تحليل لجيوبوليتيك اتفاقية “الحبر على الورق” بين واشنطن وبغداد

14 سبتمبر 2026
تحليل لجيوبوليتيك اتفاقية “الحبر على الورق” بين واشنطن وبغداد

تفكيك للفيتو القسري الولائي على الاقتصاد العراقي؟


صباح البغدادي

في قلب المشهد السياسي العراقي المأزوم ، تتبخر الوعود الدبلوماسية والشعارات الرنانة بالتنمية الاقتصادية لتكشف عن “دولة” تُدار برؤوس متعددة وولاءات عابرة للحدود. فلم تكن تفاصيل زيارة رئيس الوزراء السيد “الزيدي”، إلى أنقرة (1) مجرد جولة بروتوكولية، بل تحولت إلى مجزرة سيادية وصدمة علنية أمام عدسات الصحافة والإعلام الدولي؛ حينما تجرأ أحد وزراء الكابينة العراقية على إشهار “الفيتو” والرفض القاطع للتوقيع على اتفاقية حيوية مع الجانب التركي، بحجة تعارضها مع “مصالح اقتصادية” مريبة، ليترك رئيس حكومته في موقف محرج أمام الرئيس التركي السيد ” أردوغان” هذا التمرد الوزاري الفاضح خلف الكواليس وأمام الكاميرات، لم يكن مجرد اختلاف في وجهات النظر، بل كان إعلاناً صريحاً عن انهيار الهرم الإداري وتشظي القرار السيادي العراقي لصالح أجندات داخلية وإقليمية تتحكم بمفاصل الثروة الاقتصادية وتنميتها . والأشد مرارة من الإخفاق ذاته، كانت تلك التبريرات الهزلية والمسرحيات السمجة التي ساقها الماكنة الإعلامية الحكومية للتغطية على الكارثة؛ تبريرات صبيانية لم تعد تنطلي حتى على الأطفال، ناهيك عن رجل الشارع العراقي الذي صقلته الأزمات، وأصبح خبيراً متمرساً في تفكيك ألاعيب الخداع والالتفاف الجيوسياسي التي مُورست عليه طوال أكثر من عقدين من الزمان وما تزال لغاية هذه اللحظة.

لقد مثلت زيارة رئيس الوزراء “الزيدي” إلى واشنطن في منتصف شهر تموز 2026، منعطفاً استثنائياً في مسار العلاقات ” العراقية – الأمريكية ” والتي أسفرت هذه الزيارة عن توقيع حزمة ضخمة شملت 48 اتفاقية ومذكرة تفاهم وإعلان شراكة استراتيجية طويلة الامد ، بقيمة إجمالية تقديرية ناهزت 60 مليار دولار أمريكي. شملت هذه الحزمة قطاعات إستراتيجية بالغة الحساسية، بدءاً من النفط والغاز والكهرباء مع كبريات الشركات العالمية  مثل ( إكسون موبيل، شيفرون، وجي إي فيرنوفا )، مروراً بالتكنولوجيا والاتصالات عبر منح رخصة الإنترنت الفضائي لشركة “ستارلنك”، وصولاً إلى القطاع المالي والمصرفي من خلال الاتفاق مع بنك “جي بي مورغان” على افتتاح فرع له داخل العراق لتمويل المشروعات التنموية والاقتصادية , ومع ذلك، فإن هذه الاندفاعة ” الجيواقتصادية ” نحو الغرب تواجه، بعد مرور أشهر على الزيارة ، واقعاً داخلياً متأزماً يفرغه من محتواه الإستراتيجي. فالمنظومة السياسية العراقية ما تزال عاجزة عن استكمال كابينتها الوزارية، حيث تظل 9 حقائب وزارية شاغرة وتُدار بالوكالة بسبب صراعات المحاصصة الشرسة بين أحزاب السلطة وقيادات الفصائل الولائية . وتثور في الكواليس السياسية لمجلس النواب إشكالية بنيوية نادراً ما يتم الإفصاح عنها علناً: ” إن الاندفاعة الاستثمارية نحو واشنطن تظل مجرد “حبر على ورق” في أدراج المكاتب والوزارات، بينما تتحرك الاتفاقيات والتبادلات التجارية الموقعة مع الجانب الإيراني بسرعة فائقة لا تتعدى الساعات، لتصبح ملزمة ونافذة في كافة الوزارات والمؤسسات والهيئات الحكومية، ولولا كوابح العقوبات الأمريكية التي تعرقل سلاسة تحويل الأموال.
