قانون باركنسون للتفاهة ..إرادة وإدارة

24 أكتوبر 2026
قانون باركنسون للتفاهة ..إرادة وإدارة

أولويات الإدارة والقيادة

د. شُهب طاقة

كاتب من العراق

من عجائب الإدارة أن القرارات التي يتوقف عليها مستقبل المؤسسة، وقد تتعلق بملايين الدنانير، أو بمصير مئات الموظفين، أو بالدخول في استثمارات محفوفة بالمخاطر، تُتخذ أحيانًا بسرعة البرق، وكأن أعضاء مجلس الإدارة قد اكتشفوا فجأة فضيلة الحسم، وقرروا أن الوقت من ذهب، وأن التأخير قد يكلف المؤسسة الكثير. لكن ما إن ينتقل النقاش إلى مسألة بسيطة، كاختيار أثاث مكتب، أو تغيير شعار المؤسسة، حتى تختفي تلك الروح القيادية!، ويبدأ مسلسل الاجتماعات والمداولات، وتبادل الآراء، وطلب الإيضاحات، وتشكيل اللجان، وكأن مستقبل المؤسسة بأكمله يتوقف على لون الستارة أو شكل الطاولة!.

وهنا نستحضر ما يُعرف بـ«قانون باركنسون للتفاهة»، الذي ارتبط بالكاتب البريطاني سي نورثكوت باركنسون، والذي تناول في كتابه قانون باركنسون ظاهرة استغراق اللجان وقتًا طويلًا في مناقشة المسائل الصغيرة، مقابل مرورها سريعًا على القضايا المعقدة التي يصعب على معظم أعضائها الإحاطة بتفاصيلها. وضرب مثالًا ساخرًا بلجنة تناقش مشروعًا نوويًا، فتتعامل مع الجوانب التقنية المعقدة بسرعة، ثم تقضي وقتًا طويلًا في مناقشة تكلفة بناء سقيفة لسيارات الموظفين؛ لأن موضوع بناء السقيفة بسيط بما يكفي ليصبح لكل عضو فيه رأي وخبرة ومقترح!.

والمفارقة أن القضايا الكبرى تحتاج إلى معرفة متخصصة، وتحليل عميق، وقدرة على تقدير المخاطر، بينما تمنح التفاصيل الصغيرة الجميع فرصة ذهبية لإظهار الحضور وإثبات المشاركة. فليس مطلوبًا من عضو مجلس الإدارة أن يكون خبيرًا في الطاقة النووية كي يناقش لون السقيفة، ولا أن يكون متخصصًا في إدارة المخاطر كي يعترض على موقعها، ولا أن يمتلك خبرة مالية واسعة كي يطالب بتخفيض تكلفتها. يكفي أن يكون حاضرًا، وأن يمتلك رأيًا، وأن يجد من يصغي إليه! وهنا تبدأ الحكاية الإدارية التي تستحق أن تُروى بسخرية في القرارات الكبرى، حيث يخشى البعض من تبعات القرار، وفي القرارات الصغيرة، يخشى البعض من أن يمر القرار دون أن يترك بصمته عليه!.

فلنتخيل هنا أن مجلس إدارة مؤسسة يناقش قرارًا استثماريًا قد يعرّض المؤسسة لخسائر جسيمة. وبينما يعرِض المدير التنفيذي الأرقام والتوقعات، ويشرح المخاطر، ويستعرض البدائل، ثم ينظر رئيس المجلس إلى الحاضرين ويسأل: «هل لدى أحد ملاحظات على الموضوع؟». وهنا يسود الصمت بضع ثوانٍ، ثم يأتي الرد الحاسم: «الأمور واضحة، سنعتمد القرار». وينتهي الاجتماع قبل أن يبرد فنجان القهوة!!!.

وبعد أيام، يجتمع المجلس نفسه لمناقشة شراء طاولة جديدة لغرفة الاجتماعات. وهنا تتغير الأجواء، وتستيقظ العقول، وتُستدعى الخبرات، ويطلب أحد الأعضاء ثلاثة عروض أسعار، ويقترح آخر تشكيل لجنة فنية، بينما يرى ثالث ضرورة دراسة الأثر البصري للون الطاولة على بيئة العمل؛ أما العضو الذي لم يتحدث في الاجتماع السابق، فيجد في هذه المسألة فرصته التاريخية ليقول: «أعتقد أننا بحاجة إلى مزيد من الدراسة قبل اتخاذ القرار». وهكذا يصبح القرار الاستثماري الخطير أسهل من اختيار قطعة أثاث، ويصبح مستقبل المؤسسة أقل إثارة للنقاش من مستقبل الطاولة التي سيجلس حولها أعضاء المجلس لمناقشة مستقبل المؤسسة!.

ولعل المشكلة ليست في الاهتمام بالتفاصيل؛ فالتفاصيل قد تكون مهمة، والرقابة على الإنفاق ضرورة لا غنى عنها، والتشاور علامة على النضج الإداري. لكن المشكلة تبدأ عندما تفقد المؤسسة قدرتها على التمييز بين ما يستحق الدراسة وما لا يحتاج إلا إلى قرار بسيط، وعندما تتحول الإجراءات من وسائل لضبط العمل إلى غايات تستهلك الوقت والجهد والموارد.

وفي النهاية، قد لا تكون المشكلة أن المؤسسات لا تعرف كيف تتخذ القرارات، بل إنها لا تعرف كيف ترتّب أولوياتها؛ فتُحسم القرارات المصيرية في دقائق، وتُترك القضايا الاستراتيجية الكبرى على رفوف الانتظار، بينما تنشغل القيادات بمعارك توزيع المناصب الإدارية، وكأن نهضة المؤسسة تبدأ من معرفة مَن سيجلس على أي كرسي، لا من معرفة إلى أين تتجه المؤسسة أصلًا! وهكذا يُهمَل المهم جدًا، ويُستنزف الوقت في اقتسام المواقع والألقاب، حتى يصبح السؤال الأكثر إلحاحًا داخل المؤسسة ليس: كيف نُحسّن الأداء ونواجه التحديات؟ بل: مَن سيتولى المنصب؟ ولمن تذهب الصلاحيات؟ ومن سيجلس في الصف الأول؟، وكل هذا يمر عبر المحسوبية والمنسوبية مع ركن الكفاءات جانباً!!. أما الخطط والاستراتيجيات والأهداف، فلتنتظر قليلًا، ريثما تنتهي معركة الكراسي؛ فالمؤسسة، كما يبدو، تستطيع أن تؤجل مستقبلها، لكنها لا تستطيع أن تؤجل توزيع مناصبها!.

« حين تُحسم المصائر في دقائق، وتُناقَش التفاهات في اجتماعات!».

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


الاخبار العاجلة
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com