: صراع المرجعيات وموازين القوى داخل مجلس الأمن، خلفيات الفيتو الروسي ودلالات البلاغ الملكي
بقلم د. مصطفى الغاشي
أستاذ التعليم العالي
جامعة عبد المالك السعدي بتطوان
تقديم، انه لفهم الموقف الروسي من القرار المتعلق بالصحراء المغربية، ينبغي ألا ننظر إلى استعمال حق النقض (الفيتو) باعتباره مجرد اعتراض تقني على صياغة مشروع قرار أممي، بل ينبغي وضعه ضمن سياق أوسع يتصل بالعلاقات الأمريكية–الروسية، وبطبيعة التنافس على النفوذ داخل مجلس الأمن، وبمحاولة موسكو الحفاظ على موقعها كقوة دولية لا تقبل أن تنفرد واشنطن بتحديد مرجعيات تسوية النزاعات الدولية.
لذلك، فان السؤال المركزي الذي يفرض نفسه هو: هل اعترضت روسيا على مضمون المقترح المغربي للحكم الذاتي، أم على الطريقة التي أرادت بها الولايات المتحدة تحويله إلى مرجعية أممية مهيمنة على مسار التسوية؟
ان هذا التمييز أساسي؛ لأن الاعتراض على آليات إدارة الملف لا يعني بالضرورة الاعتراض على جوهر الموقف المغربي.
أولاً: ماذا حدث داخل مجلس الأمن يوم 30 تشرين الاول / أكتوبر 2026؟ ان ما جرى حدث استثنائي في تاريخ تدبير الأمم المتحدة لملف الصحراء، لأنه كشف عن مواجهة دبلوماسية مباشرة بين الولايات المتحدة وروسيا، فلم تعد المواجهة مقتصرة على اختلاف وجهات النظر، بل انتقلت إلى تقديم مشروعين متنافسين واستعمال حق النقض لإفشال التوجه المقابل.
يمكن في هذا الاطار، تلخيص ما حدث في ثلاث محطات اساسية:
1. المشروع الأمريكي: نقل الملف إلى مرحلة جديدة،
حيث قدمت الولايات المتحدة مشروع قرار يروم:
تمديد مهمة المينورسو، مع إعادة هيكلة دورها.
مع تغيير اسمها من بعثة الأمم المتحدة للاستفتاء في الصحراء الغربية (MINURSO) إلى بعثة الأمم المتحدة في الصحراء الغربية (MINUSO)، أي حذف الإشارة إلى الاستفتاء. مع جعل الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية الأساس الوحيد القابل للتفاوض بشأن التسوية. وتقليص المكون العسكري للبعثة، والانتقال تدريجياً إلى صيغة سياسية جديدة. بالاضافة الى إعطاء دفعة للمفاوضات بمشاركة الأطراف المعنية.
وقد حصل المشروع على 11 صوتاً مؤيداً، مقابل صوت روسي واحد معارض، وثلاثة امتناعات. لكن الصوت الروسي، باعتبار روسيا عضواً دائماً، أسقط المشروع باستخدام الفيتو.
2. المشروع الروسي: العودة إلى المرجعية السابقة،
وعلى هذا الاساس، لم تكتف موسكو بإسقاط المشروع الأمريكي، بل تقدمت بمشروع بديل يقضي بتمديد ولاية المينورسو سنة إضافية، إلى غاية 31 تشرين الاول/ أكتوبر 2027، مع الإبقاء على اسم البعثة واختصاصاتها وإطارها القائم.
وقد استندت روسيا في مشروعها إلى لغة القرار 2797، وإلى ما اعتبرته ضرورة الحفاظ على التوازن بين مواقف الأطراف، وعدم استباق نتائج المفاوضات أو حسم مسألة السيادة قبل التوصل إلى تسوية سياسية.