تطرح هذه الدراسة علامة استفهام مركزية مفادها :”  كيف يفسر علم الاقتصاد السياسي الدولي وعلم الاجتماع السياسي هذا التفاوت البنيوي الحاد في تنفيذ الاتفاقيات الخارجية للعراق؟ وكيف يعمل ( الفيتو الولائي ) خلف الستار لتعطيل المنظومة الاقتصادية ومنع تحديثها طالما أنها لا تخدم التوجهات الإقليمية السياسية والاقتصادية للجارة إيران ؟ “.
1. الإطار النظري: الاقتصاد السياسي للدول الريعية الهشة وضغوط الجوار الجغرافي :
تستند هذه الدراسة إلى مقتربات النظرية الواقعية النيوجديدة ونظرية التبعية الاقتصادية لتفكيك المشهد العراقي ومعضلة السيادة المجتزأة , لان في الدول الهشة والريعية مثل العراق، لا تحتكر الحكومة الرسمية وسائل العنف الشرعي ولا تمتلك السيطرة المطلقة على القرار الاقتصادي. بل تتقاسم السلطة فواعل من غير الدول تمتلك أجنحة عسكرية (فصائل) وأجنحة سياسية (كتل برلمانية) وبيروقراطية (درجات خاصة داخل الوزارات) وعلى سبيل المثال وليس الحصر ما يندرج حاليآ في سوق الاستثمار ما بين شروط رأس المال ومقتضيات الجغرافيا حيث من المعلوم أنه يخضع رأس المال العالمي لمنطق حساب المخاطر والأرباح وضمانات البيئة القانونية والأمنية، بينما يخضع اقتصاد دول الجوار لمنطق البقاء، والالتفاف على العقوبات، وتأمين المنافذ الحيوية، مما يجعل آليات الحركة والإنفاذ مختلفة بنيوياً بين المحورين الغربي والإقليمي , ومن هذا المنطلق فاذا اردنا تشريح اتفاقيات واشنطن (تموز  2026) والطموح الإستراتيجي العراقي المفقود والتي اصبحت هذه الاتفاقية مجرد حبرا على ورق ومحفوظة في “أدراج المكاتب” فإنها سوف تنتج على ما يلي من نقاط ومحاور مهمة ما تزال مهملة مع سبق الاصرار والتعمد والحجة هي عدم اكتمال الكابينة الوزارية ومنها :  

أ. البنية البنيوية للاتفاقيات الـ 48 : حيث تتوزع الاتفاقيات الموقعة في واشنطن على أربعة محاور أساسية :
(*) محور الطاقة والنفط والغاز: مذكرات تفاهم لاستثمار الغاز المصاحب وتحديث الموانئ النفطية ومحطات إنتاج الطاقة الكهربائية بالتعاون مع شركات أمريكية وعالمية عملاقة، بهدف تحقيق الاكتفاء الذاتي العراقي.
(*) محور التحول الرقمي والاتصالات: منح رخصة شركة “ستارلنك” للإنترنت الفضائي، وهو مشروع يمتلك أبعاداً أمنية واقتصادية تكسر الاحتكار المحلي لشركات الاتصالات التقليدية.
