الانصياع إلى القطيع وصفات الراعي في العراق

25 أكتوبر 2026
الانصياع إلى القطيع وصفات الراعي في العراق

   د. توفيق رفيق آلتونچي 

حين نعلم الإنسان التفكير فإننا نحرره، وحين نلقنه فإننا نضمه للقطيع. 

المرحوم علي عزت بيجوفيتش

المرء على دين خليله، اي الحشر مع الناس عيد، وهذا يمثل العصب الاساس للفكر الجمعي للشعوب. ان سلوكيات الشعوب ترتبط بنظرية القطيع وهم لا يهتمون حتى للقسم الذي يحلفون فيه بالولاء للحكم، للوطن واحترام القوانين او حتى طاعة الملك او القائد، فتراهم ينقلبون عليه وينسون “القسم”.

 الشاذ هو مَن يختلف عن مسير القطيع، وما يسمىً كذلك “السير ضد التيار” وهذا الأخير هو المحرك الأساسي للتغير في الطبيعة كذلك الريح التي يهب ضد التيار فترفع الطائرة بعشرات الأطنان كالريش فوق السحاب. 

الإنسان كائن اجتماعي يعيش في مجتمعات (قطيع The herd) ) وهذا يعني ان الفرد منقاد إلى قرار الجماعة ويطبقه دون تفكير او نقاش ما دام الكل يأتي بنفس السلوك اي التقليد الأعمى والانصياع دون نقاش. 

الحقيقة جرحك انت لوحدك وليس جرح القطيع لأنهم يكرهونك ان كنت حيا لكنهم يقلدونك أغلى الأوسمة حين تموت

. الحكمةً أعلاه (الحشر مع الناس عيد) ينتج منه العديد من الأخطاء، وإذا رافق قرار القطيع أوامر طاغية وتنفيذ دون اي تفكير ونقاش. نموذج الانقياد إلى الأوامر والقتل الجماعي نراه بوضوح في مجموعة كتائب الإعدامات، هؤلاء لا يشعرون أبدا بتأنيب الضمير

 . مفردة القطيع تأتي من عالم الحيوانات، اذ يسير القطيع وراء الراعي (القائد) ويترك امره ومصيره لذلك القائد على أساس انه أدرى بمصلحة الجماعة واذا كان ذلك القائد ذا مكانة دينية ‘ يلبس عمامةً فان الاقتياد يتحول واجبا كما هي عليه الحال عند جميع الطوائف الدينية. كنت قبل اكثر من أربعين عاما وانا أتحضر لكتابة أطروحتي العلمية للحصول على شهادة الدكتوراه في رومانيا التي كانت آنذاك دولة اشتراكية بحاكم دكتاتوري أراد البقاء في الحكم مدى الحياة ( نيكولاي شاوشيسكو)، أقول كنت أحيانا أرى الناس واقفين في طوابير طويلة وكم من مرة ساقتني قدماي لا اراديا كي اقف في تلك الطوابير والمشاركة مع الجماعة همومهم وكي احصل ربما على علبة قهوة نسكافه او ما شابه بعد ان كانت الحالة الاقتصادية كارثية في البلد ولا اجد حتى علبة حليب لأطفالي.

تكون الكارثة اكبر حين يقنع الحمار الراعي لكي يتخلى ويحل مكانه كما في الصورة ادناه

 هذا السلوك في المشاركة في الوقوف في الطوابير اقتياد تطبيقي لنظرية القطيع، اي الحشر مع الناس. وفي هذه المناسبة أتذكر بان أحد الواقفين في الطابور لاحظ باني اجنبي ومن الغرابة ان يقف الأجانب في الطوابير لأن لديهم إمكانيات مالية يتمكنون من شراء ما يحتاجونه من محلات خاصة بهم بالعملة الصعبة تسمى (شوپ) او من محلات خاصة للهيئة الدبلوماسية وعائلاتهم، ولم أشأ ان أحدثه عن حالي وظلم الدولة لي، فتبرع مقابل بعض النقود القليلة ان يقوم بالوقوف يوميا بدلاً عني، وهو المتقاعد الذي لديه الوقت الكافي وأصبحنا أصدقاء. الحكمة البغدادية تقول: 

إياك ومرافقة المنافق المتلوّن، فهو يأكل مع الذئب، وينبح مع الكلب، ويبكي مع الراعي. 

هذه من الأمثلة الشعبية التراثية وتطبيقاتها في جميع الثقافات.

