أكتوبر الغضب الاجتماعي، حين يفقد الناس الثقة في وعود السياسة
بقلم د. مصطفى الغاشي

أستاذ التعليم العالي
جامعة عبد المالك السعدي بتطوان
تقديم، لم يكن تشرين الاول / أكتوبر 2026، شهراً عادياً في الشوارع العالمية. فمن أوروبا إلى آسيا، ومن أفريقيا إلى أميركا اللاتينية، عادت الاحتجاجات الاجتماعية والشبابية إلى واجهة المشهد، حاملةً مطالب تتباين من بلد إلى آخر، لكنها تلتقي عند سؤال جوهري: لماذا يشعر عدد متزايد من المواطنين بأن المؤسسات السياسية والاقتصادية لم تعد قادرة على ضمان مستقبلهم؟
ففي فرنسا، اتسعت الاحتجاجات الطلابية لتتجاوز مشكلات التعليم نحو غلاء المعيشة وتراجع الخدمات العمومية. وفي إسبانيا والبرتغال، تصدرت أزمة السكن وارتفاع الإيجارات مطالب المحتجين. وفي إيطاليا، امتزج الغضب من تكاليف الحياة بمطالب تحسين الأجور والتعليم والصحة. أما في ألبانيا، فقد حضرت اتهامات الفساد وضعف الفرص الاقتصادية في قلب المواجهة مع الحكومة. وفي مناطق أخرى من العالم، برزت قضايا الفساد والحقوق الاجتماعية والحريات العامة والبيئة، إلى جانب التضامن مع فلسطين.
وتؤكد التغطيات الصحفية المنشورة خلال النصف الثاني من أكتوبر أن هذه التحركات، وإن لم تكن صادرة عن حركة عالمية موحدة، تكشف عن تراكم أزمات اجتماعية وسياسية متشابهة في عدد من المجتمعات.
الا ان اختزال ما يجري في مجرد موجة احتجاجات شبابية، أو اعتباره مؤامرة عابرة للحدود، لن يساعد على فهمه واستيعابه. فالمطلوب هو قراءة عميقة للتحولات التي جعلت الشارع يستعيد دوره بوصفه مجالاً للتعبير عن مطالب لم تعد قنوات التمثيل التقليدية تستوعبها او تتفاعل معها.
إن القضية ليست فقط لماذا خرج الناس إلى الشوارع، بل لماذا أصبح الشارع، بالنسبة إلى قطاعات من المواطنين، الفضاء المتاسب قدرة لإسماع صوتهم بدل المؤسسات التي تمثلهم.
أولاً: من أزمة القدرة الشرائية إلى أزمة الثقة السياسية،
تبدأ القصة من الاقتصاد، لكنها لا تنتهي عنده. فارتفاع الأسعار، وتكاليف السكن والطاقة والنقل، وتراجع القدرة الشرائية، ليست فقط مؤشرات اقتصادية تظهر في التقارير الرسمية؛ بل إنها تجارب يومية يعيشها المواطن عندما يكتشف أن دخله لم يعد يكفي لتغطية حاجاته الأساسية، وأن العمل لم يعد يضمن له الاستقرار، وأن سنوات الدراسة قد لا تفضي إلى وظيفة تحفظ له الكرامة والاستقلال.
ومن هنا، تتحول الأزمة الاقتصادية إلى أزمة اجتماعية، يختزل في سؤال سياسي كبير: من المسؤول؟ وما الذي تفعله الحكومة؟ ولماذا يبدو توزيع الثروة غير متكافئ بين الفئات الاجتماعية؟
ففي أوروبا، أظهرت احتجاجات تشرين الاول / أكتوبر أن أزمة المعيشة تتداخل مع اختلالات الخدمات العمومية وصعوبات الوصول إلى السكن. وفي فرنسا، اتسعت الحركة التي بدأت بمطالب مرتبطة بالمدارس لتشمل فئات اجتماعية أخرى، بينما تحولت أزمة السكن في إسبانيا والبرتغال إلى قضية مركزية في الاحتجاجات.