الا ان المشروع الروسي لم يحصل إلا على ثلاثة أصوات مؤيدة، مقابل صوت واحد معارض و11 امتناعاً، وبالتالي لم يبلغ عتبة الأصوات التسعة المطلوبة لاعتماده. ومن هنا وجب التدقيق التالي: لم يكن إسقاط المشروع الروسي نتيجة فيتو أمريكي بالمعنى الإجرائي الصرف، وإنما فشل في الحصول على العدد المطلوب من الأصوات، وإن كانت واشنطن قد عارضته سياسياً.
3. النتيجة: لا مشروع أمريكي ولا مشروع روسي، لقد وجد مجلس الأمن نفسه أمام وضع غير مألوف: فالمشروع الأمريكي سقط بالفيتو الروسي، والمشروع الروسي لم يحصل على الأغلبية المطلوبة. وبالتالي لم يتم تجديد ولاية المينورسو قبل انتهاء أجلها في 31 أكتوبر 2026. إنها ليست مجرد مواجهة حول تمديد بعثة أممية، بل مواجهة حول مستقبل المرجعية الدولية التي ستؤطر قضية الصحراء.
ثانياً: لماذا استخدمت روسيا الفيتو؟ الخلفيات ألاساسية، انه لفهم القرار الروسي، فأنه يجب بداية التمييز بين المبررات التي قدمتها موسكو رسمياً، والحسابات الجيوسياسية التي يمكن استنتاجها من سياق تحركها.
1. رفض الانفراد الأمريكي بصياغة الحل، فالولايات المتحدة تعتبر نفسها صاحبة القلم في إعداد مشاريع قرارات مجلس الأمن المتعلقة بالصحراء. وهكذا، ومن خلال مشروعها الأخير، لم تعد واشنطن تكتفي بتجديد ولاية المينورسو، بل حاولت الانتقال إلى إعادة صياغة الإطار السياسي للنزاع.
فبالنسبة إلى موسكو، فإن قبول مشروع بهذا الحجم يعني تكريس سابقة مفادها أن قوة دولية واحدة تستطيع تحويل تصورها السياسي إلى مرجعية لمجلس الأمن، حتى في قضية ذات امتدادات إقليمية ودولية.
لذلك يمكن قراءة الفيتو الروسي باعتباره دفاعاً عن موقع روسيا داخل منظومة القرار الدولي، وليس فقط اعتراضاً على الموقف الأمريكي من الصحراء.
2. العلاقة الاستراتيجية بين موسكو والجزائر، في هذا الصدظ لا يمكن تجاهل العامل الجزائري في قراءة الموقف الروسي. فالجزائر شريك استراتيجي مهم لروسيا في شمال إفريقيا، وتربط البلدين علاقات عسكرية واقتصادية وتاريخية، فضلاً عن التعاون في مجالات التسليح والطاقة. ومن ثم فإن قبول مشروع أمريكي يجعل الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية الإطار الوحيد للتفاوض، مع تقليص دور المينورسو وإعادة تعريف مهمتها، سيضع موسكو أمام حرج دبلوماسي كبير تجاه أحد شركائها الأساسيين في المنطقة. غير انه من الضروري عدم اختزال الموقف الروسي في الرغبة للاستجابة للطلب الجزائري فقط؛ هناك حسابات استراتيجية روسية كبرى في المنطقة وتتعلق تحديدا بالنفود. وهذا يعني أن العلاقة الروسية الجزائرية تشكل أحد محددات الحساب الاستراتيجي لموسكو.
3. الحفاظ على مبدأ تقرير المصير بوصفه ورقة دبلوماسية، في هذا الاطار، تتمسك روسيا بالإبقاء على المرجعيات الأممية التقليدية، وخاصة مبدأ تقرير المصير.
وقد عبّر مندوبها الدائم لدى الأمم المتحدة، فاسيلي نيبينزيا، عن رفضه لما اعتبره استباقاً لمسألة السيادة، واعتبر أن مجلس الأمن ينبغي أن لا يمنح شرعية لمقاربة أحادية الجانب.
