في نفس الآن. إنه يجعلنا نبحث عن صورة واحدة للمعاناة، بينما نحن أمام شبكة مركبة من المواقع والضغوطات والانتقاءات وأشكال القبول والإبعاد؛ كما يجعلنا نطمئن إلى كل حضور نسائي، بينما المطلوب أن نسأل عن معنى هذا الحضور: هل يغير شيئا في القواعد، أم يمنح القواعد القديمة واجهة أكثر نعومة؟ هل ينصف النساء اللواتي دفعن كلفة النضال، أم يستعمل نضالهن لفتح الطريق أمام حضور أقل مساءلة؟ هل يوسع إمكان المساواة، أم يحولها إلى صورة قابلة للاستهلاك؟
هكذا يتضح أن تفكيك وهم “المرأة الواحدة” ليس ترفا نظريا، ولا مجرد تدقيق لغوي في خطاب النوع الاجتماعي. إنه مدخل لفهم أعمق للتمييز حين تتغير مواقع النساء، وحين تتعدد علاقتهن بالصوت والنفوذ والنضال. فالتمييز لا يأتي دائما من الخارج، ولا يظهر دائما في صورته الخشنة. قد يتسلل عبر الاختيار، والتفضيل، والاحتواء، وإعادة توزيع الشرعية داخل المجال النسائي نفسه. ومن ثم، لا يكفي أن نسأل: من يتحدث باسم النساء؟ بل ينبغي أن نسأل أيضا: من دفعت كلفة هذا الكلام؟ من تستفيد من نتائجه؟ من يصبح حضورها مقبولا لأنه لا يزعج البنية؟ ومن يصبح حضورها أكثر صعوبة لأنه يصر على مساءلتها؟
عند هذه العتبة، ينفتح المقال المقبل على مفارقة أشد حساسية: كيف يمكن لمناهضة التمييز، حين تُختزل في واجهة تمثيلية أو تُفرغ من معناها العميق، أن تنتج بدورها أشكالا جديدة من الفرز داخل المجال النسائي؟ وكيف يمكن لما رُفع أصلا باسم الإنصاف أن يتحول، في بعض استعمالاته، إلى آلية تمنح الاعتراف لمن لا يهدد قواعد البنية، وتترك المرأة المناضلة، صاحبة الكلفة والصوت والمساءلة، في موقع أكثر تعقيدا؟ ذلك ما سنحاول مقاربته في المقال القادم، انتقالا من نقد وهم “المرأة الواحدة” إلى مساءلة المفارقة التي تجعل مناهضة التمييز، أحيانا، مجالا لإنتاج نوع آخر من التمييز.(يتبع)
مقال خاص لصحيفة قريش – لندن



















































عذراً التعليقات مغلقة