والمفارقة، انه قد تسجل الاقتصادات نمواً، وقد تعلن الحكومات عن مشاريع استثمارية كبرى، وقد تتحسن بعض المؤشرات المالية، لكن هذه الإنجازات لا تترجم بالضرورة إلى تحسن ملموس في الحياة اليومية لجميع المواطنين. فالنمو الاقتصادي لا يقاس فقط بحجم الثروة المنتجة، بل أيضاً بمن يستفيد منها، وبمدى قدرة المجتمع على تحويلها إلى تعليم جيد، وعلاج متاح، وسكن لائق، وشغل مستقر، وحماية اجتماعية فعالة.
فعندما تتسع المسافة بين المؤشرات الاقتصادية الرسمية والتجربة اليومية للمواطن، تتراجع الثقة في الخطاب الحكومي، حتى عندما تكون بعض الأرقام إيجابية.
إن أخطر ما في أزمة القدرة الشرائية ليس انخفاض الدخل وحده، بل شعور المواطن بأن قواعد اللعبة الاقتصادية لا تمنحه فرصة عادلة لتحسين وضعه.
ثانياً: لماذا يتقدم الشباب إلى واجهة الاحتجاج؟ انه لا يمكن فهم احتجاجات شهر أكتوبر من دون التوقف عند موقع الشباب في التحولات الجارية. فالشباب لا يواجهون فقط صعوبة الحصول على عمل، بل يعيش كثير منهم تناقضاً بين الوعود التي تقدمها المجتمعات الحديثة وبين الفرص المتاحة فعلياً أمامهم. يُطلب منهم الاجتهاد والتكوين واكتساب المهارات، لكنهم يصطدمون أحياناً بسوق عمل محدود الفرص، وأجور لا تواكب تكاليف المعيشة، ومسارات اجتماعية لا تضمن الانتقال من التعليم إلى الاستقلال الاقتصادي.
وبذلك، لم تعد الأزمة مرتبطة فقط بغياب الفرص، وإنما بتراجع الثقة ايضا في إمكانية الوصول إليها عبر المسارات التقليدية.
اما في المدرسة والجامعة، فتتخذ الأزمة شكلا خاص.
فالمؤسسة التعليمية التي يفترض أن تكون أداة للارتقاء الاجتماعي تتحول، عندما تتراجع جودتها أو تتسع الفوارق في الولوج إلى التعليم الجيد، إلى مجال يعيد إنتاج التفاوتات بدلاً من تقليصها.
وقد أظهرت الاحتجاجات الطلابية في فرنسا خلال أكتوبر كيف يمكن لمطالب مرتبطة بظروف الدراسة ونقص المدرسين أن تتسع لتصبح تعبيراً عن استياء اجتماعي أوسع. الا انه من الخطأ اعتبار الشباب مجموعة متجانسة أو أن الاحتجاجات التي يشارك فيها جيل الشباب تحمل نفس الأهداف. فهناك من يحتج من أجل التعليم، ومن يطالب بالشغل والسكن، ومن يرفض الفساد، ومن يدافع عن الحريات، ومن يعبر عن غضب سياسي يعبر عنه خارج الاحزاب والمؤسسات. ومع ذلك، هناك قاسم مشترك يثير الانتباه وهو: تزايد الشك في أن المستقبل رغم الاجتهاد والدراسة…والنجاح.
إن هذا التحول قد لا يهدد الاستقرار الاجتماعي فقط، لكنه يضع الحكومات أمام مسؤولية إعادة بناء الثقة، ليس فقط عبر الخطابات المطمئنة، بل من خلال سياسات قابلة للقياس، ونتائج يمكن للمواطن لمسها في حياته اليومية.
ثالثاً: من أزمة الخدمات العمومية إلى أزمة الدولة الاجتماعية، ثمة سؤال يربط الاحتجاجات المتباعدة جغرافياً وهو: ماذا ينتظر المواطن من الدولة، وماذا يحصل عليه فعلياً؟ ففي المجتمعات التي اتسعت فيها اللامساواة الاجتماعية، فان المطالب فيها لا تقتصر على زيادة الأجور أو تخفيض الأسعار فقط. بل إنها تمتد إلى جودة التعليم، وإمكانية العلاج، وتوافر السكن، والحماية من الهشاشة، والحق في العيش داخل بيئة آمنة.
