It looks like this message is in Arabic
(القصة القصيرة جدا ليست ما يقوله الكاتب بل ما يفهمه المتلقي)
أحلم بقاص يشرب عرق قصصه ولا يثملْ.
أربعة مشاهد..ولوحة عميقة كالبحر
عزالدين الماعزي

قاص من المغرب
المشهد الأول:
لا شيء يُعجبني
1
في الطفولة، كنّا نُمثل لُعبة بناء وتكوين البيت؛ فرصة لاختيار العروس والتّهيئ للحياة…
بعد ثلاثين عاما لم أتصور نسيانها بسهولة، لكنْ، ما حدث بعدها لا أتذكرُه.
2
وهو يكتبُ مطالبَ في (شكاية) للمسؤول العام… انطفأتْ مصابيح البيت، أضاف إلى القائمة/
وتكرار انقطاع التّيار الكهربائي.
3
تبتسمُ حفيدتي وهي تصرخُ…
بّاجدّي… لا شيء يُعْجبني.
ترمي الأوراق، تحيط الهاتف بحنان وتجلس بالقرب فوق الكتاب.
4
زوجته الأولى قالتْ لزوجته الثانية:
مرحبًا بك.
استغربتِ الثانية…
في المحكمة، أنكرتِ الأولى الثانيةَ خوفًا من الإرث.
5
أتصورُ العالم قريةً صغيرة بحجم دودة ولم أتصورْ قطّ، أن الدودةَ تُداسُ في أوّل مُرور لمشروع التهيئة.
6
ذهبت أمّها تشْكيه لدى الفقيه (الفلاني). بماء الورد والزعفران كتب لها على ورقةٍ بيضاء خطوطًا وطلاسم…
تبتسمُ، وهي تتبعُه كالظلّ كلّما خرج من المسجد.
7
أمّي تربط الحمارة تحت الشجرة. أبي يحفرُ مجرى الماء ويتبث صنبورًا بالقرب.
تظلّ أمي تحملُ سطلَ الماء كل مساءٍ، وتسأل :
هل شربتْ ماء الأمس ؟
8
ربط البغلَ في العربة، نشر البطانية الصوفية، أسند زوجته الحامل فوقها، وضعها بين وسادتيْن وانطلق يعدو كالبغل إلى المركز الصّحي الذي يبعُد بكيلومترات… صُراخُها يعلو ويتقطّع وهو يتلو آيات قصيرة مكرّرة من الذكر الحكيم لعلّ الأمر يُخفّف عنها. منهكًا وصل بوابة المشفى الصغير، دخل يجري… من فوق العربة أخبرته الممرضة :
مباركٌ، الولدُ ذكر لكنّ رأسه كالبغل.
المشهد الثاني:
الكتابُ الضّخمُ
1
قبل وفاته، جمع أبناءَه وأمرهم أنْ يجمعوا ويحرقوا كلّ النكات التي انتشرتْ عنه في كتابٍ، وبذلك تنتهي العباراتُ المسيئة في حقّه.
2
في الجهة الأخرى، حربٌ مستعرة وقنوات العالم تنشر صورَ وأخبار القتلى والمعطوبين من الأطفال والنساء والشيوخ، الجوع يفتك بهم… عُقِدت الاجتماعاتُ حول مشكل الجوع لكن السؤال الوحيد الذي لم يُعقدْ بعد هو :
متى تنتهي هذه الحربُ ؟
3
كل شيء تافهٌ ورتيب.
قال أستاذ :
لم يتغير شيء منذ سنين.
يشحنُوننا بالمعلومات.
قال تلميذٌ :
قال الآباء :
أبناؤنا في وضعيةٍ كارثية.
اجتمعوا… واتّفقوا على اجتماع عام يضمّ الآباء والنقابات والوزارات والمسؤولين، طبعوا الأوراق وأصدروا المذكرات… طالبوا الأساتذة والتلاميذ بالإنجاز(الريادي)… ولا شيء تغيّر.
4
لا شيء تغيّر رغم مرور السنين ورغم تبادل الأدوار والألْوان والأحزاب، ظلّت القرية كما هي؛ لا هي مدينة ولا قرية نموذجية. النائبُ المحترم يصوغ خطبه المتكررة أن القادمَ أحسن. الناسُ يتمرّنون على التّصفيقِ له ولأمثاله، يتسابقون في تقديم الهدايا وتسمعهم يُردّدون : الله يعمرها دارْ.
امتلأتْ دارُه بالهدايا و…
انتقل بعدها إلى العاصمة.
