د. أحمد محمد القزعل
في زمن كان الإنسان فيه يفرح لأن الناس عرفوا فضله، أصبح بعض الناس اليوم يفرحون لأن الناس عرفوا اسمه، وبين الأمرين مسافة واسعة فإن تكون معروفاً لا يعني بالضرورة أن تكون نافعاً وأن تتردد صورتك في الشاشات لا يعني أن يكون لك أثر في النفوس، وقد يتأمل المرء مشهد طفل صغير يمسك هاتفه ويتابع شخصاً لمجرد أنه مشهور، ثم يقول في براءة: أريد أن أصبح مثله، فإذا سألته: وماذا صنع؟ ربما لا يجد جواباً، لقد أصبحت الشهرة عند بعض الأجيال هدفاً قائماً بذاته لا نتيجة طبيعية لعمل عظيم، وهنا تبدأ المشكلة التربوية
فالشهرة في أصلها ليست عيباً وقد يكون الإنسان مشهوراً لأنه عالم نافع، لكن الخطر يبدأ حين تصبح الشهرة غاية وتصبح القيمة وسيلة إليها، عندها لا يعود السؤال: ماذا أقدم للناس؟ بل يصبح: كيف أجعل الناس ينظرون إليّ؟…
حين يتعلم الطفل أن عدد المتابعين مقياس للنجاح
الطفل لا يولد عاشقاً للشهرة وإنما يتعلمها من البيئة التي يعيش فيها، فحين يرى والديه يحتفيان بمن يظهر كثيراً وحين يسمع في البيت عبارات من قبيل: انظر كم لديه من المتابعين!، وحين تصبح الصور والتعليقات والإعجابات جزءاً من تقييم الناس يبدأ عقله الصغير في بناء معادلة خطيرة: أنا مهم بقدر ما يراني الآخرون، ومن هنا قد ينشأ طفل يخشى أن يكون عادياً مع أن العادية ليست نقصاً وأن الإنسان يستطيع أن يعيش حياة عظيمة دون أن يعرفه إلا عدد قليل من الناس.
إن أعظم المعلمين في التاريخ لم يكونوا جميعاً مشاهير في حياتهم، والكثير من الآباء والأمهات عاشوا وماتوا دون أن تتناقل الصحف أسماءهم، لكنهم تركوا في أبنائهم أثراً ربما كان أعظم من أثر شخص يعرفه الملايين؛ لذلك علينا أن نعيد تعريف النجاح في تربية أبنائنا، ونسأل طفلنا: من أسعدت اليوم؟ ماذا تعلمت؟ ماذا أنجزت؟ من ساعدت؟ ما الخطأ الذي أصلحته؟، هذه الأسئلة تصنع إنساناً أما مطاردة التصفيق فتصنع صورة، والقيمة لا تحتاج دائماً إلى جمهور، فهناك أعمال عظيمة تحدث بعيداً عن الكاميرات.
أم تستيقظ قبل الجميع لتعد طعام أبنائها وأب يعود متعباً ثم يجلس إلى جانب طفله ليساعده في درسه ومعلم يكرر الشرح لطالب لم يفهم وطبيب يواسي مريضاً لا يملك المال وشاب يحمل عن رجل مسن حاجاته دون أن يصوره أحد، كل هؤلاء قد لا يحصلون على إعجاب واحد لكنهم يمتلكون شيئاً أعمق من الإعجاب: القيمة، والقيمة الحقيقية لا تحتاج إلى جمهور كي تكون حقيقية، فالزهرة لا تحتاج إلى كاميرا كي تفوح برائحتها والنهر لا يحتاج إلى متابعين كي يسقي الأرض والشمس لا تنتظر تصفيقاً من أحد كي تشرق وهكذا الإنسان أيضاً.
قد تعمل الخير ولا يعرف بك أحد وقد تربي أبناءك ولا يكتب أحد عنك وقد تصبر على مسؤولياتك اليومية دون أن تحصل على كلمة شكر، لا تظن أن ذلك يجعل عملك صغيراً، ربما كانت أعظم آثارك هي تلك الآثار التي لن تعرفها أبداً.