يكون السوء حين تنقاد الشعوب اليوم وراء افكار عنصرية متطرفة فتقع الحرب نتيجة مباشرة لانتشار تلك الأفكار اينما نمت. تحارب البشرية التاريخية مرآة تعكس سلوكيات الشعوب المنقادة في الحروب والنزاعات غير الطوعية ،الاستثناء هنا فيما يسمى ب الجهاد الديني الذي يعتبره المرء عبادة وفرضا دينيا ،كما شوهد في حروب المسلمين والمسيحيين ابان الحروب الصليبية ،ويتبع  بعض اليهود هذه السياسة، اي الجمع بين الحرب والنازع الديني لتقوية الانتماء إلى قرار القطيع. ويشجع الناس على الانخراط في السبل والطرق والمسالك المنحرفة والخاطئة واتخاذ القرارات المصيرية والخاطئة. 

هنا ياتي دور الأعراف والأمثال؛ “انصر أخاك ظالما او مظلوما ” أخاك طبعا يجب ان يكون من ديانتك فقط. ورغم صحة الحديث النبوي إلا ان تفسير نصرة الظالم مختلف عليه. القطيع في هذه الحالة يمشي وراء رأي يتفق عليه، اما مدى صحته فليس مهما لديه لأنه يكره الاختلاف والتميز، والمختلف في جميع الأحوال بدعة والبدعة ضلالة. هذا القطيع يرى في المعارض عدوا وتعديا لوجوده، ولذا يحاول دوما ان يقف مع الجماعة، حتى لو كانت الجماعة من الفاسدين واللصوص ( حراميه) والقتلة المجرمين . هذا السلوك الجماعي يبرر انتخاب الفاسدين في جميع الأنظمة في جميع دول العالم. 

 نتائج اتباع القطيع انتحار جماعي.

الملاحظ لتاريخ العراقي السياسي الحديث يرى غيابا كاملا لمفهوم الكيان السياسي الموحد وصراعا مريرا من اجل الهوية العراقية التي تسمى أحيانا بالوطنية وأخرى بالقومية ( تركية عثمانية، عربية حجازية و كردية كوردستانية ) و التبعية ( العثمانية و الإيرانية) وهذا الأخير ملفت للنظر لأنه رغم انه يعتبر الوطن القاسم المشترك والأعلى للتكوين هذا الشعب إلا انه يقسمهم كذلك وجاء الفكر القومي لينشر فكرة بان هذا الشعب جزء من أمة كبيرة تسمى عربية.

 وبهذا تم تشتت الشعب اي ان الجزء الأكبر من الشعب هم من العرب لأنّ أبناء القوميات الاخرى ليسوا ممن ينتمون إلى القومية العربية، وبذلك تم تهجير الملايين إلى ايران.  وتجمع الناس تحت تسميات الطائفة (شيعة، سنه، يهودي، مسيحي،كاكائي، ايزيدي، مندائي …) والعشائر ويعدد الانتماء القومي والعقائدي وغابت الوطنية.

الآية الكريمة: 

﴿ كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ 

الجغرافية السياسية وتاريخ المنطقة مسيطران ومهيمنان على نفسية هذا الشعب وتركيب جميع كياناته السياسية وحتى إلى التركيب السكاني لجميع مدنه. لهذا يقود كل مجموعة او قطيع راع ولا يحتاج هذا الراعي إلى اي أيديولوجية سياسية، واحيانا يحتاج إلى راية وبلون معين ورجلا ملتحيا لبق الكلام، مسعول اللسان.

 كما ذكرت سابقا ان الجموع تسير كالعميان وراء ذلك الراعي. اما هؤلاء ممن قادوا البلاد خاصة بعد إعلان الجمهورية فقد كانوا يحصلون على ٩٩٪  من الأصوات ،ويذكر بان احد رؤساء الدولة القوميين سئل عن عدد المنتمين لحزبه فقال ١٠٠٪  ،وآخر رفع عصا حزبية قائلا كل العراقيين ينتمون للحزب حتى وان لم ينتموا. الغريب ان التجربة المريرة التي عاشها العراق منذ إعلان الجمهورية إلى يوم الاحتلال وسقوط النظام عام ٢٠٠٣ لم تأت بأي سياسي عراقي يعرف قدر الوطن ويبتعد عن خيمته الحزبية والطائفية الضيقة، والاستثناء هنا تؤكد القاعدة.