5
كان مشغولا بقراءة رواية… فيما دجاجة وفراخها تحومان حوله، استفزّتْه رماها بحجر… تساقطت الفراخُ، نهض أبطال الرواية غاضبين، يحتجّون…
6
معجبًا بهم، يتركهم يفعلون ما يشاؤون… يعيثون…
يربتُ كتف هذا… يُعلي من قيمة هذا… يمدح هذا…
دون توقف… يفكر هؤلاء فيما لا يفكر فيه الآخرون.
اقتنعوا أخيرا، أنهم أصبحوا سادةً وأن بإمكانهم التحليق فوق سماء البلدة البئيسة.
تبدأ المحاولات الأولى وأعين النسر ومخالبه لا تخطئ.
7
أخيرًا، استنتجتِ (القبيلة) سبب الشقاء ومصدر التأخر، لم يفدْها الصراخ والتنديد بل صوّتتْ لخصمه اللّذوذ “بائعُ الفاخر”.
8
كنت أسمعُ كثيرا عن گراجْ علّال المملوء بحافلاتِ النقل بالدار البيضاء، وأنظر بعين الإكبار إلى بّا علال “الأسمر”، المكتنز، القصير، ابن دوارنا الصغير، وأغبطُه على امتلاك ذاك الگراج الكبير.
المشهد الثالث:
المرأة التي..
1
المرأة التي أمامي،
اعتدتُ على رؤيتِها في صورتها، تدعك فُصوص الخرزة واحدة تلو الأخرى، تقرأ أو تدعو مرتجفة… أختلس إليها النظر طالبًا المسامحة.
2
الآن، لديها بقرتان، تُمعن النظر فيهما منذ أن اقتنى الزوج الثانية، وهي تصدر أوامرها بشراء عجلٍ عوض التلقيح الاصطناعي.
3
جلست مقرفصةً… مدّت يديها إلى ركبتيها وشدّت الشال الأحمر حول رأسها. جاءها غفلة يتسللُ، طرحها أرضا، نزع ثوبها، وشرع في التهامها… هي تئنُ، وهو يلهث، حتى انتهى الفيلم بنباح كلب.
4
أسرعت السيدة الخُطى، تسمع عبارات الغزل من رواد المقهى المحاذية لِبيتهم… أجّلت قرار الردّ على أحدهم حين نعتها ب…الغزالة، انكسر كعب حذائها فتكاثرت عبارات… القدح.
5
ودّع أباه واحتفى بذكراه، أبعد الأوراقَ والصور، أقلقته الهدايا التي ظلتْ شاهدة.
6
أحسّ بجُوع شديد، لم يجدْ ما يسدّ به رمقه. كان يراقبه وهو يطبُخ أصنافًا متعددة من المأكولات الشهية والدخان يتصاعد إلى السماء. بنصف خبزةٍ في يده وقف في مجرى الهواء، يشمّ الدخانَ ويقضم الخبز بنهمٍ.
7
بكل جوارحه أحبّها لكنّها اختفتْ فجأة. بعد عامين، اقتفى خطْوَها وهي تجرّ طفلين.
8
لم يتخلّص من ذكرياته السابقة، يراه ينتحرُ شيئا فشيئا… قال :
– إنّه خطأ مطبعي.
9
انتظرَ كما “جودو” في المسرحية،
لم يأت أحدٌ.
جمعَ كل المستندات والوثائق.
في جيبه تذكرةُ الحافلة.
10
كلّ صباحٍ باكر يعودون تباعًا إلى قبورهم في نظام. يتابعهم الحارس بعين يقظة ويدوّن الرقم الثبوتي.
المشهد الرابع:
الشنّ الطنْ
ليس بمجنون من لا يعرف تجاه البوصلة، فقط، ينحني كلما سمع صوت حبيبته.
***
من جردة المدينة القديمة قطف لها وردة. شمّها، قدمها لها وقال إنها رائعة، رمتها وراءها ومضتْ.
***
حين اختفى ظلّ الله فرّتْ عصافير الجنة. غادر بيته وساح في الطرقات.
***
فجأة استيقظ (عين) وجد نفسه منحنيَ الظهر وقد تحول حشرة كافكا.
**
بسبب الراحة الطويلة نما شعرٌ كثيف في وجهه ورأسه..
– يا إلهي.. قال، سينتهي بي الأمر بين يدي الحجّام !
* *
يفكرُ الرجل أنه بلغ مبلغ الرجال وعليه الزواج.