ومن هنا المفارقة الكبرى: فروسيا لا تعترض بالضرورة على استمرار المفاوضات حول الحكم الذاتي، لكنها تعترض على تحويله إلى أساس حصري ونهائي قبل التوصل إلى اتفاق بين الأطراف. وهذا ما يفسر إصرارها على الاحتفاظ باسم المينورسو وبمرجعيتها الأصلية.
4. توظيف الملف في التنافس الأمريكي الروسي، انه لا ينبغي قراءة قضية الصحراء بمعزل عن السياق الدولي الواسع. فروسيا تواجه الولايات المتحدة في ملفات متعددة، من أوكرانيا إلى الشرق الأوسط وإفريقيا… وتحرص على منع واشنطن من احتكار هندسة التسويات الدولية. ومن هذه الزاوية، يمكن أن يكون الفيتو رسالة إلى الإدارة الأمريكية مفادها أن موسكو ما زالت تملك القدرة على تعطيل المبادرات التي تعتبرها تجاوزاً لتوازنات مجلس الأمن، وهو ما يعني أن قضية الصحراء مجرد أداة في الصراع بين القوتين؛ بل يعني أن النزاع أصبح يتأثر بصورة متزايدة بتنافسهما على تحديد قواعد النظام الدولي.
5. الدفاع عن استمرار الحضور الأممي، ان المشروع الروسي البديل يقدم مفتاحاً مهماً لفهم الموقف. فموسكو أرادت الإبقاء على المينورسو في صيغتها المعروفة، واعتبرت أن وجودها يوفر آلية للمراقبة والتهدئة، ويساعد على منع التصعيد. وفي تصريحه الرسمي، وصف نيبينزيا مشروع بلاده بأنه فرصة أخيرة للحفاظ على الوجود الأممي في المنطقة.
إذن، هناك بعد مؤسساتي أيضاً: روسيا لا تريد أن يتحول إنهاء الصيغة الحالية للبعثة إلى سابقة تقرر فيها قوة دولية منفردة مصير آلية أممية قائمة منذ 1991.
ثالثاً: ماذا أرادت روسيا من طرح مشروع قرار جديد؟
تشكل هذه المسالة النقطة الأهم في فهم المناورة الروسية. فلم يكن المشروع الروسي مجرد محاولة لإنقاذ المينورسو من الانتهاء، بل كان يحمل ثلاث رسائل سياسية:
الأولى: لا يمكن تجاوز روسيا في إعادة هندسة الملف.
فموسكو أرادت أن تقول إن أي تحول في طبيعة المهمة الأممية ينبغي أن يمر عبر توافق داخل مجلس الأمن، وليس عبر فرض تصور أمريكي.
الثانية: لا ينبغي تحويل الحكم الذاتي إلى نتيجة محسومة سلفاً. فالموقف الروسي يريد إبقاء المجال التفاوضي مفتوحاً، مع المحافظة على الصياغات المتعلقة بتقرير المصير.
الثالثة: لا ينبغي إنهاء الدور الأممي بهذه الطريقة. فروسيا ترى أن استمرار المينورسو، حتى بصيغتها الحالية، أفضل من الدخول في فراغ مؤسساتي وأمني.
ومن هنا فإن مشروعها البديل كان محاولة لإعادة الملف إلى نقطة التوازن السابقة، ولو مؤقتاً. لكن فشل المشروع الروسي كشف بدوره أن موسكو لا تستطيع بناء أغلبية داخل المجلس، بل وحتى عندما تعترض على التصور الأمريكي. وهذه نقطة من الاهمية بما كان في تقييم حدود القوة الروسية داخل مجلس الأمن.