وتكشف هذه المطالب عن تحول مهم في العلاقة بين المواطن والدولة. فالمواطن لا يقيس أداء الحكومة من خلال ما تعلنه من إصلاحات أو من خلال ما تنجزه من مشاريع، بل من خلال إصلاحات تحسن حياته وتضمن له حداً معقولاً من الاستقرار.
ففي إيطاليا، تركزت التحركات الاجتماعية خلال شهر أكتوبر حول مطالب تتعلق بالأجور والصحة والتعليم والسكن وفرص العمل، بينما اتجهت الاحتجاجات في إسبانيا والبرتغال إلى أزمة السكن، حيث أصبح ارتفاع الإيجارات عائقاً أمام الاستقلال الاقتصادي لفئات واسعة، ولا سيما الشباب. وتتجاوز دلالة هذه التحركات المطالب القطاعية. فهي تطرح سؤالاً حول طبيعة العقد الاجتماعي: هل ما زالت الدولة قادرة على ضمان الخدمات الأساسية بوصفها حقوقاً للمواطنين، أم أن الوصول إلى بعضها أصبح مرتبطاً بالضرورة بقدرة الأفراد على الدفع؟ فعندما يصبح العلاج الجيد امتيازاً لمن يستطيع تحمله، والتعليم الجيد فرصة تتحدد بحسب الإمكانات المالية للأسرة، والسكن عبئاً يستهلك القسم الأكبر من دخل العامل، فإن اللامساواة تتحول إلى معانات يومية تضعف شعور المواطنين بالانتماء إلى مشروع اجتماعي مشترك.
ومن هنا، وجب التمييز بين أزمة الدولة الاجتماعية وأزمة الدولة كمل، فارتفاع الأسعار أو ضعف خدمة عمومية لا يعنيان انهيار المؤسسات، الا ان استمرار الاختلالات الاجتماعية يضعف الثقة في قدرة الدولة على حماية المواطنين. فالمشكلة تبدأ حين يشعر المواطن بأن الدولة تطالبه بالتحمل والتكيف مع الأزمات، في الوقت الذي لا يرى اي حلول واقعية لمشاكله اليومية…
رابعاً: الفساد والزبونية وانسداد الأفق السياسي، انه إذا كان العامل الاقتصادي يفسر جانباً من غضب المحتجين، فإن العامل السياسي يفسر جوانب جانباً آخرى…
فليس الفقر وحده ما يدفع الناس إلى الاحتجاج، كما أن المجتمعات لا تنتفض بالضرورة عندما تكون أوضاعها الاقتصادية في أسوأ مستوياتها. فقد يتعايش المواطن مع ظروف صعبة عندما يلاحظ أن التضحيات موزعة بشكل عادل، وأن المؤسسات تستجيب لمطالبه، وأن هناك أفقاً واقعياً للتغيير. الا ان الإحساس بالظلم يتفاقم عندما يرى المواطن أن الفرص لا تتوزع وفق الكفاءة، أو أن العلاقات والنفوذ يفتحان أبواباً مغلقة أمام الآخرين، أو أن المسؤولية السياسية لا تقترن بالمحاسبة.
ففي ألبانيا مثلا، برزت اتهامات بالفساد وضعف فرص العمل والتعليم ضمن دوافع الاحتجاجات التي شهدتها البلاد في تشرين الاول / أكتوبر.
وفي آسيا، تناولت تقارير احتجاجات الشباب في إندونيسيا ضد غلاء المعيشة والفساد والحريات المدنية والأضرار البيئية. فهذه الحالات ليست متطابقة في أسبابها أو في طبيعة أنظمتها السياسية، لكن المقارنة بينها تتيح استخلاص ملاحظة أساسية وهي أنه: حين تتزامن الصعوبات الاقتصادية مع الاعتقاد بأن المؤسسات لا تستجيب بشكل منصف، فان الغضب الاجتماعي يتحول إلى احتجاج سياسي وحقوقي.
ومن هنا تكتسب المحاسبة والشفافية أهمية تتجاوز الجانب الإداري. فهما جزء من فلسفة العلاقة بين المواطن والدولة، ومن قدرة المؤسسات على إقناع المجتمع بأن القرارات العامة تخضع للمصلحة العامة، لا للمصالح الضيقة.
