السؤال يغتال المعنى وينام في صحراء النص

7 مايو 2026
السؤال يغتال المعنى وينام في صحراء النص

يونس طير

/ كاتب من المغرب

إلى عبد العزيز الهبطي.

لا نمضي في الحياة صُعوداً، بل نُزولاً . . . ولا بُدّ من القلب والمعرفة لكي نذهب أبْعَدَ مِمّا ذهب الآخرون

 [لوي فردينان سيلين/ السَّفَر إلى أقاصي اللّيْل]

قرص السماء يقايض الجبل المتخاذل، ويصيغ السمع لقيثارة ترتعد من البرد. جموع السياح المندهشين من المسافة والعبء والحضارة المشلولة ومن كل شيء. عمال المطاعم كأنهم يقتاتون على الأرقام والتوابل الرخيصة. والمثقفون الذين يلعنون الحداثة والجدار الذي سقط، كانوا يمضغون بضع كلمات يعوزها المعنى..

 وهناك في المقهى الصغير، كنتني أدخن سيجارة وألعن مركزية العقل الغربي، وقبل كل شيء كنت أحتمي بالصدفة، وأطوي ورقة كاليبتوس، وأصفر بها للعصافير القرمزية.  

كنت أتوسل المعنى وأصطدم بالصدفة، مثل بحار سكنه البحر فمات من الجوع. فقط لأنه تجرأ على التأمل. 

_ البحر والجوع.. الحياة، الحياة

_ غبي من يجالس ذاكرته قدام البحر..

_ ماذا تبقى من حريق الأسئلة؟ 

_ بل قل أين المعنى المشتهى حد الفناء؟

بل أين المنظور المتآكل بالفتنة؟

_ المعنى؟ من أوجد المنظور ومن هندس الفحوى؟

_ أحدهم، ربما أحدهم وقد أنهكه هذا العود الأبدي.. 

في سراب حضارة أكلها العقل وأبو عبيد الله الصغير وحب صمد لليلة ونصف. كنت أحمل سيفا مثخنا بالأسئلة ومعادلة مدرسية. كنت أو ربما تهيأ لي أني وأضيء غيابا قديما في سرداب تاريخي الشخصي، وحين يغلبني التعب، أهذي لداخلي المنفي في اللحظة الملعونة تلك: اللحظة/ النهاية.

 أعبث كنت بملامحك حين سكنك البرد، أبتسم لك وأتحسس جبهتك. ومجددا ألعن غيابك وأسأل كلمات الله عنك.

طفل يتعلم المشي وينتصر على الخسارة

يقبض عنق الزمن 

ويلعب الغميضة 

مع الوجود 

الطفل لم يملك أرضا

 مثل شاعر بلا هوية.

لعنته الأرض وصالات القمار

لعنته الحداثة

 وما بعد الحداثة.

الهوية؟

 كانت قبرا يثقل ظهره.

وحين يغلبه الحمل

يتسلى بالحقيبة الشبيهة بالحقيقة

ويرسم علم بلاده 

والمجهول.

طفل يحب أنفاس الزمن الهش:

الزمن المدهش.

وحين يفكر بالله 

كان يسافر نحو مدينته المقدسة،

نحو أنفاسه الأولى،

نحو جبهة الغائب،

ويغفو كي لا يصير صحراء النص

داخل جيب سترته العسكرية الخضراء.

لا حلم في المدينة هذا اليوم، ولا أبجدية لتشكل سؤال الغياب المتداخل بالأنفاس العجائبية. كانت اللغة بلا حول ولا قوة. طأطأت رأسها وغاب المعنى الموبوء داخلها. أفول آخر إبان العوز: ماتت اللغة. لم أرى جوادا يتعرض للضرب أبدا. 

لكني رأيت النفس الأخير للكلمة.

 أبتسم لفنجان القهوة، وقبل أن أدنس جثة الكلمة، أشعل سيجارة أخرى وأهذي بالصمت. كالصمت.

 أسأل الجثة المجللة بالحروف: ماذا لو ولد شاعر آخر في المدينة؟ كيف يكتب شاهدا لقبرك؟

في النص المهزوم كان “هو” يصير كالقدر سليلا ل “أنا”:

في المستقبل الذي حضر فجأة مع أسئلة الغياب البربرية، كان يشرب فنجان القهوة مع الطفل، ويحمل جثة الرجل الذي كان والده فوق ظهره. لم يلاحظ وهو يرتطم بتاريخه، أنه كان يغتال المعنى داخل الحقيبة الشبيهة بالحقيقة. ضحك كمجنون، و تشدق بكلمات الله. وصاح مثل قيامة صغيرة:

دعيني أصيرك وهاك صدري حتى أراك،

 وحتى تكتمل الصلاة.

سكنت قبرا بجانب شجرة كاليبتوس نصف يابسة.

أعانق مجهولا 

ومثل كبوة فارس غلبته قبيلة نساء، 

على أطراف النهر

ألهو بورقة نعناع 

وأمضغ خبز البداية

وحليبا عتيقا، عتيقا جدا.

أتكئ على صورة الشعر و

أتكفن بيوم الخميس البارد دوما.

أأبى غيابك 

 وأعلق ملامحك في السماوات،

أأبى غيابك.

في تلك الظلمة الفجائية، وفي غفلة عن الزمن الممتعض، انغمس السؤال في قصيدة تتغنى بالفناء، وقفز نحو سرب جراد تؤجل هجومه تباريح ثغر خرج لتوه من القصيدة.  ارتعش وتململ وتبعثر واستأذن وسأل وسبح وساح وفتك بالغد، وسبر الأغوار وبنى خيمة في الصحراء، وطارح الغرام، ثم ألقى تعويذة تشبه المطر الأول، ونادى بصوت طاغية قديم في مملكة النص: 

البارحة عمت البرودة الكيان العظيم وربما اليوم. لعن الفيلسوف الذي وسم إنسانا رائعا بالغريب، وبصق في وجه المعنى. ونام حد الشك.

في متاهة الزمن هذه: اللعنة على كل اللغة التي لا تقبض على اللحظة التي تراودها الكلمة.

_ اللغة؟ ملعونة اللغة وملعون الراوي المتبختر في كنف الانتصار.. ما اللغة أمام البرودة التي سرت في كيان العالم حينها؟ أريد لغة تشبه المستحيل، وموسيقى يسرقها إلاه صغير من السماء البعيدة. أريد لوحة بألوان من ملكوت عصي على القبض..

أنا الراوي العاطل عن العمل، أرغب بمعجزة جديدة، وثورة تحرق كل القواميس الأرضية. أحتاج بداية أخرى ربما: عالم تحكمه الكلمة وحدها. 

 في البياض السائد فجأة، رأيت جدارا يفصل شجرة عن الموت، ويرسم فيه طفل كنته الغياب على المطر والرمل، ولا يتخيله. عالم كالمستحيل. كالكلمة حين تثور عن الحزن واللاجدوى.

التعليقات

عذراً التعليقات مغلقة

    الاخبار العاجلة
    WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com