(*) محور الهيكلة المالية: الاتفاق مع “جي بي مورغان” لإنشاء نظام مالي ومصرفي عراقي قادر على الاندماج في المنظومة العالمية والامتثال لمعايير مكافحة غسيل الأموال.
(*) محور التنمية المستدامة والتعليم: شراكات لتطوير الإنتاج الزراعي والصناعات الدوائية وإيفاد الكوادر التعليمية.
ب. آليات التعطيل البيروقراطي (لماذا بقيت حبراً على ورق؟) من الناحية الأكاديمية، يعود تعثر هذه الاتفاقيات إلى عوامل بنيوية متعمدة:
(*) الطبيعة القانونية للمذكرات: إن المعضلة الأساسية تكمن في أن غالبية هذه الاتفاقيات وعقود تنفيذية يتطلب مساراً إدارياً طويلاً يبدأ من إعداد جداول الكميات، مروراً بالتعاقدات القانونية، وصولاً إلى رصد الموازنات المالية وتوفير الضمانات السيادية.
(*) الفيتو البيروقراطي داخل الوزارات والمؤسسات والهيئات ذات العلاقة بتنفيذ بنود هذه الاتفاقية ووضعها في مسارها الصحيح ؟ حيث  تمتلك القوى السياسية الحاكمة والمناهضة للانفتاح على الخيارات الغربية نفوذاً واسعاً في درجات الإدارة الوسطى (المدراء العامون، المستشارون القانونيون، لجان العقود) في الوزارات والهيئات ذات العلاقة ويتم استخدام “الروتين القاتل لأي تنمية” واللوائح البيروقراطية القديمة بشكل متعمد لتعطيل المضي قدماً في التدقيق الفني والقانوني لهذه الاتفاقيات وتسريعها قدر الامكان حتى ولو لم تتوفر الظروف المناسبة لها ما دامت تخدم تنمية الاقتصادية والبشرية للمواطن ، مما يؤدي إلى تجميدها داخل أدراج المكاتب دون الحاجة لإعلان رفض سياسي مباشر قد يثير حفيظة رئيس الوزراء أو المجتمع الدولي.
(*) شرط الاستقرار الأمني المفقود: تدرك الشركات الأمريكية العملاقة أن التوقيع البروتوكولي في واشنطن لا يوفر بيئة آمنة للمهندسين والموظفين والعاملين والمعدات والآليات الهندسية والانشائية على الأرض في بغداد او البصرة أو ذي قار أو الأنبار. طالما أن السلاح المنفلت قادر على تهديد المقار الاستثمارية أو قصف القواعد القريبة منها، فإن مجلس إدارة أي شركة عالمية لن يوافق على تفعيل البنود التنفيذية و المخاطرة برأس المال  والذي سيكون ليس بعشرات الملايين بل بالمئات .
2. المفارقة الجيواقتصادية: لماذا تُنفذ اتفاقيات طهران وخلال ايام معدودة بل ويمكن في ساعات ؟ حيث تظهر لنا هذه المقارنة الأكاديمية بين مساري الاتفاقيات (الأمريكية والإيرانية) تبايناً حاداً يكشف طبيعة النفوذ الفعلي ومن خلال جدول مقارنة هيكلية بين مسارات الاتفاقيات الخارجية للعراق ووجه المقارنة الاتفاقيات مع المحور الغربي (أمريكا نموذجاً) والاتفاقيات مع المحور الإقليمي (إيران نموذجاً)
