العراق تنقصه إدارة لثرواته

3 نوفمبر 2026
العراق تنقصه إدارة لثرواته

فاروق الدباغ

في عام واحد، أحرق العراق نحو 24 مليار متر مكعب من الغاز، ثم استورد الغاز من الخارج لتشغيل محطات كهربائه.

ربما لا توجد صورة أكثر اختصارًا لمشكلة الاقتصاد العراقي من هذه المفارقة.

بلد يمتلك الغاز ويحرقه، يمتلك النفط ويخشى انخفاض سعره، ويمتلك أرضًا زراعية واسعة لكنه يبقى شديد الحساسية لما يأتي إلى أسواقه من الخارج.

لذلك فإن السؤال لم يعد: هل العراق بلد غني؟

نعرف جميعًا أنه غني.

السؤال الأصعب هو: لماذا لا يشعر اقتصاد العراق بأنه اقتصاد دولة غنية؟

بحسب أحدث تقرير للبنك الدولي عن حرق الغاز، أحرق العراق خلال عام 2025 نحو 24 مليار متر مكعب من الغاز، أي أربعة أضعاف تقريبًا كمية الغاز التي استوردها في العام نفسه. ففي 2025 بلغت وارداته من الغاز الإيراني نحو ستة مليارات متر مكعب، بعد أن كانت تسعة مليارات في 2024.

هذه ليست مجرد أرقام في تقرير دولي.

وراءها محطات كهرباء، ومصانع، وفرص عمل، وأموال عامة، وقبل ذلك كله سؤال يتعلق بالسيادة الاقتصادية.

كيف يمكن لدولة أن تحرق موردًا في حقولها، ثم تنتظر المورد نفسه من خلف الحدود؟

وكيف أصبح انتظام الكهرباء داخل البيت العراقي مرتبطًا، ولو جزئيًا، بما إذا كانت إمدادات الغاز القادمة من دولة أخرى ستستمر أو تتراجع؟

هنا لا نتحدث عن فقر في الموارد.

نتحدث عن فشل طويل في تحويل الموارد إلى قوة اقتصادية.

والغاز ليس سوى المثال الأكثر وضوحًا.

فالنفط، الذي يفترض أن يكون الوسيلة التي تمول بناء الاقتصاد العراقي، تحول مع مرور العقود إلى العمود الذي يكاد الاقتصاد كله يستند إليه.

في عام 2025 مثّل النفط نحو 88 في المئة من إيرادات الحكومة العراقية، و91 في المئة من صادرات السلع، ونحو 53 في المئة من الناتج المحلي الحقيقي، وفق تقديرات البنك الدولي.

وهنا تكمن الخطورة.

حين تعتمد دولة بهذا الحجم على مورد واحد بهذه النسب، يصبح سعر برميل النفط جزءًا من سياستها المالية والاجتماعية، وليس مجرد رقم في الأسواق العالمية.

يرتفع النفط، فتتسع قدرة الدولة على الإنفاق.

ينخفض، فتعود لغة العجز والاقتراض وتأجيل المشاريع وضغط النفقات.

وهكذا، بعد عقود من تصدير النفط، ما زلنا نسأل السؤال ذاته:

ماذا تركت كل تلك البراميل وراءها؟

ليس المقصود كم مليار دولار دخل خزينة الدولة.

المهم ماذا بقي بعد إنفاق تلك المليارات.

كم صناعة عراقية أصبحت قادرة على المنافسة؟

كم منتجًا عراقيًا وصل إلى الأسواق الخارجية؟

كم فرصة عمل أنشأها اقتصاد حقيقي لا وظيفة حكومية؟

وكم قطاعًا أصبح قادرًا على الاستمرار إذا هبط سعر النفط غدًا؟

هذه هي المحاسبة الحقيقية للثروة.

الثروة ليست ما نخرجه من باطن الأرض، وإنما ما يبقى فوق الأرض بعد أن نبيع ما تحتها.

طريق، مدرسة، جامعة، مصنع، شبكة كهرباء، قطاع زراعي، شركة قادرة على التصدير، وصندوق مالي يحمي الأجيال القادمة عندما تتغير الظروف.

وإذا أردنا معرفة حجم هشاشة النموذج الاقتصادي العراقي، يكفي النظر إلى ما يحدث عندما يتعرض تصدير النفط أو إنتاجه إلى اضطراب خارجي.

في أحدث توقعاته المنشورة في أكتوبر 2026، يتوقع البنك الدولي انكماش الاقتصاد العراقي بنحو 12.4 في المئة خلال هذا العام في ظل صدمة الصراع الإقليمي وتعطل إنتاج النفط وصادراته، مع اتساع العجز وتراجع الاحتياطيات.