رابعاً: كيف نفسر رد الفعل المغربي من خلال البلاغ الملكي؟ وهنا نصل إلى قضية الأكثر حساسية في الموضوع. ان بلاغ الديوان الملكي الصادر يوم 30 أكتوبر 2026 لم يكن مجرد تعبير عن ارتياح المغرب لعدم تمديد ولاية المينورسو، بل حمل تصوراً سياسياً جديداً لكيفية التعامل مع قضية الصحراء.
وفي هذا الإطار، ويمكن اعتبار البلاغ وثيقة سياسية ذات دلالات استراتيجية، لأنه يتجاوز التعليق على نتيجة التصويت إلى الإعلان عن توجه مغربي جديد في تدبير الملف. وبناء على ذلك، فان هناك ست رسائل تستحق التوقف عندها هنا:
1. الانتقال من منطق التدبير إلى منطق التحول، يقول البلاغ إن عيد الوحدة يجسد القطيعة مع المنهج السابق، والانتقال من مجرد منطق التدبير إلى مقاربة مبنية على التحول العميق للمحددات. فهذه العبارة بالغة الأهمية، وذلك من حيث ان المغرب يريد أن يقول إن مرحلة طويلة من تدبير النزاع داخل المؤسسات الأممية لم تعد تمثل الأفق السياسي الذي يرغب في الاستمرار فيه.
لقد أمضى المغرب 35 سنة في التعامل مع المينورسو، ومع الاجتماعات الدورية لمجلس الأمن، ومع تقارير الأمين العام ومبعوثيه الشخصيين. غير ان المغرب يرى أن استمرار هذه الآليات لم تعد يؤدي إلى تقدم متناسب مع الزمن الذي استهلكته. ومن ثم، فإن الرسالة هي الانتقال من تدبير النزاع إلى العمل على تغيير شروطه ومرجعياته السياسية.
2. اعتبار عدم تمديد المينورسو نهاية مرحلة تاريخية،
فالبلاغ يصف البعثة بأنها موروثة عن سياق أصبح متجاوزاً، وأنها ساهمت في تدويل النزاع الإقليمي.
ان هذه القراءة تعكس موقفاً مغربياً قديماً من طبيعة المينورسو، لكنها تكتسب دلالة جديدة في ضوء التطورات الأخيرة. فالمغرب يريد أن يربط انتهاء ولاية البعثة بإغلاق مرحلة من مراحل النزاع، وليس فقط بانتهاء مهمة إدارية أو عسكرية.
ومع ذلك، ينبغي التمييز قانونياً بين عدم تمديد ولاية المينورسو وبين إنهاء وجود الأمم المتحدة في الملف بصورة نهائية. فانتهاء الولاية لا يسحب تلقائياً القضية من جدول أعمال مجلس الأمن، ولا يلغي الاختصاصات الأممية الأخرى. وهذه مسائل تتطلب إجراءات وقرارات مؤسساتية مستقلة.
3. المطالبة بسحب الملف من جدول أعمال مجلس الأمن
ولربما ان هذه الرسالة الاكثر جرأة في البلاغ. فالديوان الملكي لا يتحدث فقط عن عدم تجديد ولاية المينورسو، بل يربط ذلك بإنهاء الاجتماعات الدورية لمجلس الأمن، وتقارير الأمين العام، وإحاطات المبعوث الشخصي.
وهو ما يعني أن المغرب يطرح الانتقال من وضعية ملف يحال دورياً على مجلس الأمن إلى وضعية نزاع ينبغي أن تتغير طريقة التعامل الدولية معه.
لكن هل يستطيع المغرب وحده إنهاء إحالة الملف على مجلس الأمن؟ فمن الناحية القانونية لا يمكن ذاك،
فمجلس الأمن هو الذي يقرر جدول أعماله، والدول الأعضاء تستطيع إثارة القضايا وفق قواعد الأمم المتحدة، كما أن اختصاصات الأمين العام ومبعوثه الشخصي لا تنتهي بمجرد إعلان دولة عن موقف سياسي. إذن، فان ما ورد في البلاغ يمثل توجهاً ومطلباً سياسياً مغربياً، وليس نتيجة قانونية آلية مترتبة على عدم تمديد المينورسو. وهذا التمييز اساسي لفهم حدود ما تحقق وما لا يزال مطروحاً.