ولا ينبغي، في المقابل، التعامل مع كل اتهام بالفساد باعتباره حقيقة ثابتة؛ إذ يتطلب النقد التمييز بين الوقائع الموثقة، والاتهامات التي يهتف بها المحتجون، والتفسيرات التي تقدمها الحكومات.
غير انه عندما تكون بعض الادعاءات مؤكدة، فإن انتشار الشعور بانعدام الإنصاف يتحول الى مؤشر سياسي يتطلب التدخل والمعالجة.
أما الأحزاب، فانها فتواجه تحدياً إضافياً عندما يفقد المواطنون الثقة في قدرتها على تحويل مطالبهم إلى سياسات عامة. ففي هذه الحالة، قد تبدو الانتخابات، بالنسبة إلى بعض الفئات، عاجزة عن إحداث التغيير الذي تنتظره، فيتحول الشارع إلى مساحة بديلة للمطالبة به.
الا أن الاحتجاج لا يلغي أهمية المؤسسات، كما أن ضعف الثقة في الأحزاب لا يعني أن جميع المواطنين يرفضون العمل السياسي. فالمطلوب هو فهم الأسباب التي تجعل بعضهم يبحث عن وسائل أخرى للتعبير، ومن ثم العمل على إعادة بناء الصلة بين المشاركة الشعبية وصناعة القرار.
خامساً: هل نحن أمام حركة احتجاج عالمية واحدة؟
ان التزامن بين الاحتجاجات في عدة بلدان لا يعني أنها جزء من حركة عالمية موحدة، وأن لها قيادة مشتركة أو برنامجاً سياسياً موحدا. ففي أوروبا، برزت قضايا المعيشة والسكن والتعليم والخدمات العمومية، إلى جانب ملفات سياسية أخرى. وفي آسيا، تداخلت في بعض التحركات قضايا الفساد والحريات والبيئة. أما في أميركا اللاتينية، فقد شهدت كولومبيا يوم 14 أكتوبر تحركات شاركت فيها نقابات عمالية وطلاب ومجموعات من السكان الأصليين ومنظمات اجتماعية، وتركزت مطالبها خول حقوق العمل والتعليم والسياسات الاجتماعية.
وفي بلدان أخرى من القارة، اتخذت الاحتجاجات أشكالاً مختلفة، من بينها التظاهرات المتضامنة مع فلسطين، حيث شهدت مشاركة جماعات طلابية ونقابية ومدنية ايضا.
إذن، لا يمكن جمع كل هذه التحركات في تفسير واحد. فهناك اختلافات في بنية الاقتصادات، وطبيعة الأنظمة السياسية، ومستوى الحريات، وأدوار النقابات والأحزاب، وقدرة المؤسسات على احتواء المطالب. الا ان التشابه بين بعض المطالب يتيح الحديث عن مناخ احتجاجي عالمي… ويتعلق الأمر بمناخ تتقاطع فيه ثلاثة عوامل: الضغوط الاقتصادية، وتراجع الثقة السياسية لدى بعض الفئات، واتساع القدرة على تداول المعلومات وتنظيم التحركات خارج المؤسسات التقليدية.
ان هذه العوامل قد تتفاعل، لكنها لا تؤدي الى نفس النتيجة. فقد تقود إلى إصلاحات تفاوضية، أو إلى موجات احتجاج متقطعة، أو إلى مواجهات مع السلطات، أو إلى تغيرات سياسية. الا ان المسار يتوقف على طبيعة المطالب، وقوة التنظيم، واستجابة المؤسسات، والظروف المحلية.
إن المقارنة الجادة لا تبحث عن تطابق مصطنع بين التجارب، بل عن الأسباب المشتركة والاختلافات التي تفسر لماذا تتخذ الأزمات الاجتماعية أشكالاً سياسية متباينة.