طبيعة الفاعل الاقتصادي شركات قطاع خاص عملاقة خاضعة للمساءلة وحسابات الأرباح والمخاطر الصارمة. مؤسسات تابعة للدولة أو شبه حكومية تعمل بدوافع إستراتيجية وأمنية لبقاء النظام ومن خلال الدعم البيروقراطي الداخلي تواجه “فيتو بيروقراطي” خفي وعراقيل إدارية وقانونية تضعها الدولة العميقة الأحزاب الحاكمة وبالاشتراك مع نواب الفصائل الولائية حيث تحظى بـ “ضوء أخضر” وتسهيلات استثنائية من مراكز القرار والنفوذ داخل الوزارات والمنافذ لان الهدف الإستراتيجي تحديث هيكلي للمنظومة الاقتصادية (طاقة، تكنولوجيا، مصارف) وبناء استقلال سيادي. تأمين رئة اقتصادية لتخفيف العقوبات، تدوير العملة الصعبة، والاندماج السلعي المباشر. ولان العائق الأساسي يتمثل في غياب البيئة الأمنية المستقرة، ضعف البنية القانونية، والتردد البيروقراطي الداخلي. القيود المالية الأمريكية، عقوبات الخزانة، وضوابط المنصة الإلكترونية للبنك الفيدرالي والمطلع على الوضع الاقتصادي العراقي سوف يلاحظ دون شك بإن سرعة تنفيذ الاتفاقيات مع إيران لا تعود للصدفة، بل لكونها تمثل مصلحة حيوية متبادلة للشبكات الاقتصادية المهيمنة حيث ان التكامل السلعي اليومي تتركز الاتفاقيات مع الجانب الإيراني على قطاعات تشغيلية حيوية وعاجلة (الغاز لتشغيل محطات الكهرباء، المواد الغذائية، المنتجات الإنشائية). هذا النوع من التجارة يعتمد على قنوات قائمة بالفعل ولا يحتاج لشركات تدقيق عالمية أو دراسات جدوى مسبقة. ومن خلال رأس المال السياسي والأمني المتغلغل حيث يمتلك الحلفاء الإقليميون قدرة توجيه مباشرة لقرارات الوزارات التنفيذية. فالموافقة على استيراد بضاعة أو تمرير شحنات عبر المنافذ الحدودية أو توقيع عقود توريد طاقة لا تمر بسلسلة المراجعات والتعقيدات التي تُفرض على الشركات الغربية. هذا التسهيل المطلق يجعل العقود نافذة فوراً بدعم من أدوات السلطة السياسية والعسكرية الحاكمة على الأرض.
3 . خريطة الكابينة الناقصة: صراع المحاصصة الشاغرة ومحاولات السيطرة على القرار السيادي حتى هذا اليوم الاثنين 7 أيلول  2026، ما يزال التشكيل الحكومي لعلي “الزيدي” ناقصاً ومبتوراً؛ حيث تظل 9 وزارات شاغرة تُدار بالوكالة. هذا الفراغ الدستوري والتنفيذي يمثل ساحة صراع حقيقية خلف الستار والكواليس لانها ما تزال تتقاتل فيما بينها ضمن محور المعسكر الأمني والاستخباري (الدفاع، الداخلية، الأمن الوطني) ومن خلالها تسعى الفصائل الولائية عبر ممثليها في البرلمان وضغوطها السياسية للاستحواذ على القرار الفعلي في هذه الوزارات السيادية المهمة لان السيطرة على القرار الأمني تضمن إجهاض أي محاولة حكومية جادة لتطبيق بند “حصر السلاح بيد الدولة” أو الحد من تحركات الفصائل العابرة للحدود، وهو الملف الذي يشكل الشرط الأساسي الذي وضعته إدارة الرئيس ” ترامب ” لبناء أي شراكة حقيقية والمقرر انتهاء مهلته الزمنية بنهاية مساء الاربعاء المصادف 30 أيلول أما بالنسبة للمعسكر الخدمي والاقتصادي (التخطيط، التعليم العالي، العمل والشؤون الاجتماعية) حيث تمثل هذه الوزارات المتبقية مصدراً رئيسياً لشرعنة النفوذ من خلال التحكم بالموازنات الاستثمارية، خطط التنمية، التوظيف الحكومي، والتعاقدات العامة. بقاء هذه الوزارات شاغرة أو إدارتها بالوكالة يشل قدرة الحكومة على اتخاذ قرارات إستراتيجية موحدة لتفعيل الاتفاقيات الدولية، ويجعل كل وزارة جزيرة معزولة تخضع لإملاءات الجهة الحزبية أو الفصائلية التي تهيمن عليها بالوكالة.
