فاروق الدباغ
لم يكن مصطفى سند يحتاج إلى أكثر من أن يقلب قنينة الماء التي كانت أمامه ويقرأ بلد المنشأ.
لكنه، وهو وزير الاتصالات العراقي، رفعها أمام الحضور باعتبارها شاهدًا على الإنجاز. قال إن العراق كان يستورد حتى مياه الشرب من السعودية، أما اليوم فأصبح يصنعها بأيديه.
جاءه التنبيه من جواره: القنينة التي بيدك سعودية.
المشهد مضحك للوهلة الأولى. لكنه بالنسبة لي لم يكن مجرد زلة لسان أو موقف محرج أمام الكاميرا.
المشكلة أكبر من قنينة ماء.
لأن الرجل لم يكن يتحدث في سوق شعبي، بل في منتدى يناقش حوكمة الإنترنت، وفي وقت تتحدث فيه الدول عن الأمن السيبراني والبيانات والذكاء الاصطناعي والسيادة الرقمية.
وهنا يصبح السؤال مشروعًا: ما الذي نعتبره نحن إنجازًا؟
بعدها بأيام قليلة جاء خبر من السويد.
وزير الدفاع المدني كارل أوسكار بوهلين يطلب من المؤسسات التحرك فورًا بسبب ثغرتين خطيرتين في PHP، وهي لغة برمجية تعمل خلف عدد هائل من المواقع والخدمات الإلكترونية.
الثغرتان حصلتا على تقييم خطورة 9.2 من 10. والخطر لا يتعلق بتعطيل صفحة أو تشويه موقع. في بعض الأنظمة المتأثرة يمكن للمهاجم أن ينفذ أوامر برمجية عن بعد من دون أن يسجل الدخول أصلًا.
أي أنه قد يصل إلى الخادم من الخارج.
وعندها لا تعود المسألة موقعًا إلكترونيًا فقط، بل بيانات وملفات وقواعد معلومات وخدمات كاملة قد تصبح في دائرة الخطر.
ماذا فعلت السويد؟
لم يخرج الوزير ليقول إن بلاده رائدة في التكنولوجيا.
ولم يرفع جهازًا سويديًا أمام الكاميرا.
صدر التحذير، حُدد مستوى الخطر، طُلب تحديث الأنظمة فورًا، والبحث عن آثار اختراق، وعزل الأنظمة المعرضة للإنترنت إذا تعذر إصلاحها بسرعة.
هذا كل شيء.
لكن هذا هو معنى الدولة الرقمية.
أن تكون لديك منظومة تعرف أين يمكن أن تدخل الضربة، ومن يكتشفها، ومن يحذر منها، ومن يتحرك بعدها.
وهنا عدت إلى قنينة مصطفى سند.
ليس لأنني أريد أن أقول إن السويد تفعل كل شيء صحيحًا والعراق يفعل كل شيء خطأ. هذه مقارنة سطحية.
ما يعنيني هو الفرق في معيار الإنجاز.
في السويد ثغرة داخل لغة برمجية تحرك مؤسسات الدولة.
وفي العراق، في منتدى يناقش الإنترنت، نرفع قنينة ماء لإثبات نجاح الصناعة الوطنية، ثم نكتشف أن القنينة نفسها مستوردة.
وفي الوقت نفسه يدور في العراق نقاش عن إنشاء وزارة للذكاء الاصطناعي.
وهنا تبدأ المفارقة الثانية.
الذكاء الاصطناعي لا يحتاج أولًا إلى وزارة.
يحتاج إلى بيانات.
يحتاج إلى أن تعرف الدولة ماذا لديها من معلومات، وأين توجد، وهل تستطيع الوزارات تبادلها، وهل أنظمتها تتحدث مع بعضها، ومن يحمي هذه البيانات، وهل البنية الرقمية أصلًا قادرة على حمل مشروع بهذا الحجم.
ثم يأتي الذكاء الاصطناعي.
أما أن نبدأ باسم الوزارة، فهذه مشكلة عراقية قديمة: نبني السقف ثم نسأل أين الأعمدة.
العراق ليس خاليًا من المؤسسات أو البيانات. لديه أجهزة إحصائية، وأجرى تعدادًا سكانيًا، ولديه مشاريع للتحول الرقمي وكفاءات بشرية جيدة.
لكن وجود معلومات موزعة بين عشرات المؤسسات شيء، ووجود منظومة وطنية مترابطة تحول هذه المعلومات إلى قرار شيء آخر تمامًا.
حتى التقييم الرسمي لجاهزية مؤسسات الدولة للذكاء الاصطناعي أظهر أن 19 مؤسسة فقط من أصل 64 لديها خطط واضحة لرفع جاهزيتها في هذا المجال.
أقل من الثلث.
ومع ذلك نتحدث عن وزارة.
والسؤال هنا ليس ضد الذكاء الاصطناعي، بل بالعكس.
إذا أردناه فعلًا، فعلينا أن نتوقف عن التعامل معه كعنوان سياسي جديد.
الذكاء الاصطناعي بلا بيانات منظمة ليس ذكاءً.
وبلا بنية رقمية متماسكة يصبح مجرد كلمة جميلة في مؤتمر.
وبلا أمن سيبراني قد يتحول من أداة للتقدم إلى باب جديد للخطر.
ولهذا أثار خبر PHP اهتمامي.
لأنه يكشف الفرق بين دولة تتحدث عن التكنولوجيا، ودولة تعمل داخل التكنولوجيا.
في الأولى لا ينتظر المسؤول حتى يقع الهجوم ثم يسأل ماذا حدث. هناك من يراقب، ومن يكتشف، ومن يقيم الخطر، ومن يحذر، ومن يعرف ماذا يجب أن يفعل.
هذه ليست رفاهية سويدية.
هذه أبجديات الدولة الحديثة.
أما عندنا، فما زلنا أحيانًا نبحث عن الإنجاز أمام الكاميرا.
مرة في مؤتمر.
ومرة في لافتة.
ومرة في وزارة جديدة.
ومرة في قنينة ماء.
المشكلة ليست أن القنينة كانت سعودية.
المشكلة أن الإنجاز نفسه لم يحتمل قراءة الملصق.
وبين دولة تبحث عن ثغرة في خادم، ودولة تبحث عن إنجاز في قنينة ماء، نفهم لماذا لا يبدأ الذكاء الاصطناعي من اسم الوزارة.
بل من الدولة نفسها.



















