سادساً: من أوروبا إلى آسيا وأفريقيا وأميركا اللاتينية… ما دور وسائل التواصل الاجتماعي؟ فلم تعد وسائل التواصل الاجتماعي مجرد أدوات لنقل أخبار الاحتجاجات؛ لقد أصبحت جزءاً من البيئة التي تتشكل داخلها التعبئة الاجتماعية، وتتداول عبرها المطالب والصور والشعارات والتجارب. فما كان يحتاج، في السابق، إلى تنظيم نقابي أو حزبي واسع، تحول اليوم الى منشور ينتشر بسرعة، أو مقطع مصور يكشف اختلالاً، أو دعوة إلى التظاهر يتبناها آلاف المستخدمين وتصل الى العالم خلال ساعات. وتكمن أهمية هذه الوسائط في قدرتها على ربط تجارب قد تبدو فردية ومتفرقة، لكنها تتحول في لحظة إلى إحساس جماعي بأن المشكلة ليست شخصية، بل تتعلق بكل المجتمع ومؤسساته. فالشاب الذي يعجز عن الحصول على وظيفة، والطالبة التي تواجه صعوبات في التعليم، والأسرة التي يستنزف الإيجار دخلها، والعامل الذي لا يكفيه أجره لتغطية احتياجاته، يكتشفون، من خلال هذه الشبكات، أنهم يواجهون مشكلات متشابهة، وإن اختلفت بلدانهم وظروف معيشتهم. فوسائل التواصل تستطيع تسريع التعبئة… الا أن انتشار مقطع مصور أو وسم إلكتروني لا يعني بالضرورة وجود حركة اجتماعية منظمة أو توافق على برنامج سياسي مشترك.
وفي هذا السياق، تكشف التجارب الشبابية عن مفارقة بالغة الاهمية: فقد تستطيع الشبكات الرقمية حشد أعداد كبيرة، لكنها لا تضمن بناء قيادة تمثيلية، أو صياغة مطالب قابلة للتفاوض، أو المحافظة على التنظيم بعد انتهاء التظاهرات. فالقدرة على الحشد ليست هي القدرة على التغيير، والانتشار الرقمي ليس بديلاً عن التنظيم الاجتماعي والسياسي.
ومن هنا، فإن السؤال الذي يشغل الحكومات والأحزاب والنقابات ليس كيف تمنع انتشار الرسائل الاحتجاجية، بل كيف تستوعب الظروف التي تجعل لها صدى لدى قطاعات واسعة من المجتمع.
سابعاً: حين تواجه السلطة الاحتجاج بالتشدد الأمني،
ان من أكثر الأسئلة حساسية في لحظات الاحتجاج: كيف تتعامل الدولة مع الشارع حين تتحول المطالب الاجتماعية إلى مواجهات سياسية؟
فلقد أظهرت التطورات الأوروبية خلال شهر أكتوبر حدة التوتر القائم بين حماية الحق في التظاهر والمحافظة على الأمن العام. ففي فرنسا، اتسعت الاحتجاجات من مطالب طلابية إلى تحركات اجتماعية أوسع، وشهدت بعض المدن مواجهات وأعمال تخريب ونهب. وفي إيطاليا، دفعت أعمال العنف الحكومة إلى الإعلان عن تدابير أمنية وقانونية جديدة.
ففي مثل هذه الحالات، يقتضي النقد التمييز بين ثلاثة مستويات اساسية، كثيراً ما تختلط في النقاش العام.
أولها، الحق في الاحتجاج السلمي بوصفه شكلاً من أشكال المشاركة المدنية والسياسية.
وثانيها، أعمال العنف والتخريب التي ينبغي التعامل معها وفق القوانين.
وثالثها، مسؤولية الدولة في ضرورة معالجة الأسباب التي دفعت المواطنين إلى الشارع، وهي مسؤولية لا يمكن اختزالها في التدبير الأمني فقط.
لذلك، فإن مواجهة أعمال العنف لا تعني أن المطالب الاجتماعية فقدت مشروعيتها، مثلما أن مشروعية الاحتجاج لا تبرر الاعتداء على الأشخاص أو الممتلكات.
الا ان الإشكال يبدأ عندما تصبح المقاربة الأمنية هي الخيار الأساسي لمواجهة أزمة ذات جذور اقتصادية واجتماعية وسياسية. فقد تتمكن السلطات من تفريق تجمع و إعادة الهدوء، دون أن تتقدم في معالجة حقيقية لأزمة السكن أو البطالة أو تراجع جودة الخدمات العمومية. ان هناك فرق بين استعادة الهدوء واستعادة الثقة. فالأولى قد تتحقق بتدابير أمنية سريعة، أما الثانية فتحتاج إلى إصلاحات ملموسة، وحوار جدي، ومؤسسات قادرة على الإنصات، وضمانات قانونية تحمي الحقوق والحريات. بالإضافةإلى ذلك، فإن توظيف الاحتجاجات في الصراعات السياسية أو تحميل فئات اجتماعية بعينها مسؤولية الاضطراب، دون أدلة كافية، قد يصرف الانتباه عن الأسباب الفعلية للأزمة. والأخطر من ذلك، أن تتحول كل حركة احتجاجية إلى اختبار للقوة بين الدولة والمجتمع، عوض أن تتحول الى مناسبة لمراجعة السياسات التي أنتجت الغضب والاحتجاج.