 رجال دولة العراق الجديد هم مجرد يمثلون مجموعة معينة يقودون قطيعا بشريا يسيرون كالعميان وراءهم. وهذا ما تم عكسه لاحقا على تكوين الجمعية الوطنية وبات سنّ القوانين مرتبطا مباشرة بأغلبية طائفية ونفس طائفي لكن يطبق على الجميع. 

في التاريخ دائما، دولة الطوائف فاشلة اينما أسست لأنها تمثل الجزء وليس الكل.

منذ تأسيس المملكة العراقية ١٩٢٢ لهذا نرى سهولة واضحة لجميع الأحزاب السياسية لقيادة المجاميع المسلحة وما يسمى الميليشيات وكل جماعة جمع مجموعة مسلحة تنصاع إلى قرارات القائد الديني والسياسي. وهذه الطريقة قديمة استخدمها النازيون والفاشيون والشيوعيون كذلك وهي تركيبة عصابة كما عليها المافيا ومعظمهم يعيشون من الرواتب التي يدفعا ذلك الفصيل السياسي او الدولة لهم وينفذون دون نقاش قراراتهم في القتل والتنميل والإرهاب وهناك تسميات لهم كثيرة الحرس القومي، الجيش الشعبي، الفصائل ، الصحوة، العصائب، أنصار الاسلام، المقاومة الشعبية، قوات…، المقاومة الإسلامية ، الحشد الشعبي ( يتجمع تحت رايتها العديد من الفصائل المسلحة)، الحرس الثوري، كتائب سيد الشهداء، الجناح العسكري لمنظمة بدر، داعش، كتائب حزب الله واخرون كثيرون.

الاستثناء في قوات البيشمركة، فهم ليسوا تابعين لفصيل أو حزب أو طائفة وحتى قومية وعقيدة لأنّ تركيبهم كقوات تحمي مصالح الشعب وانطلقت من رحم شعب كوردستان ونضاله عبر العقود دون اي قرار من جهة معينة ففيها؛ اكثرية كردية تابعة لجميع الأحزاب ودون اي استثناء، ( قومية، إسلامية و اشتراكية) ، وهناك فصائل تركمانية كانت تحت قيادة السياسي العراقي المرحوم عزالدين قوجه وه وفصائل من البيشمركة من المسيحيين وكذلك قوات الأنصار التابعة حصرا بالحزب الشيوعي العراقي وهم من ابناء مختلف القوميات وعقائد الشعب العراقي. وهي اليوم قوات نظامية تابعة لوزارة الدفاع تحت تسمية قوات الحدود العراقية وتسليحها حكومي. انعكاس التكوين التعددي لشعب كردستان في تكوين قوات البيشمركة كنت قد اشرت إلى الخارطة السياسية العراقية عشية الانتخابات العراقيةً إذا اجريت في وقتها المحدد و المقبلة في مادة سابقة

: https://altaakhi.net/2025/08/180934/

كنت قد أشرت كذلك إلى أسس التقسيم السياسي للشعب العراقي وهي على الأكثر نفسها حين دراستنا تتكون من المجاميع البشرية ذو الانتماءات التالية; اولا: الدين والعقيدة: الطائفة الشيعية الأكبر عددا ترضخ أبناءها بالكامل إلى سياسة التقليد للمرجع الديني ويعتبر من ناحية المنهج السياسي الرأسمالي الديني دون نقاش اي المرجعية هم الأدرى بشؤون الطائفة. هذه الطائفة مهما كانت تفرعاتها فلها قاسم مشترك اعلى وهو المرجعية الدينية وولاية الفقيه المنقسمة اليوم بين الولاء بين مرجعية النجف الأشرف في العراق والمرجع الأعلى في مدينة قم في ايران. 

هذه المجموعة تعتبر الأكثرية عدديا وسهلة الانقياد دائما لوجود عصا “راعي واحد ” الطاعة العمياء ودون اي نقاش للقطيع ولا جدال لقرار نائب او ظل الامام على الارض اي المرجعية الدينية. كما ذكرت في مادة سابقة هذه الطائفة تمثلها اكثرية من القومية العربية ومن ثم الأكراد والتركمان