تفكر المرأة أنها بلغتْ مبلغا تثير الرجل كي يتزوجها.
لا أحد يفكّ هذه المعضلة غير الوالدين.
**
من قمة عالية، ينظر إلى الناس ويقول :
ألا ترى أنهم مثل الگرادْ عليك أنْ تتجنّبهم.
**
هكذا تتحولُ القصة من فن مراوغة إلى فعل يختلسُ، يفترس، ينزع، يتجدد، يقتنص، يتلصص، يتخصصُ في التحايل والابتكار..
تتفاخر وتستيقظ كل يوم تتنهد باجتراح كأنها سراق الزيت.
**
رسمتْ له وردة فابتسم.
رسمت له شجرة، استفسر.
رسمت له طائرة اندسّ داخلها، وحلّق.
**
وضع يده على ظهره مستفسرا، كان على وشك الصراخ وهو يقول – هل هذا باب مكناس ؟
لم يشأ أن يقول إنه باب دكالة !؟
**
يدقّقُ في كل شيء،
في لباسه، في خاتمه، في سيارته، في كلمات خطبه كي يصوّتَ عليه الناس مرة ثانية.
**
من بين يديه تنفلت رعونة وطيش.
من فمه رذاذ أصفر وهو يرغي ويزبد.. لأنهم أيقظوه مبكرا.
**
كسّر مصباح العمود الكهربائي كي يلتقيها في ظلمة الزقاق. لم يدر أنهم في الليلة التالية كمنوا له .
**
فجأة، جلست جانبي.. نظرتْ حواليها، همست.. ثم ابتسمت ولا حركة من جسدها. فقط، صعود وهبوط من صدرها.. ارتبكت، قالت :
لا بأس، لم يبق إلا القليل وأتحول.
**
أحيانا، يطالعني وجهي في المرآة
أراه فيراني.
ينكرني، وأكره أنْ يشبهني.
**
يحبّ أن يكتب بالحبر الأسود.
يشْعر أن الكتابة به تحدٍّ لواقع مرّ.
**
وحيدًا في عزلته، ينتظر.
كل ليلة يسهر بحثًا عن تلك الفراشة التي لم تدرك البتة أن الحياةَ قصة ق ج.
**
أختار أن يكونَ لون الغلاف أحمر كاملا.
اسمه ممطط بالأبيض، والعنوان كبير أصفر،
اللوحة سوداء ، قاتمة..
وتحتها كتب قصص ق ج.
**
يرتدي القميص الأصفر وبسرعة يخلعه، يرتدي الأخضر ثم يخلعه.. عاريا يقف أمام المرآة…تقول له : لا شيء يعجبني.
**
في خانة الضوء الأصفر تُغيّر قصة قصيرة الحياة. تتفوق على درجة الأعطاب، تلتقط التفاصيل وتمحو الهزائم.
**
على الورقة رسمتْ غابة. بتلك العين الطريدة تتصيد الوحوش وتلونها بالأسود.
**
لوحة :
عميق كالبحر
1
استدعاهم جميعا… وبدأ في سرد أسمائهم وتُهمهم واحدا تلو الآخر. لم يتغيب منهم إلا إمام المسجد .
2
أدرت لها ظهري.. دارت دورة 180درجة في الهواء وأسقطتني مضرجًا في حبي.
3
تحلم أن تكون قاضية.
يحلم أن يكون محتالا.
تحلم أن تحكم عليه.
يحلم أن يخرج بكفالة.
4
أخيرا، انتهى من كتابة الرواية التي حدثني عنها.
أضاف هو، سأنجز فيلما طويلا عنوانه : البؤس.
5
ينام مبكرا ويحلم أنها ترى.
في الصباح… تسمع أن دولة جديدة تشكلت من العميان.
6
ما إن رآها حتى ابتسم . كانت تمشي مسرعة في خطوها.. تنهال عليها الشتائم من كل جانب.
7
انتفضت الأرض.. قالوا : تسونامي.
أتّهم القمر.
8
رآه يضع إصبعه في فتحة أنفه، يُدوره يمينا ويسارا.
سأله : هل وجدت بئر بترول ؟
9
وضعتُ يدي في يده
ـ أنت شخص غريب
رمقني بصمت وقال :
ـ أنا عميق كالبحر.
قصص قصرة جدا، خاصة لصحيفة قريش – ملحق ثقافات وآداب – لندن


















