4. تعليق المسار السياسي الأممي، يتحدث البلاغ عن توقف المسار السياسي الأممي بسبب ما وصفه بمماطلة الأطراف الأخرى وإصرارها على تكريس الجمود.
وهنا تقدم رؤية مغربية جديدة: فلم يعد المغرب يريد استمرار مفاوضات لا تنتج تحولاً سياسياً ملموساً، وإنما يريد أن يكون الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية هو نقطة الانطلاق والمرجعية المركزية لأي تسوية.
غير أن تعليق المسار الأممي من المنظور المغربي لا يعني أن النزاع انتهى من الناحية الدولية، ولا أن جميع الأطراف قبلت بالتصور المغربي. لكنه إعلان عن موقف تفاوضي جديد، ينبغي أن يُقرأ في ضوء موازين القوى والاعترافات والمواقف الدولية.
5. التمسك بوقف إطلاق النار والأمن الوطني، انه من اللافت أن البلاغ، رغم نبرته السياسية الواضحة، يؤكد استمرار التزام المغرب بوقف إطلاق النار، واحترام سلامة أراضيه وأمنه الوطني وطمأنينة مواطنيه.
وهذه الرسالة تحمل أبعاداً متعددة:
– طمأنة المجتمع الدولي بشأن الاستقرار الميداني.
– التأكيد أن التحول السياسي لا يعني التخلي عن الالتزامات الأمنية.
– الفصل بين الموقف الدبلوماسي المغربي وبين تدبير الوضع الميداني.
– التأكيد أن أي انتقال في طبيعة التعامل مع الملف لن يكون على حساب الأمن والاستقرار.
كما أن هذا التأكيد يكتسب أهمية خاصة في ظل التحذيرات من أن غياب المراقبة الأممية قد يخلق فراغاً في آليات التهدئة ومراقبة وقف إطلاق النار.
6. الرهان على الدينامية الدولية الثنائية والإقليمية،
يختتم البلاغ برسالة استراتيجية أساسية، مفادها أن المغرب سيواصل العمل على المستوى الثنائي والإقليمي، مستنداً إلى ما يعتبره اتساعاً في الدعم الدولي لمبادرة الحكم الذاتي.
وفي هذا السياق، يشير البلاغ إلى أن أكثر من ثلثي أعضاء الأمم المتحدة، بمن فيهم أعضاء دائمون في مجلس الأمن وقوى دولية مؤثرة، يدعمون الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية باعتباره إطاراً وحيداً للحل.
فهذه النسبة ينبغي التعامل معها باعتبارها معطى وارداً في البلاغ الرسمي المغربي، مع ضرورة التمييز بين الدعم السياسي للمبادرة وبين الاعتراف القانوني بالسيادة أو تبني قرار أممي ملزم.
لذلك، فان الرسالة السياسية واضحة: المغرب يريد نقل مركز الثقل من التفاوض داخل المؤسسات الأممية إلى توسيع شبكة الدعم الدولي عبر العلاقات الثنائية والشراكات الإقليمية.
خامساً: هل انتصر الموقف المغربي أم أن الفيتو الروسي يمثل انتكاسة دبلوماسية؟ ان هذا السؤال يحتاج إلى قراءة متأنية، بعيداً عن الأحكام المتسرعة. فهناك ثلاثة مستويات ينبغي التمييز بينها:
الاول، الموقف الأمريكي، فقد حصل المشروع الأمريكي على تأييد 11 عضواً، لكنه سقط بالفيتو الروسي.
الثاني، الموقف الروسي، حيث نجحت موسكو في إسقاط المشروع الأمريكي، لكنها فشلت في تمرير مشروعها البديل.
