فاروق الدباغ
حين تصبح الأخلاق مسألة ولاء لا مسألة مبدأ
في العراق، لا أحد تقريباً يقول إنه مع الفساد. الحكومة تتحدث عن مكافحته، والأحزاب تتعهد بمحاربته، والبرلمان يرفع شعارات استرداد الأموال، وقادة الكتل السياسية يكررون أن «لا حصانة لفاسد». إذن، المشكلة ليست نقصاً في الشعارات، بل تبدأ عندما نطرح سؤالاً أصعب: هل نستخدم المعيار الأخلاقي نفسه عندما يكون المتهم من خصومنا وعندما يكون من جماعتنا؟
في السادس عشر من سبتمبر، نشرت قناة «الحرة»، نقلاً عن مصادر عراقية وتركية، أن رئيس هيئة الحشد الشعبي فالح الفياض حاول نقل أموال وممتلكات خاصة به إلى تركيا، بعد ضغوط تعرضت لها معاملاته في قطر، وأنه خرج من لقائه مع وزير الخارجية التركي هاكان فيدان من دون الحصول على الموافقة التي كان يسعى إليها.
المؤكد رسمياً أن لقاءً عُقد بين فيدان والفياض في أنقرة في الأول من مايو 2026، لكن الخارجية التركية لم تنشر تفاصيل المباحثات. أما الحديث عن الأموال والممتلكات، فيبقى رواية صحفية منسوبة إلى مصادر، وليس حكماً قضائياً أو دليلاً نهائياً. كما لا تتوافر، وفق المعلومات المنشورة علناً، وثائق تتيح الجزم بحجم ثروة الفياض أو تبرر تداول أرقام غير مثبتة.
والدقة هنا ليست دفاعاً عن الفياض ولا مجاملة له، بل جزء من المبدأ الأخلاقي الذي يناقشه المقال. فلا يجوز أن نحارب الانتقائية الأخلاقية بانتقائية أخرى، أو أن ندين شخصاً لأننا نختلف معه سياسياً قبل ظهور الأدلة.
لكن الرواية، إن صحت، تفتح سؤالاً مشروعاً: كيف تتعامل دولة ترفع شعار مكافحة الفساد مع أسئلة بهذا الحجم تحيط بمسؤول رفيع يرأس مؤسسة أمنية رسمية ويقود حركة سياسية مشاركة في المعسكر الداعم للحكومة؟
هل تطالب الحكومة بالشفافية؟ هل تسأل عن مصدر الأموال والممتلكات، إن ثبت وجودها؟ هل تطلب إظهار الذمة المالية والوثائق التي توضح الحقيقة؟ وإذا كانت الادعاءات كاذبة، فلماذا لا تُعرض الأدلة التي تفندها؟
أم يتحول السؤال نفسه إلى اعتداء على المكوّن أو المؤسسة أو الطائفة؟
هنا تتحول قضية الفساد من ملف قضائي ومالي إلى أزمة في الوعي الأخلاقي. فقد تعلمنا أن ندين الفساد، لكننا لم نتعلم دائماً أن ندينه بالقاعدة نفسها. فالمسؤول المنتمي إلى الخصم يصبح «فاسداً» قبل اكتمال التحقيق، أما عندما يقترب الملف من حليف، فتبدأ الأسئلة المضادة: من سرّب الخبر؟ لماذا ظهر الآن؟ ومن يقف خلفه؟
قد تكون هذه الأسئلة مشروعة، لكنها تصبح وسيلة للهروب عندما تحل محل السؤال الأصلي: هل حصل الأمر أم لم يحصل؟ وإذا وُجدت الأموال، فمن أين جاءت؟
قطعتا شوكولاتة تهزان مستقبلاً سياسياً
في السويد، وقعت في تسعينيات القرن الماضي حادثة تكشف حجم الاختلاف في فهم المسؤولية العامة. لم تكن القضية متعلقة بمليارات اختفت من خزينة الدولة، ولا بعقود نفطية أو منافذ حدودية، بل ببطاقة ائتمان حكومية استُخدمت في نفقات خاصة.
كانت مونا سالين آنذاك نائبة رئيس الوزراء، وإحدى أبرز شخصيات الحزب الاشتراكي الديمقراطي، والمرشحة الأوفر حظاً لخلافة إنغفار كارلسون في قيادة الحزب. بدت الطريق مفتوحة أمامها لتصبح أول امرأة تتولى رئاسة وزراء السويد.
ثم ظهرت بطاقة الائتمان.
كشفت الصحافة أنها استخدمت البطاقة الحكومية في مشتريات ونفقات خاصة، من بينها استئجار سيارات وسحب مبالغ نقدية وشراء حاجات شخصية.وبلغ مجموع النفقات التي تناولتها التحقيقات الصحفية 53,174 كرونة سويدية، أي ما يعادل اليوم نحو ثمانية ملايين دينار عراقي.، لكن القضية لم ترتبط في ذاكرة السويد بهذا الرقم، بل بتفصيل صغير: قطعتا شوكولاتة من نوع «توبليرون».
تحولت القضية إلى ما عُرف باسم «فضيحة توبليرون».
قالت سالين إنها كانت تنظر إلى البطاقة باعتبارها وسيلة للدفع المؤقت، وإنها أعادت الأموال التي أنفقتها. وانتهى التحقيق القانوني من دون إثبات جريمة تستوجب ملاحقتها. ومع ذلك، لم يقل حزبها إن ما حدث مؤامرة تستهدف الاشتراكيين الديمقراطيين، ولم تُتهم الصحافة بالإساءة إلى الدولة أو خدمة اليمين.