بغض النظر عن الرقم النهائي الذي سيتحقق، فإن الرسالة واضحة:

اقتصادنا ما زال شديد الحساسية لأي ضربة تصل إلى النفط.

وهذه مشكلة إدارة ثروة قبل أن تكون مشكلة أسعار.

من السهل اختصار كل ذلك بكلمة «الفساد».

ولا أحد يستطيع إنكار الأثر المدمر للفساد على الاقتصاد العراقي، لكن تحميله وحده المسؤولية يجعلنا نهرب من نصف المشكلة الآخر.

هناك أيضًا سوء تخطيط.

وهناك حلول مؤقتة تحولت إلى سياسات دائمة.

وهناك مشاريع تتغير أولوياتها بتغير الحكومات.

وهناك جهاز حكومي أصبحت وظيفته، في جانب كبير منه، توزيع الإيرادات أكثر من صناعة إيرادات جديدة.

والنتيجة أن الدولة كلما امتلكت مالًا أكثر أنفقت أكثر، لكنها لم تنجح بالقدر نفسه في تقليل اعتمادها على المورد الذي أنتج ذلك المال.

ومن الإنصاف القول إن العراق بدأ خلال السنوات الأخيرة خطوات حقيقية لاستثمار الغاز المصاحب وتقليل الحرق.

وزارة النفط تمضي في مشاريع الرطاوي وبن عمر والناصرية والحلفاية، بطاقة إجمالية مخططة تبلغ نحو 1.4 مليار قدم مكعب يوميًا، إلى جانب تطوير حقول الغاز الحر مثل عكاز والمنصورية. كما دخلت بالفعل بعض منشآت معالجة الغاز الخدمة خلال السنوات الأخيرة.

وهذا اتجاه صحيح.

لكن المشكلة ليست في وجود مشروع أو توقيع عقد.

السؤال هو: لماذا وصلنا إلى عام 2026 وما زال العراق من أكبر دول العالم في حرق الغاز؟

ولماذا احتجنا كل هذه العقود حتى نكتشف أن الغاز الذي نحرقه يمكن أن يشغل محطاتنا بدل أن نستورد بديله؟

النجاح لا يقاس بإعلان المشروع، بل بالغاز الذي يتوقف فعليًا عن الاحتراق، وبالميغاواط الذي يدخل الشبكة، وبالدولار الذي لا يعود العراق مضطرًا إلى إنفاقه على الاستيراد.

وهذا هو المعيار الذي نحتاج إلى تطبيقه على بقية الثروات أيضًا.

لا نحتاج بعد اليوم إلى خطط تحمل عناوين ضخمة عن «تنويع الاقتصاد».

نحتاج إلى أرقام ومواعيد.

كم ستنخفض نسبة الغاز المحروق في العام المقبل؟

متى يستطيع العراق تغطية حاجة محطاته من الغاز المحلي؟

كم ستنخفض نسبة اعتماد الموازنة على النفط؟

كم ستبلغ الصادرات غير النفطية؟

وكم وظيفة سينتجها القطاع الخاص بدل أن يبقى حلم الشاب العراقي هو الحصول على رقم وظيفي في الدولة؟

هذه الأسئلة هي التي تحدد إن كنا ندير الثروة أم نستهلكها.

العراق لم يكن فقيرًا في موارده يومًا.

المشكلة أن النفط تحول في كثير من الأحيان من فرصة لبناء اقتصاد إلى وسيلة لتمويل اقتصاد لا يستطيع الاستغناء عنه.

والغاز الذي كان يفترض أن يكون مصدرًا للطاقة تحول جزء منه إلى نار نراها فوق الحقول.

لهذا فإن التحدي العراقي الحقيقي ليس اكتشاف بئر نفط جديدة، ولا الإعلان عن احتياطي جديد من الغاز.

التحدي هو أن نترك للأجيال القادمة شيئًا غير الآبار.

اقتصادًا يستطيع أن يعمل من دون أن يسأل كل صباح عن سعر البرميل.

وكهرباء لا تنتظر أنبوبًا من الخارج.

وقطاعًا خاصًا لا يعيش على عقود الدولة.

وزراعة وصناعة تستطيعان أن تنتجا جزءًا أكبر مما يستهلكه العراقيون.

عندها فقط نستطيع القول إن النفط والغاز كانا نعمة للعراق، لا مجرد أموال مرت في موازناته.

فالعراق ليس بلدًا فقيرًا يبحث عن الثروة، بل بلد غني ما زال يبحث عن الدولة التي تعرف كيف تديرها.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


الاخبار العاجلة
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com