4 . الفيتو الولائي العقائدي العابر للحدود: ومن خلال استحداث اساليب وطرق لغرض التعطيل المتعمد لمنظومة التحديث الاقتصادي , حيث تطرح لنا هذه الاشكالية فرضية جوهرية مفادها :”  إن عرقلة تحديث المنظومة الاقتصادية العراقية من قبل قيادات الفصائل والكتل الموالية للجوار ليس ناتجاً عن إهمال إداري أو صدفة سياسية، بل هو إستراتيجية مقصودة ومنهجية تُمارس مع سبق الإصرار والترصد.
تستند هذه الإستراتيجية التعطيلية إلى ثلاثة أبعاد أساسية رئيسية وهي :
أولاً: كسر الاحتكار التكنولوجي والسيادي (نموذج ستارلنك) :
إن إدخال تكنولوجيا الإنترنت الفضائي عبر شركة عالمية مثل “ستارلنك” يمثل تهديداً مباشراً للأمن السيبراني والسيطرة المعلوماتية التي تفرضها القوى المهيمنة على قطاع الاتصالات التقليدي في العراق. تحديث هذا القطاع يعني توفير اتصالات آمنة ومشفرة خارج نطاق الرقابة المحلية، مما يضعف قدرة الدولة العميقة الموازية على التحكم بالفضاء الرقمي ورصد التحركات. لذلك، يواجه تفعيل هذا العقد عرقلة قانونية وتنظيمية مستمرة داخل الهيئات والوزارات لمنع إدخال المعدات وتوفير التراخيص التشغيلية النهائية على الأرض.
ثانياً: أتمتة النظام المالي ومنع الاندماج الدولي (نموذج جي بي مورغان) :
يمثل الاتفاق مع بنك “جي بي مورغان” والتوجه نحو أتمتة النظام المصرفي والجمارك والمنافذ الحدودية خطراً وجودياً على “اقتصاد الظل” الذي يعتمد عليه تمويل الفصائل والمحور الإقليمي الحليف. إن ربط المصارف العراقية بالمنظومة المالية العالمية وتشديد معايير الامتثال ومراقبة حركة الأموال (منصة الامتثال الإلكترونية) يغلق منافذ تهريب العملة الصعبة وتدوير الأموال الالتفافية. بناءً عليه، فإن أي خطوة لتحديث المنظومة المصرفية تواجه بـ “فيتو” نيابي شرس، وضغوط لتأجيل تطبيق القرارات، وافتعال أزمات لتعديل إدارات المصارف الحكومية لضمان بقاء النظام المالي التقليدي القائم على الورق والثغرات الإدارية.
ثالثاً: منع الاستقلال الطاقوي والربط الإقليمي البديل :
تستهدف الاتفاقيات الموقعة مع “إكسون موبيل” و”شيفرون” وجي إي فيرنوفا إنهاء التبعية المطلقة للعراق في مجال الطاقة من خلال استثمار الغاز المصاحب وتطوير محطات الإنتاج والربط الكهربائي مع دول الخليج والأردن. إن تحقيق العراق للاكتفاء الذاتي من الغاز والكهرباء يعني انتفاء الحاجة الاقتصادية والسياسية لاستيراد الغاز الإيراني، وهو الاستيراد الذي يمنح طهران أداة ضغط جيوسياسية هائلة (عبر قطع الإمدادات في مواسم الصيف بذريعة الديون أو الصيانة). لذلك، يتم تجميد هذه الاتفاقيات في أدراج الوزارات تحت ذرائع التدقيق المالي والشروط التعاقدية الصعبة، لضمان استمرار الاعتماد على المحور الإقليمي كخيار وحيد غير قابل للاستبدال.