استقالت مونا سالين من منصبها نائبةً لرئيس الوزراء، وسحبت ترشحها لقيادة الحزب. لم تدخل السجن، ولم يصدر حكم يثبت أنها سارقة، لكنها دفعت ثمناً سياسياً لأنها لم تحافظ على الحد الفاصل بين البطاقة العامة والحاجة الخاصة.
قد يبدو هذا المشهد للقارئ العراقي شبه سريالي: مستقبل سياسي كامل، وربما فرصة تاريخية للوصول إلى رئاسة الحكومة، يهتز بسبب نفقات خاصة وقطعتي شوكولاتة، بينما تضيع في العراق مليارات الدولارات، ثم ينصرف الجدل إلى هوية من كشف القضية بدلاً من البحث عن المال ومن أخذه.
لكن «توبليرون» لم تكن القضية الحقيقية. القضية كانت في السؤال الأخلاقي: هل يجوز لمن يدير المال العام أن يتعامل معه، ولو مؤقتاً، كأنه امتداد لمحفظته الخاصة؟
في النظام الذي يحترم المساءلة، لا تُقاس المخالفة بحجم المبلغ وحده، بل بالحد الذي جرى تجاوزه. فعندما تُمحى الحدود أمام أصحاب النفوذ، قد تبدأ المسألة بقطعة شوكولاتة وتنتهي بعقد أو شركة أو مؤسسة كاملة. وعندما تُرسم الحدود منذ البداية، يصبح الوصول إلى الفساد الكبير أكثر صعوبة.
هذا لا يعني أن السويد خالية من الفساد، أو أن سياسييها أكثر طهراً بطبيعتهم؛ فقد شهدت السويد فضائح ومخالفات واستغلالاً للنفوذ. لكن الفرق يكمن في قوة المساءلة وفي اعتبار المنصب مسؤولية إضافية، لا حصانة إضافية. فالمسؤول لا يستطيع دائماً الاحتماء بحزبه، ولا يُطلب من الناس أن يثقوا به بسبب موقعه، بل يُطلب منه تقديم ما يسمح لهم بالثقة به.
العراق لا يحتاج إلى خطبة جديدة عن النزاهة، فقد سمع منها ما يكفي. إنه يحتاج إلى قاعدة واحدة: ما تعتبره فساداً عندما يفعله خصمك، يجب أن تعتبره فساداً عندما يفعله حليفك.
وفي الحياة اليومية أيضاً، قد يقع بعضنا في التناقض نفسه. نحتج على الواسطة عندما تحرمنا الوظيفة، ثم نبحث عنها عندما نحتاج إلى فتح باب مغلق. نشتم الرشوة عندما يطلبها موظف منا، ثم نسأل عن شخص «يدبّر الموضوع» عندما تتوقف مصالحنا. نطالب بتطبيق القانون على الآخرين، ثم نبحث عن استثناء لأنفسنا.
الفساد الكبير يبدأ غالباً بجملة صغيرة:
«لا بأس».
ثم تكبر لتصبح: «الجميع يفعل ذلك».
وبعدها: «هذا من جماعتنا».
وتنتهي بالسؤال الشهير: «لماذا تفتحون ملفه الآن؟».
وهكذا يتحول الفساد من فعل مرفوض إلى منظومة دفاع اجتماعي وسياسي، ويتوقف الناس عن البحث في الواقعة ويبدأون بمحاكمة من كشفها.
إن معركة العراق مع الفساد لن تُحسم بإنشاء هيئة جديدة، أو باعتقال مجموعة من الموظفين الصغار، أو بإعلان استعادة مبلغ من الخارج. الامتحان الحقيقي يبدأ عندما يصل التحقيق إلى شخصية قوية أو حزب نافذ أو مؤسسة قوية. هناك فقط نعرف إن كنا أمام دولة تحارب الفساد، أم أمام نظام يحارب فساد الآخرين.
لدينا وفرة في القيم المعلنة، لكننا نعاني نقصاً في تطبيقها على الذات. نحن لا نحتاج إلى مسؤول يخبرنا بأن الفساد سيئ؛ فالطفل يعرف ذلك. نحتاج إلى مسؤول يقول: افتحوا ملف حليفي كما تفتحون ملف خصمي. ونحتاج إلى حزب يقبل إخضاع قادته للأسئلة نفسها التي يوجهها إلى الآخرين، وإلى مواطن لا يرى التحقيق مع زعيم جماعته إهانة للجماعة، بل حماية لها.
إذا صحت الرواية المتعلقة بأموال فالح الفياض، فيجب فحصها بواسطة مؤسسات الدولة والقضاء. وإذا كانت غير صحيحة، فمن حقه أن يعرض أمام الناس الحقائق والوثائق التي تفندها. فالتحقيق ليس إدانة، والشفافية ليست عقوبة، والسؤال عن مصدر المال لا يصبح مؤامرة لمجرد أن المسؤول الذي يواجهه قوي.
أما أن تبقى الأسئلة معلقة لأن صاحبها نافذ، فيما تُرفع يومياً رايات مكافحة الفساد، فهنا لا تعود المشكلة في المال وحده، بل في معنى الأخلاق نفسه.
فالفساد لا ينتصر فقط عندما يسرق الفاسد المال العام، بل ينتصر تماماً عندما يقنع المجتمع بأن السرقة فساد إذا ارتكبها الخصم، و«قضية سياسية» إذا اقتربت من الحليف.
عندها لا تعود الدولة عمياء أمام الجميع، كما يفترض ميزان العدالة، بل تبدأ بالنظر إلى الفساد بعين واحدة.

















