. ثانياً: حملة الفكر القومي هذه المجموعة متغيرة والأكثر مرونة من الناحية الأيديولوجية ففيها اكثرية سنية، وبانتماء قومي، وديني، وعشائري. تتمركز هذه المجموعة في النصف الشمالي والغربي من العراق، الديلم على خط الرمادي بغداد خانقين وشمالا. هؤلاء تاريخيا شاركوا في جميع الحكومات المتعاقبة حتى عام ٢٠٠٣ وبقوا دوما اوفياء للخط الذي رسمه الاستعمار البريطاني (راجع تأسيس العراق في اتفاقية سايكس بيكو) وتحت جميع الحكومات المتعاقبة والقيادات. هذه المجموعة صعبة القيادة، ولكنها تعتبر اسهل في اقليم كوردستان لوجود الحزب الديمقراطي الكوردستاني ذو التاريخ السياسي والقيادة الثابتة القومية من ناحية والكردستانية الشاملةًمن ناحية أخرى، لكون شعب كردستان ذا تكوين قومي، ثقافي وعقائدي تعددي ولا يجوز تمثيلها عن طريق فكر قومي واحدة.*

اما السُنة منهم فيقودهم فكران أساسيان نابعان كذلك من التجربة السياسية العراقية القومية العربية بجميع تفرعاتهامن الفكر الناصري والعراقية السورية العفلقية ( من مسيحيي سوريا ولبنان) من ناحية، والدينية السنية من ناحية أخرى، والانتماء إلى المذهب الحنفي القريب من المذهب الرسمي للدولة العثمانية في الانتماء إلى مذهب الإمام ابو حنيفة النعمان. هؤلاء السنة لا يقودهم قائد ديني معين اي لا يقلدون اي رجل دين، وجل ما لديهم هو “الوقف السني ” كمؤسسة دينية لها تقاليدها العثمانية التي تبقى قراراتها غير ملزمة بالكامل واستشارية. 

لهذا سياسيا هذه المجموعة متفرقة وفيها اكثرية كردية، عربية وتركمان. العديد ممن يتهمون بالانتماء إلى البعث لا يزالون في هذه المجموعة وهم عاطفيون يحلمون ب العودة وإنشاء دولتهم القومية الموحدة العاطفية رغم فشلها الذريع نموذجيها المصري والسوري. لم ولن يتمكن الفكر القومي فهم تركيب الشعب العراقي التعددي لان أفكاره مستوردة وليست نابعة من فكر عراقي وطني يحترم تكوين شعب العراق. هذا ما جعلهم يعادون الشعب العراقي مع استلامهم للحكم وتعريب المجتمع تحت راية أمه عربية واحدة

. ثالثاً: مجموعات اخرى هذه المجموعة الأكثر انقساما في التركيب السياسي للبيت العراقي وهم غير موحدين بل منقسمون تحت رايات عقائدهم وقلة عددهم ويعتبر المسيحيون الأكثر عددا فيهم ويقودهم الفكر الديني الطائفي.

 ومن ثم الايزيديون والشبك والمندائيون الصابئة و وجماعة الكسنزانين والنقشبنديين وأهل الحق والكاكائيون واليهود ومجاميع صغيرة من حركة البيئة و الزرادشتيون ومجاميع صغيرة ملكية التوجه يحلمون بعودة الملكية للعائلة الهاشمية وكان آخرهم المرحوم الشريف علي بن حسين* وهم قلة اخرى.

 آخر مجموعة والأسهل انقيادا لان أعضاء هذه الجماعة من الحزبين العقائديين ولم يتركوا أفكارهم منذ تأسيس حزب الشيوعي العراقي ورديفها الكردستاني. ستبقى الوطنية العراقية مرتبطة بالموافقة على ما جاء في اتفاقية سايكس بيكو،من حجازي، سوري وعثماني وعدا ذلك هو انفصالي. 

خارطة توضح انتهاء حدود العراق العربي شمال بغداد هذه التركيبة الموزاييك ستبقى ثابتة ولا تتغير حتى وان كان هناك من يدعي اليوم ان عودة الدكتاتورية قد توحد القطيع والسؤال يتكرر وهل كان القطيع موحدا ايام الدكتاتور؟ لماذا لا يفهم رجال الدولة ومنذ تأسيس الدولة العراقية هذا التركيب مكررين الأخطاء تلو الأخطاء مع العلم يرون بان أعينهم مصير الأسلاف ؟

 السويد ٢٠٢٥ 

إشارات:

   المرحوم الشريف علي بن الحسين مواليد ١٩٥٦ سياسي عراقي، وابن خالة ملك العراق المرحوم فيصل الثاني الذي استشهد في الانقلاب عليه عام 1958 . من مواليد العاصمة بغداد والده الحسين بن علي، ووالدته الأميرة بديعة بنت الملك علي بن الحسين الأول، وهي خالة الملك فيصل الثاني. تزعم الحركة الملكية الدستورية التي كانت أحد أحزاب المعارضة العراقية في الخارج، قبل أن تعود إلى العراق ثم تغير اسمها عام 2010 إلى الحركة الدستورية، وتتحد مع الائتلاف الوطني العراقي. وافاه الأجل ٢٠٢٢ لروحه السلام

. • الحزب الديمقراطي الكوردستاني أسس عام في 16 آب عام 1946 بقيادة زعيم الأمة الخالد المرحوم الملا مصطفى البارزاني في البداية كان اسم الحزب هو (الحزب الديمقراطي الكردي) ولكن في المؤتمر الثالث بتاريخ 26/1/1953 المنعقدة في مدينة كركوك، تقرر تغيير الاسم إلى الحزب الديمقراطي الكوردستاني كي يشمل تحت جناحه جميع ابناء شعب كوردستان بعيدا عن التعصب القومي.

 حول القطيع (The herd) ؛

 نظرية القطيع هي ظاهرة نفسية واجتماعية تصف ميل الأفراد في جماعة إلى اتباع سلوك أو معتقدات الآخرين دون تفكير نقدي أو تقييم منطقي، بدافع الخوف من العزلة أو الحاجة للانتماء، وهي مستوحاة من سلوك الحيوانات في قطعانها لكن معظم الناس يظنون أنهم أحرار، لكن الحقيقة أنهم يتحركون كما يتحرك القطيع، خطوة بخطوة، بلا وعي. بدأ من عالم النفس “غوستاف لوبون” الذي كتب قبل أكثر من قرن: تختلف سيكولوجيا الفرد في الجمهور عن سيكولوجيا الفرد المنعزل. نفسية الجمهور هي، بالطبيعة، لاشعورية. لا يمكن التأثير في الجمهور إلا بالخيالات، لأنه لا يفكر إلا بالخيالات؛ لا يفهم بالتالي الفكر العقلاني والمفهومي. الخيالات لا بد أن تكون مثارة بالاستعانة بالمنطق الساذج. حين يذوب الفرد في الجماعة، يتنازل عن عقله ويستعير عقل القطيع. هناك تجارب علميةً تثبتً هذا التوجه ففي تجربة “آش” الشهيرة ، 75٪ من الناس غيّروا رأيهم الواضح لمجرد أن الأغلبية قالت العكس. فيما أطاع الأمر في تجربة اخرى القطيع الأوامر حتى أوامر القتل. عالم اعلم النفس الحديث النمساوي سيغموند فرويد يسمّى سلوك الفرد في القطيع: انصهار الأنا ( Ego). الفيلسوف فردريك نيتشه” حذّر من أخلاق القطيع التي تقتل كل تفرّد رغم انه كان يومن بقيادة الرجل الخارق الذي مهد للدكتاتورية النازية وصعود هتلر كقائد للقطيع. يقول غوته: «لا شيء أكثر إثارة للاشمئزاز من الأغلبية: لأنها تتكون من قلة من الأسلاف الأقوياء، ومن الأوغاد الذين يتكيفون، ومن الضعفاء الذين يخضعون، ومن الجموع التي تقلد دون أن تعرف على الإطلاق ما تريده.» بمعنى أن ما يسمى بـ”رأي الأغلبية” ليس بالضرورة معيارًا للحقيقة أو الحكمة. فالأغلبية، في نظر غوته، خليط غير متجانس: قلة لها قوة السبق والتأثير، والبقية إمّا تتلون خوفًا، أو تخضع عجزًا، أو تقلد بلا وعي. في علم الاجتماع يُسمى هذا بـ ديناميكية القطيع (Herd Mentality)، حيث يتخلى الأفراد عن عقولهم المستقلة ليتبعوا الصوت الأعلى أو الاتجاه الأكثر شيوعًا. أما في الفلسفة النقدية، فهي دعوة إلى تحرير الذات من سطوة الكثرة، والتفكير بعقل فردي قادر على إدراك ما وراء ضوضاء المجموع. إنها رؤية قاسية وصادمة: أن الأغلبية ليست ضمانًا للعدالة أو للحق، بل قد تكون أداة لتكريس الرداءة. ومن هنا تصبح مهمة المثقف والمفكر ليست إرضاء الجمع، بل مقاومة الانقياد الأعمى وصون العقل من ذوبانه في “الرأي العام”. 

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


الاخبار العاجلة
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com