الثالث، الموقف المغربي، حيث لم يتم اعتماد الصيغة الأمريكية الجديدة، لكن عدم تمديد المينورسو يفتح مرحلة سياسية ومؤسساتية غير مسبوقة.
فمن جهة، لم يتمكن من المغرب الحصول على قرار جديد من مجلس الأمن يكرس الصيغة التي كانت واشنطن تسعى إلى اعتمادها. ومن جهة أخرى، لم يتمكن الموقف الروسي من استعادة الصيغة السابقة للمينورسو.
وهكذا وجد الطرفان نفسيهما أمام نتيجة لم تكن بالضرورة مطابقة لحساباتهما.
الا ان هناك نقطة ينبغي عدم إغفالها: فقد حصل المشروع الأمريكي على 11 صوتاً مؤيداً وهو ما يكشف عن وجود تأييد واسع داخل مجلس الأمن للتوجه الذي يدفع نحو جعل الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية أساساً للتفاوض. وهذا في حد ذاته مكسب سياسي للمغرب من حيث دلالة التصويت، وإن لم يتحول إلى قرار معتمد.
سادساً: ما دلالة هذا التطور على العلاقات المغربية الأمريكية والروسية؟ ان بين المغرب والولايات المتحدة: شراكة استراتيجية واختبار دبلوماسي كبير، فلا ينبغي أن يؤدي الفيتو الروسي إلى استنتاج أن واشنطن تراجعت عن موقفها من قضية الصحراء. فالولايات المتحدة لا تزال تتبنى موقفاً داعماً للمبادرة المغربية، وقد قادت مشروع القرار الذي حصل على 11 صوتاً مؤيداً. غير ان التطور يكشف ايضا حدود القدرة الأمريكية على تحويل موقفها الثنائي إلى قرار أممي عندما تصطدم بموقف قوة دائمة العضوية. وهذا يعني أن المغرب سيحتاج إلى مواصلة التنسيق مع واشنطن، مع الحرص على ألا يتحول الملف إلى مجرد ورقة في التنافس الأمريكي الروسي.
بين المغرب وروسيا: هل نحن أمام أزمة دبلوماسية؟
انه من السابق لاوانه قراءة الفيتو باعتباره نهاية للعلاقات المغربية الروسية. فالعلاقات بين البلدين أوسع من ملف الصحراء، وتشمل التعاون الاقتصادي والتجاري والفلاحي والطاقي، فضلاً عن المصالح الجيوسياسية المرتبطة بالمحيط الأطلسي وإفريقيا. الا انه من المؤكد أن الموقف الروسي يطرح على الدبلوماسية المغربية ضرورة إعادة تقييم طبيعة العلاقة مع موسكو.
فالمغرب يحتاج إلى فهم الحسابات الروسية، كما تحتاج روسيا إلى إدراك أن استمرار علاقاتها الاستراتيجية مع الجزائر لا ينبغي أن يكون على حساب تطوير علاقاتها مع الرباط..ومن هنا تتجلى إمكانية الدبلوماسية المغربية في التعامل مع موسكو بمنطق المصالح المتبادلة، دون تحويل الخلاف حول الصحراء إلى قطيعة شاملة.
سابعاً: السيناريوهات المحتملة للمرحلة المقبلة
انه في هذا الصدظ، يمكن تصور أربعة مسارات رئيسية:
الأول: العودة إلى مجلس الأمن بصيغة توافقية جديدة.
فقد تسعى الولايات المتحدة إلى إعداد مشروع معدل يأخذ بعين الاعتبار بعض التحفظات الروسية، مع الحفاظ على مركزية الحكم الذاتي في مسار التسوية.
الثاني: استمرار التنافس الأمريكي الروسي، فقد يتحول الملف إلى ساحة تنافس دبلوماسي بين القوتين، بحيث تحاول كل منهما فرض تصورها بشأن مستقبل المينورسو وطبيعة التسوية.