ومن أخطر ما يمكن أن يحدث للإنسان أن يعتاد التصفيق، فمن ذاق الشهرة قد يبدأ في طلب المزيد ثم يصبح محتاجاً إلى جرعات متواصلة من انتباه الآخرين، صورة اليوم تحتاج إلى صورة غداً والنجاح السابق يحتاج إلى نجاح أكبر والكلمة التي أثارت الاهتمام تحتاج إلى كلمة أكثر إثارة، وهنا يتحول الإنسان من مالك للشهرة إلى عبد لها، فيصبح مزاجه متعلقاً بالتعليقات وثقته بنفسه مرتبطة بعدد المتابعين وحزنه مرتبطاً بانخفاض المشاهدات، وهذا لون من الفقر النفسي؛ لأن الإنسان الذي لا يستطيع أن يشعر بقيمته إلا حين ينظر إليه الآخرون قد يفقد نفسه عندما ينصرف الآخرون عنه، والتربية الحكيمة ينبغي أن تعلّم الإنسان منذ صغره أن يقول في داخله: أنا أريد أن أكون نافعاً، حتى لو لم أكن مشهوراً، هذه الجملة البسيطة قد تحمي إنساناً من سنوات طويلة من الركض خلف سراب لا ينتهي…
لا تجعلوا أبناءكم يطاردون الصورة وينسون الإنسان، فنحن لا نحتاج إلى تربية أبناء يكرهون الشهرة وإنما نحتاج إلى تربيتهم على ألا يجعلوها معياراً لقيمتهم، علّم ابنك أن يتقن عمله ولو لم يصفق له أحد، وعلمه أن يقرأ كتاباً لا لأن الناس سيعرفون أنه قرأه بل لأنه سيصبح بعد القراءة إنساناً أفضل، وعلمه أن يساعد المحتاج دون تصوير، وعلمه أن يحافظ على أخلاقه حين لا يراه أحد؛ لأن الأخلاق الحقيقية تبدأ عندما تغيب الكاميرا، وقل له إن الشهرة إن جاءت نتيجة طبيعية لعمل صالح، فليحمد الله ويحسن استخدامها أما إذا أصبحت هدفاً يدفعه إلى التنازل عن مبادئه وخصوصيته وكرامته فقد تحولت النعمة إلى امتحان شديد، إن الإنسان لا ينبغي أن يسأل فقط: كيف يراني الناس؟ بل ينبغي أن يسأل سؤالاً أعمق: من أكون حين لا يراني أحد؟، فهناك تتشكل الشخصية الحقيقية.
كما أن المجتمع الذي يكافئ الظهور أكثر من الإنجاز قد يرسل رسالة خاطئة إلى أبنائه، فقد يعمل الباحث سنوات في صمت بينما يحصل شخص آخر على اهتمام واسع لأنه أتقن صناعة حضوره، فيظن الشاب أن الطريق الأقصر إلى النجاح هو أن يصبح مرئياً لا أن يصبح متميزاً، وهنا يجب أن ننتبه إلى أن الشهرة ليست دليلاً على الحقيقة كما أن الصمت ليس دليلاً على الفشل، فقد يكون أكثر الناس علماً أقلهم ظهوراً، وقد يكون أكثرهم ظهوراً أقلهم علماً؛ ولذلك ينبغي أن تتعلم التربية الحديثة التفريق بين صناعة الإنسان وصناعة الصورة، فصناعة الإنسان تحتاج إلى سنوات من القراءة والصبر والتجربة والأخلاق وتحمل المسؤولية، أما صناعة الصورة فقد تحتاج إلى لحظات، والفرق بينهما أن الصورة قد تسقط في لحظة أما الشخصية الحقيقية فتبقى حتى بعد أن تنطفئ الأضواء.
في نهاية المطاف ستنطفئ الشاشات وستتغير المنصات وستظهر أسماء جديدة وسينشغل الناس بوجوه أخرى، وما كان حديث الساعة اليوم قد يصبح بعد سنوات مجرد ذكرى عابرة، لكن ما زرعته في إنسان سيبقى، كلمة طيبة قلتها في وقت كان أحدهم يحتاج إليها وطفل علمته أن يحترم نفسه ووالد احتضنته وصديق وقفت بجانبه وعمل أتقنته بإخلاص وكتاب قرأته فغيّر شيئاً في روحك وخلق حافظت عليه حين كان التخلي عنه أسهل، هذه هي الأشياء التي تمنح الحياة معناها.



















