ثامناً: أفريقيا وأميركا اللاتينية… حين تتداخل المطالب الاجتماعية مع سؤال العدالة، انه لا يمكن التعامل مع الاحتجاجات خارج أوروبا باعتبارها مجرد امتداد لما يحدث في العواصم الأوروبية. فلكل منطقة تاريخها الاجتماعي والسياسي، لكن بعض التحديات المتشابهة يسمح بإجراء مقارنات مفيدة.
ففي أفريقيا، تكتسب قضايا التشغيل والتعليم والخدمات الأساسية والفساد أهمية خاصة في المجتمعات التي تواجه فيها قطاعات من الشباب صعوبات في تحقي الاستقلال الاقتصادي والاجتماعي. ولا يكفي تفسير هذه الصعوبات بنقص الموارد فقط؛ بل بكيفية تدبير الموارد العامة، وفعالية المؤسسات، ومدى تكافؤ الفرص، وقدرة السياسات العمومية على الوصول إلى الفئات والمناطق الهشة.
وفي أميركا اللاتينية، تتداخل المطالب الاجتماعية مع قضايا الشغل والتعليم والحماية الاجتماعية والحقوق السياسية، كما تُظهر التحركات الكولومبية خلال شهر أكتوبر. وفي بعض البلدان، تحضر أيضاً قضايا البيئة وحقوق السكان الأصليين والتوجهات الخارجية للحكومات. غير ان هذه المقارنة لا تعني أن هذه المجتمعات تسير بالضرورة نحو نفس النتيجة.
فالتفاوت في قوة النقابات، وطبيعة التنظيمات الشبابية، ومستوى استقلال المؤسسات، والقدرة على التفاوض، كلها عوامل تؤثر في مسار الاحتجاج ومآلاته. كما أن الغضب الاجتماعي لا يحمل في ذاته اتجاهاً سياسياً واحداً. فقد يدفع إلى المطالبة بتوسيع الخدمات العمومية، أو إلى محاربة الفساد، أو إلى تغيير الحكومة، أو إلى الدفاع عن الحريات، وقد تستثمره تيارات سياسية متنافسة في اتجاهات اخرى مختلفة.
ومن ثم، فإن السؤال ليس فقط، ما الذي يجمع المحتجين، بل أيضاً ما الذي يفرق بينهم، ومن يستطيع تحويل مطالبهم إلى مشروع قابل للتنفيذ. فقد تنجح الاحتجاجات في فرض موضوع معين على جدول الأعمال السياسي، لكنها قد تنتهي أيضاً من دون تحقيق مطالبها خاصة إذا غابت التنظيمات القادرة على التفاوض والمتابعة والمحاسبة.
تاسعاً: المغرب في مرآة الاحتجاجات الدولية، بالنسبة إلى المغرب، لا ينبغي أن تكون قراءة احتجاجات أكتوبر مجرد متابعة لما يجري في الخارج، بل فرصة للتفكير في التحديات الداخلية التي قد تجعل بعض المطالب الاجتماعية تجد صدى محلياً.
فالمقارنة بين المغرب وأوروبا أو آسيا أو أميركا اللاتينية لا تعني تطابق الأوضاع أو الأسباب، ولا تسمح بالقول إن الاحتجاجات ستتكرر بالضرورة بالشكل نفسه. لكنها تتيح طرح أسئلة مشتركة حول العلاقة بين الشباب والتعليم والعمل، وبين النمو الاقتصادي وتوزيع ثماره، وبين المشاركة السياسية والثقة في المؤسسات.