5 . سوسيولوجيا الصمت: لماذا يغيب النقد العلني لهيكلية التبعية الاقتصادية؟

إذا كانت هذه الحقائق ساطعة ومعروفة لدى النخبة السياسية والأكاديمية، فلماذا يغيب نقاشها العلني في البرلمان أو وسائل الإعلام الرسمية؟ يفسر علم الاجتماع السياسي هذا الصمت الجماعي عبر آليتين:
أولا . معادلة الردع وتسييس الخطاب الاقتصادي ؟
في البيئة الأمنية العراقية الحالية، لا يُعامل النقد الاقتصادي كوجهة نظر أكاديمية أو فنية، بل يُترجم فوراً ضمن الصراع المحوري الإقليمي والدولي. توجيه أصابع الاتهام المباشرة للفصائل الولائية العقائدية بعرقلة الاقتصاد لصالح الجوار يضع صاحبه (سواء كان وزيراً، نائباً، مستشاراً، أو أكاديمياً) تحت طائلة التصفية السياسية، أو التشويه الإعلامي ومنعه من الظهور على شاشات التلفزة الاخبارية وبرامجها الحوارية والتهمة جاهزة ومغلفة ومعدة مسبقآ ومن خلال وعبر اتهامه بالعمالة للمحور الغربي والأمريكي، أو التهديد الأمني المباشر بفعل انتشار السلاح المنفلت. هذا الوضع يخلق ما يُعرف في العلوم السياسية بـ “دوامة الصمت المقيد”، حيث تفضل النخب النطق بلغة عامة ومبهمة وتجنب تسمية الأشياء بمسمياتها الحقيقية الموجودة على أرض الواقع حفاظاً على السلامة الشخصية والموقع السياسي والمنصب والظهور الاعلامي الدائم عبر شاشات التلفزة الإخبارية المحلية والعربية.
 ثانيآ . عقيدة “التوازن الرمادي” لحكومة السيد “الزيدي ” ؟
تدرك حكومة “الزيدي” نفسها أنها تعمل فوق حقل ألغام جيوسياسي. فرغم رغبة رئيس الوزراء (الآتي من خلفية رجال الأعمال) في تحديث الاقتصاد والانفتاح على الغرب، إلا أنه يعلم أن بقاء حكومته واستقرار السلم الأهلي مرهون بعدم كسر التوازن الحرج مع قوى الإطار التنسيقي والفصائل الولائية العقائدية لان المكاشفة العلنية وافهام الرأي العام بحقيقة العرقلة الممنهجة للاتفاقيات الأمريكية قد تدفع هذه القوى لسحب الثقة عن الحكومة في البرلمان أو تحريك الشارع لإسقاطها أمنياً. وبناءً عليه، تلجأ السلطة التنفيذية لـ “الدبلوماسية الرمادية” تتفاوض في واشنطن وتوقع الاتفاقيات لكسب الدعم الدولي، وتغض الطرف في بغداد عن تجميدها في أدراج المكاتب الوزارية يعلوها غبار السلاح لتفادي الصدام الداخلي الحتمي.
6 . السيناريوهات المستقبلية للسيادة المالية والاقتصادية العراقية : حيث تخلص هذه الدراسة الأكاديمية الاستباقية المختصرة والتي نحاول ان نضعها امام الراي العام والقارئ واصحاب الشان والاختصاص , إلى أن الوضع الاقتصادي والسياسي الحالي في العراق لغاية هذه اللحظة يضع الدولة أمام ثلاثة سيناريوهات مستقبليّة محتملة:
(*) السيناريو الأول: استمرار “الستاتيكو” وبقاء الوضع الراهن (المرجح على المدى القصير):
أن تظل الاتفاقيات الـ 48 مع أمريكا مجمدة في أدراج الوزارات تحت وطأة الفيتو البيروقراطي والروتين، مع استمرار إدارة الوزارات الـ 9 المتبقية بالوكالة أو توزيعها وفق تسوية محاصصة باهتة لا تمنح أحداً السيطرة الكاملة. يستمر في هذا السيناريو التبادل الاقتصادي السريع مع إيران بالحدود المتاحة ومن خلال منافذ التهريب والمنافذ الحدودية ، مع محاولات مستمرة للالتفاف على العقوبات، مما يبقى العراق في منطقة رمادية طاردة للاستثمار العالمي و مستنزفة للسيادة المالية.