الثالث: توسيع التحرك المغربي خارج الإطار الأممي التقليدي، وهذا ما ينسجم مع التوجه الذي أعلنه البلاغ الملكي، من خلال تعزيز العلاقات الثنائية، وتوسيع التحالفات الاقتصادية والسياسية، وتكثيف الحضور المغربي في إفريقيا وأوروبا وأمريكا وآسيا.
الرابع: البحث عن صيغة أممية جديدة، فقد يفرض الواقع السياسي والأمني التفكير في آلية أممية مختلفة، سواء تعلق الأمر بمراقبة وقف إطلاق النار أو مواكبة المفاوضات أو إعادة تنظيم الحضور الأممي.
الا ان أي تغيير في هذه الآليات يحتاج إلى قرارات أممية وإلى معالجة تداعيات غياب المراقبة الميدانية. ولا يمكن اعتبار انتهاء ولاية المينورسو، في حد ذاته، دليلاً على أن النزاع انتهى أو أن التسوية أصبحت منجزة.
ثامناً: الخلاصة الاستراتيجية، هل نحن أمام نهاية مرحلة أم بداية معركة دبلوماسية جديدة؟
ان ما حدث في 30 تشرين الاول/ أكتوبر 2026، بدون شك، يمثل لحظة كاشفة لتحولات عميقة في طبيعة النزاع حول الصحراء المغربية. فروسيا استخدمت الفيتو لمنع الولايات المتحدة من تحويل موقفها الداعم للحكم الذاتي إلى إطار أممي جديد، وقدمت مشروعاً بديلاً أرادت من خلاله الحفاظ على المينورسو ومرجعيتها السابقة. الا ان المشروع الروسي لم يجد التأييد الكافي، كما أن المشروع الأمريكي لم ينجح في الحصول على موافقة المجلس بسبب الفيتو. والنتيجة أن مجلس الأمن لم يتمكن من تجديد ولاية البعثة في موعدها.
أما المغرب، فقد اختار أن يقرأ هذه النتيجة من زاوية مختلفة، ليس باعتبارها فشل لمشروع أمريكي، وإنما باعتبارها مناسبة للإعلان عن انتقال في فلسفة تدبير القضية الوطنية.
ومن هنا أهمية البلاغ الملكي: فهو لا يكتفي بالتعبير عن موقف من تصويت أممي، بل يعلن عن توجه نحو إعادة تحديد المجال الذي تتحرك داخله الدبلوماسية المغربية.
ومع ذلك، فإن نجاح هذا التوجه سيظل مرتبطاً بقدرة المغرب على تحويل الدعم السياسي الدولي إلى تسوية تحظى بقبول الأطراف المعنية، وبكيفية التعامل مع التحديات القانونية والمؤسساتية والأمنية التي تترتب على انتهاء ولاية المينورسو.
وأخيرا، فان الفيتو الروسي ليس بالضرورة رفضاً للحكم الذاتي من حيث المبدأ، وإنما رفض للصيغة الأمريكية التي أرادت جعله الإطار الوحيد للتفاوض وإعادة تشكيل المهمة الأممية.
ان العامل الجزائري حاضر في الحسابات الروسية، لكن لا ينبغي اختزال القرار الروسي فيه فقط؛ فالتنافس على النفوذ داخل مجلس الأمن له أهمية مستقلة.
ان البلاغ الملكي يؤشر إلى تحول في الرؤية المغربية، من تدبير النزاع داخل المؤسسات الأممية إلى محاولة تغيير شروط التعامل الدولي معه.
كما ان عدم تمديد المينورسو لا يعني قانونياً انتهاء اختصاص مجلس الأمن أو إغلاق الملف الأممي تلقائياً؛ فذلك يظل مرتبطاً بقرارات وإجراءات أممية مستقلة.
مقال خاص لصحيفة قريش – لندن


















