وتزداد أهمية هذه الأسئلة عندما يتعلق الأمر بتوقعات الشباب من التعليم والتشغيل والخدمات الصحية والسكن، وبمدى شعورهم بأن المؤسسات تستمع إلى مطالبهم وتترجمها إلى قرارات.
وبناء على ذلك، ينبغي تجنب خطأين متعاكسين:
الأول، هو اعتبار كل احتجاج خارجي مقدمة حتمية لاحتجاج داخلي، وكأن المجتمعات تتحرك وفق تقويم سياسي واحد.
الثاني، فهو الاعتقاد بأن اختلاف السياقات الوطنية يجعل التجارب الدولية غير ذات صلة، وأن ما يحدث في الخارج لا يحمل أي دلالة على التحديات التي تواجه السياسات العمومية في المغرب. والصحيح أن التجارب الدولية توفر أدوات للفهم والمقارنة، وليس وصفات جاهزة للتنبؤ.
إن السؤال الذي ينبغي أن يطرحه المغرب ليس: هل ستصل الاحتجاجات الدولية إلينا؟ بل: ما الذي يمكن أن نتعلمه من الأسباب التي أخرجت الناس إلى الشوارع في بلدان مختلفة؟
فأول الدروس يتعلق بالسياسة الاجتماعية. فنجاح البرامج العمومية لا يقاس فقط بحجم الاعتمادات المالية أو عدد المشاريع المعلنة، بل بمدى قدرتها على تحسين حياة المواطنين وتقليص الفوارق وضمان الولوج الفعلي إلى الخدمات.
والدرس الثاني يتعلق بالجامعة والمدرسة. فلا يمكن مطالبة الشباب بالاستثمار في مستقبلهم من دون توفير تعليم جيد، وتكوين يستجيب للتحولات الاقتصادية، ومسارات واضحة للانتقال إلى سوق العمل.
أما الدرس الثالث فيرتبط بالحكامة والمحاسبة. فكلما اتضحت معايير توزيع الموارد، وتعززت الشفافية، وأصبح تقييم السياسات العمومية قائماً على النتائج، أمكن تقليص المسافة بين الخطاب الرسمي والتجربة اليومية للمواطن.
والدرس الرابع سياسي بامتياز: فلا تستطيع المؤسسات التمثيلية أن تستعيد ثقة المجتمع بمجرد الدعوة إلى المشاركة، بل تحتاج إلى إثبات أن المشاركة تحدث فرقاً، وأن المطالب التي يرفعها المواطنون تجد طريقها إلى النقاش والقرار والتنفيذ.
وأخيراً، فإن التعامل مع الشباب باعتبارهم فاعلين في الحاضر، لا مجرد رهان للمستقبل، يقتضي فتح قنوات حقيقية للحوار والمشاركة، واحترام حقهم في التعبير السلمي، وتجنب اختزال مطالبهم في الانفعال أو التأثر بوسائل التواصل الاجتماعي. فالشباب ليسوا مشكلة ينبغي تدبيرها أمنياً، بل جزء من المجتمع يفترض ان تستجيب السياسات العمومية لانتظاراته.
عاشراً: هل نحن أمام بداية دورة جديدة من الاحتجاجات العالمية؟ انه من المبكر الجزم بأن احتجاجات أكتوبر ستؤسس لدورة عالمية متواصلة أو ستفضي إلى تحولات سياسية كبرى. فالتزامن الجغرافي لا يكفي لإثبات وجود موجة موحدة، كما أن كثافة التغطية الإعلامية لا تعني أن جميع البلدان تشهد المستوى نفسه من التعبئة. لكن ما تكشفه الاحتجاجات في عدد من البلدان هو أن قضايا المعيشة والتعليم والسكن والعمل والفساد والثقة السياسية ما تزال قادرة على إخراج قطاعات من المواطنين إلى الشوارع.
وقد تتراجع بعض التحركات بعد أسابيع، فيما تستمر أخرى أو تعود بأشكال جديدة. وقد تنجح الحكومات في احتواء المطالب من خلال التفاوض والإصلاح، أو تختار تشديد الإجراءات الأمنية، أو تواجه صعوبة في الاستجابة بسبب القيود المالية والسياسية والمؤسسية.
ولا يمكن تحديد النتيجة مسبقاً؛ إذ تعتمد على طبيعة كل أزمة، ومدى تنظيم المحتجين، وقدرة المؤسسات على التكيف، ووجود قنوات فعالة للحوار والمحاسبة.