(*) السيناريو الثاني: حسم الكابينة وفرض الامتثال السيادي (السيناريو المتفائل) :
أن ينجح رئيس الوزراء السيد “الزيدي “، مستنداً إلى دعم دولي قوي وضغوط شعبية داخلية، في حسم الحقائب الأمنية والاقتصادية الشاغرة لصالح شخصيات تكنوقراط مستقلة تتمتع بالكفاءة والنزاهة والشفافية في عملها ، والمباشرة بتفكيك “الفيتو البيروقراطي” في الوزارات. ويتطلب هذا السيناريو تفعيل فوري لعقود “ستارلنك” و”جي بي مورغان” والبدء بمشاريع الطاقة الكبرى، مما يضع الدولة في مواجهة سياسية وأمنية مباشرة مع الفصائل وتجريدها من أذرعها الاقتصادية العميقة.
(*) السيناريو الثالث: الانكشاف والانهيار المالي (السيناريو الكارثي):
أن تنجح القوى الولائية العقائدية المسلحة في فرض سيطرتها المطلقة على الوزارات الـ 9 الشاغرة (خاصة الأمنية والمالية)، وتصعيد وتيرة العرقلة لكل ما هو غربي، مع زيادة وتيرة تهريب العملة الصعبة والالتفاف على ضوابط الفيدرالي الأمريكي. هذا التوجه سيقود حتماً بحلول نهاية 2026 أو مطلع 2027 إلى فرض عقوبات أمريكية شاملة على المصارف الحكومية العراقية وتقييد تدفقات الدولار من مبيعات النفط، مما يدفع بالاقتصاد العراقي نحو انهيار مالي وتضخم حاد يهدد شرعية واستقرار النظام السياسي بأكمله.

إن نجاح أي رؤية إصلاحية واقتصادية تنموية في العراق لا يبدأ من قاعات المؤتمرات في واشنطن، وتركيا , بل من تفكيك أدراج المكاتب في بغداد ؟ وطالما أن الدولة الموازية العميقة ما تزال تمتلك القدرة على فرض “فيتو” صامت وعميق على مفاصل التحديث المالي والطاقوي، فإن السيادة العراقية تظل مؤجلة، والاقتصاد سيبقى رهينة لتوازنات جيوسياسية عابرة للحدود تضحي بالمستقبل التنموي للبلد في سبيل بقاء محاور إقليمية متصارعة وتنفيذ اجنداتها السياسية والعسكرية والاقتصادية على حساب التنمية البشرية والاقتصادية للمواطن العراقي.


sabahalbaghdadi@gmail.com

(1) أثار عدم توقيع وزير النقل العراقي (وهب الحسني / القيادي وعضو مجلس الشورى في منظمة بدر ) على وثيقة مرتبطة بمشروع “طريق التنمية”، خلال مراسم اتفاقيات عراقية تركية في أنقرة، جدلا في العراق، بعدما سأله رئيس الوزراء علي الزيدي مباشرة عن السبب، أمام الرئيس التركي رجب طيب أردوغان وكاميرات وسائل الإعلام. وأظهر مقطع متداول من المراسم، الزيدي وهو يلتفت إلى وزير النقل ويسأله “وزير، ليش ما وقعت على طريق التنمية؟ شو المشكلة؟”، في مشهد بدا خارج السياق البروتوكولي للتوقيع .

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


الاخبار العاجلة
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com