ومع ذلك، فإن الاستنتاج الأهم لا يتوقف على مصير تظاهرة بعينها.
إن المجتمعات لا تحتاج إلى أن تتبنى مطالب متطابقة حتى تكشف عن مشكلات متشابهة. وقد تختلف الشعارات والأنظمة السياسية ومستويات التنمية، بينما يتكرر السؤال نفسه: هل يشعر المواطن بأن له مكاناً في النظام الاقتصادي والاجتماعي والسياسي الذي يعيش داخله؟ فعندما تكون الإجابة إيجابية، تصبح الأزمات قابلة للنقاش والتفاوض، حتى إن كانت كلفتها الاجتماعية مرتفعة. أما عندما تتراجع الثقة في إمكان التغيير، فقد يتحول الاحتقان المتراكم إلى احتجاج أكثر حدة وصعوبة في الاحتواء.
ولهذا، لا ينبغي أن تنشغل الحكومات فقط بعدد المتظاهرين، أو حجم التجمعات، أو مدى انتشار مقاطع الاحتجاج على الإنترنت. بل الأهم هو فهم ما تقوله هذه التحركات عن طبيعة العلاقة بين الدولة والمجتمع، وعن قدرة المؤسسات على تجديد شرعيتها العملية من خلال الاستجابة والمحاسبة والإنصاف.
في الختام، الشارع لا يختصر الأزمة، بل يكشف ما عجزت المؤسسات عن احتوائه، من أوروبا إلى آسيا وأفريقيا وأميركا اللاتينية، لا توجد حكاية واحدة تفسر جميع احتجاجات أكتوبر 2026. فهناك أزمات اقتصادية واجتماعية، ومطالب تعليمية ومهنية، واعتراضات على الفساد، ودفاع عن الحريات، وتحركات تضامنية ذات أبعاد دولية. وتختلف السياقات والأسباب والنتائج من بلد إلى آخر. لكن هذه التعددية لا تلغي وجود أسئلة مشتركة حول العدالة الاجتماعية، وتوزيع الفرص، وجودة الخدمات العمومية، والثقة في المؤسسات.
والخطأ هو أن ننظر إلى الشارع باعتباره مجرد مصدر للاضطراب، أو أن نعتبر كل احتجاج دليلاً على قرب انهيار النظام السياسي. فالاحتجاج قد يكون تعبيراً عن أزمة، وقد يكون أيضاً وسيلة سلمية لإظهارها والمطالبة بمعالجتها. كما أن تجاهل المطالب لا يؤدي بالضرورة إلى اختفائها؛ فقد تتراجع الحركة في لحظة معينة، بينما تبقى الأسباب التي أطلقتها قائمة.
إن التحدي الحقيقي أمام الحكومات ليس استعادة النظام في الشوارع فحسب، بل بناء شروط اجتماعية وسياسية تجعل المواطنين يثقون في قدرتهم على تغيير واقعهم عبر المؤسسات.
وفي المقابل، لا يكفي الاحتجاج وحده لصناعة البديل. فالتغيير المستدام يحتاج إلى تنظيم، وبرامج واضحة، وآليات للمحاسبة، وقدرة على تحويل المطالب إلى سياسات قابلة للتنفيذ. فحين يخرج الناس إلى الشوارع، لا يكون السؤال دائماً: ماذا يريد المحتجون؟ بل ينبغي أن نسأل أيضاً: ماذا تقول احتجاجاتهم عن المجتمع، وعن الدولة، وعن حدود السياسات التي أوصلت العلاقة بينهما إلى هذه اللحظة؟ فذلك هو الدرس الأعمق لأكتوبر 2026، فقد تتعدد شوارع العالم وتختلف شعاراتها، لكن اختبار السياسة يظل واحداً في جوهره؛ وهي قدرتها على تحويل المطالب الاجتماعية إلى حقوق ملموسة، والوعود إلى نتائج، والثقة المتراجعة إلى علاقة جديدة بين المواطن والمؤسسات.
مقال خاص لصحيفة قريش – لندن


















































